الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » المشهد الثقافي » فنون وإعلام

الاتصال الجمعي في الإعلام الإسلامي

د. عبد العزيز شرف

 

 

قال:"صلى الله عليه وسلم"«صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة»(متفق عليه)، وقال"صلى الله عليه وسلم":«ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»(رواه أبوداود بإسناد حسن). 
أما صلاة الجمعة فقد قال الله عز وجل بشأنها{يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ}(الجمعة:9).
وقال رسول الله"صلى الله عليه وسلم":«من ترك ثلاث جمع تهاونًا طبع الله على قلبه»، كما قال«إن أهل الكتابين أعطوا يوم الجمعة فاختلفوا فيه فصرفوا عنه، وهدانا الله تعالى له وأخره لهذه الأمة وجعله عيدًا لهم، فهم أولى الناس به سابقًا، وأهل الكتاب لهم تبع»(متفق عليه) وقد أجمع المسلمون كافة على وجوب صلاة الجمعة التي ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة.
ومن مظاهر الاتصال الجمعي في صلاة الجمعة الخطبة، وهي الرباط الروحي للمصلين والمخبر الإعلامي للمسلمين، ومن خلالها يمكن توجيه الناس وإرشادهم وإعلامهم والأخذ بأيديهم إلى خير السبل وأسلمها.
الخطب النبوية والاتصال الجمعي
يقول ابن القيم الجوزي عن خطب النبي"صلى الله عليه وسلم"«إنها كانت تقريرًا لأصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وذكر الجنة والنار وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب من خطبه إيمانًا وتوحيدًا ومعرفة بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي تفيد أمورًا مشتركة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانًا بالله ولا توحيدًا له، ولا معرفة خاصة، ولا تذكيرًا بأيامه ولا بعثًا للنفوس على صحبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم ويبلي التراب أجسامهم، فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا، وأي توحيد وعلم نافع يحصل به؟ومن تأمل خطب النبي"صلى الله عليه وسلم"وخطب أصحابه، وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد وذكر صفات الرب جل جلاله، وأصول الإيمان الكلية والدعوة إلى الله وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره، ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد وخفى نور النبوة وصارت الشرائع والأوامر رسومًا تقوم من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها وزينوها بما زينوها به فجعلوا الرسوم والأوضاع سننًا لا ينبغي الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع فنقص، بل عدم حظ القلوب منها وفات المقصود بها».
أما النووي فيقول:«يستحب كون الخطبة فصيحة بليغة مرتبة مبينة من غير تمطيط ولا تقعير، وألا تكون ألفاظًا مبتذلة ملفقة، لأنها لا تقع في النفوس موقعًا كاملًا، ولا تكون وحشية لأنها لا يحصل مقصودها، بل يختار ألفاظًا جزلة مفهمة».
أما الخطابة النبوية الشريفة فيتمثل فيها الاتصال الجمعي في أسمى معانيه، فقد كانت أداة الدعوة، واللسان والناطق بالرسالة الإسلامية، وأداة الاتصال والتعبير في مجالات العقيدة والشريعة والأخلاق، فإذا كانت الكتابة غير شائعة في هذا العصر، فإن الخطابة كانت تمثل الوسيلة الأساسية للاتصال الجمعي، ولذلك اعتمد عليها النبي"صلى الله عليه وسلم"في دعوته عشيرتَه والأقربين، وفي اتصاله بأحياء العرب وبالأسواق العامة ومواسم الحج، وكان"صلى الله عليه وسلم"يخطب ويقول:«قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، ثم انتقل إلى يثرب يدعو إلى الله على بصيرة، ويقوم في مجتمعات جديدة يشرح لهم ببيانه وفصاحته رسالة الإسلام، وهي فصاحةٌ فطر عليها وقواها تلمذته للقرآن الكريم، وفي الخطابة النبوية الشريفة تتجلى قيمة الحرية في الاتصال الجمعي، فكان " صلى الله عليه وسلم" يقول بعد الثناء والتشهد:«أما بعد»، وكان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي.
فالاتصال الجمعي-كان يتضح من دراسة الخطابة النبوية الشريفة-لا يتم من جانب واحد، وإنما كان يتاح فيه للمتلقي توجيه الأسئلة والتفاعل الذي يتيحه رجع الصدى من المستقبل إلى الرسول"صلى الله عليه وسلم"، وهي الميزة التي يفقدها الاتصال الجماهيري المعاصر، ذلك أن الرسول"صلى الله عليه وسلم"كان يقطع خطبته للحاجة تعرض والسؤال لأحد من أصحابه فيجيبه، ثم يعود إلى خطبته فيتمها، وكان"صلى الله عليه وسلم"يأمر بمقتضى الحال في خطبته، فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة، وحضهم عليها، ولم يكن يأخذ بيده سيفًا أو خلافه، وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس قبل أن يتخذ المنبر، وكان يخطب للنساء على حدة في العيدين ويحرضهن على الصدقة.
ولقد كانت الخطابة من أهم وسائل الرسول"صلى الله عليه وسلم"في الاتصال الجمعي في الإعلام الإسلامي بعد الجهر بالدعوة مباشرة، حين صعد على الصفا حاملًا عبء الجهاد من حين نزل قوله تعالى:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ}(الحجر:94)، ويذكر ابن كثير أن أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله بعد النبي"صلى الله عليه وسلم"هو أبو بكر"رضي الله عنه" .
ومن خطبة الوداع نستخلص دستورًا للإعلام الإسلامي ينص على الدعوة إلى التوحيد الخالص، والإيمان بالله، كما ينص على الدعوة إلى وجوب احترام حقوق الإنسان، بخاصة في النفس والمال والعرض، وإلغاء التعامل بالربا، وتأكيد حقوق المرأة ووجوب رعايتها ورعاية العلاقة الزوجية والأسرية، وصيانة الروابط الدينية والأخوية والاتصالية بين المؤمنين، كما تنص هذه الخطبة على إعلان المساواة التامة بين بني الإنسان في الحقوق والواجبات مساواة تامة، بغض النظر عن اللون والجنس، وهذا النص يمثل عمادًا من أعمدة الإعلام الإسلامي الذي أكدت عليه خطبة الوداع، وهي الخطبة التي أرست كذلك من مبادئ الإعلام الإسلامي، التحذير من فتن الشيطان، والتنبيه إلى وجوب التزام اليقظة، والحذر من وسائل إفساده للأخوة، وكذلك الدعوة إلى وجوب التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، لأنها الهدى الذي لا يضل من تمسك به.
وقد نصت خطبة الوداع صراحة على أن الإعلام الإسلامي إنما يقوم على أساس من تبليغ الرسالة للناس كافة، وهذا الأساس يمثل جوهر الإعلام الإسلامي.
صلاة العيدين والاتصال الجمعي
وصلاة العيدين شعيرة تمثل الاتصال الجمعي في أروع مظاهره، فالأعياد بطبيعتها مواسم إعلامية، والعيدان الكبيران في الاسم هما عيد الأضحى وعيد الفطر، وأكبرهما هو الذي يأتي بعد مشقة الحج والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وثانيهما هو الذي يأتي بعد شهر الصيام، ويحتفل به الصائم، وقد راض نفسه على مغالبة الجوع والظمأ، ومخالفة العادات التي جرى عليها في سائر الشهور.
وصلاة العيدين سنة مؤكدة وشعيرة من شعائر الدين، وفيها نسمع التكبير ثلاثًا نسقًا، وفي هذا التكبير تلخيص لرسالة الإعلام الإسلامي حيث يتم التواصل بين المسلمين ودينهم على أتم ما يكون التواصل، وتصبح الأعياد الإسلامية تجديدًا للمودة والألفة والتعارف بين المسلمين.
فالعيد إذن رسالة أساسية من رسائل الاتصال الجمعي في الإعلام الإسلامي، وقد تكون كلمة العيد باللغة العربية أصدق الكلمات دلالة على ما تعنيه، فالعيد يعود كل سنة في موعد محدود ومعروف، كما أنه يستوجب مجتمعًا مستقرًا له دينه ونظامه الاجتماعي القائم على أسس راسخة.
وهذه الدورية للعيد أي عودته سنويًا في الموعد المحدد، صفة من أهم صفات الإعلام بوجه عام.
والعيدان الإسلاميان -وهما عيد الفطر وعيد الأضحى-كان لهما أصل قديم قبل الإسلام، فكان العرب يصومون من أسبوع إلى أسبوعين في موعد الانقلاب الصيفي الذي يوافق شهر القيظ، أو شهر رمضان، وكانوا يحجون إلى الكعبة ويقدمون القرابين إلى أربابهم عند منصرفهم من الطواف، وكانوا يؤدون شعائر الحج عراة إلا من الكساء الذي يخصصه السدنة للحج في جوار مكة، فلما جاء الإسلام هذب هذين العيدين وأزال عنهما بقايا الصبغة المادية وحولها إلى العبادة الإلهية، وساعد على زوال الأثر المادي منهما، إن الإسلام حرم النسء، وهو زيادة شهور على السنة كل بضعة أعوام، لإعادة التاريخ القمري إلى الحساب الشمسي الذي تنتظم عليه مواسم الزراعة والتجارة.
الحج والاتصال الإعلامي
ويمثل الاتصال الإعلامي شكلًا من أشكال الاتصال في الدعوة الإسلامية، إذ يعني الاتصال على مستوى الأمة، الأمر الذي يتفق مع جوهر الإسلام كرسالة للناس كافة وليس لقبيلة أو شعب معين، وهو الأمر الذي لاحظه الأستاذ مونتجمري وات عميد قسم الدراسات العربية الأسبق بجامعة«أدنبرة»في كتابه«الإسلام والجماعة المتحدة»حين ذهب إلى أن فكرة«الأمة»كما جاء بها الإسلام هي الفكرة البديعة التي لم يسبق إليها، ولم تزل إلى هذا الزمن ينبوعًا لكل فيض من فيوض الإيمان يدفع بالمسلمين إلى«الوحدة»في«أمة»واحدة، تختفي فيها حواجز الأجناس واللغات وعصبيات النسب والسلالة.
وقد تفرد الإسلام بخلق هذه الوحدة بين أتباعه فاشتملت أمته على أقوام من العرب والفرس والهنود والصينيين والمغول والبربر والسود والبيض على تباعد الأقطار وتفاوت المصالح، ولم يخرج من حظيرة هذه الأمة أحد لينشق عليها ويقطع الصلة بينه وبينها، بل كان المنشقون عنها يعتقدون أنهم أقرب ممن يخالفونهم إلى تعزيز وحدتها ولمّ شملها ونفي الغرباء عنها.
ويذهب العقاد، إلى أن مونتجمري قد أصاب في التنويه بهذا المعنى«الأمة في العقيدة الإسلامية، واعتباره أنه معنى فريد خلفته العقيدة الإسلامية ولم يكن له مرادف في لغة من اللغات قبل ولا بعد الإسلام».
فكلمة Nation التي تقابل هذه الكلمة باللغات الأوروبية، مأخوذة في أصلها من معنى الولادة، ومفادها أن الولادة في مكان واحد هي الرابطة التي تكسب أبناء الوطن حقوق هذه الوحدة الاجتماعية، وكلمة People تقابل عندهم كلمة الشعب أحيانا باللغة العربية، وترجع في أصلها إلى السكن والإقامة، وكلا المعنيين -معنى الولادة ومعنى السكن-قاصر عن الدلالة على الأمة كما جاء بها القرآن الكريم في معارض كثيرة والتي تفيد معنى الجماعة الكبرى، التي تحيط بشعوب كثيرة، ويلزم من دلالتها وحدة الوجهة الإسلامية في نهاية الأمر.
وإذا كان الاتصال الإعلامي بالمعنى الحديث، وبشكله التكنولوجي، يتجاوز اللقاء المباشر والتفاعل المواجهي، فإن الحج يمثل قمة الاتصال بين المسلمين الذين يلتقون فيه من كل فج عميق، على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، وتتحقق فيه الدلالة الإسلامية لمعنى«الأمة»على أفضل نحو، حيث جعل الله البيت العتيق مثابة للناس وأمنًا، وجعل الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام، وكمال الدين فيه، على حد تعبير الإمام الغزالي، رحمه الله، وقد أنزل الله عز وجل قوله{اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا}(المائدة:3).
وقال الله عز وجل {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}(الحج:27).
الاتصال الحضاري في الإعلام الإسلامي
والاتصال الحضاري من أهم أشكال الإعلام الإسلامي، لأنه يقوم على أسس إسلامية مستقلة من القرآن والسنة، ويرتكز على التوحيد والإيمان والتسليم والطاعة لله رب العالمين، ويتغيا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فإذا كان مقياس المدنية الغربية هو التفوق المادي، فإن الحضارة الإسلامية تقوم على حرية الفكر، ودعم حرية الإنسان وكرامته، وتشجيع المعرفة والنظام والمساواة بين الناس في ظل إخاء شامل، وعدل تام وروحانية صافية، واعتزاز بالمثل العليا والقيم الأخلاقية، ذلك أن الحضارة الإسلامية قد استمدت مقوماتها من الإسلام ذاته، الذي أتم صقل الأمة العربية والإسلامية وتهذيبها، وأودع في شعوبها طاقات جديدة، وصفى طاقاتها الموروثة، فاستأصل منها الغريب والشاذ وما لا يتلاءم مع طبيعة المجتمع المثالي الذي يريده الإسلام.
فالاتصال الحضاري في الإسلام لم ينسخ النظرة الواقعية، بل اهتم بتطويرها ودعا الناس إلى الاهتمام بدنياهم إلى جانب الاهتمام بدينهم، كذلك وجه عنايته إلى رفاهية المسلمين، وتكامل سعادتهم بسعادة الروح والجسد، فسعادتهما مكفولتان في الإسلام، ولا يطغى حق واحد منهما على الآخر، وهذه التعادلية في الاتصال الحضاري الإسلامي بين المادة والروح، بين الدنيا والآخرة، بين العقل والقلب، مسايرة لطبيعة الإنسان وخلقه، فهو مادة وروح، جسد وقلب، ولقد كان المجتمع العربي قبل الإسلام يحيا على واحدة منهما ويهمل الأخرى، فكانت النتيجة الانغماس في الفوضى وعدم الاستقرار والإخفاق في الوصول إلى هدف منشود، وتكفل التعادلية بين القوتين في الاتصال الحضاري البقاء للإنسانية والسير قدمًا، فالقوانين المادية الوضعية وحدها لا تفي برفاهية الخلق، ولا تنهض وحدها بحل مشكلات الإنسان..والمجتمع المتحضر هو المجتمع الأخلاقي، أو«المدينة الفاضلة»بتعبير الفارابي، وهنا يغدو الاتصال الحضاري وسيلة لجعل أمور الحياة خاضعة لقانون الأخلاق النابع من جوهر الإسلام، كدين إنساني عام يخاطب الأمم جميعًا، فلا يفرق بين أمة وأمة بفارق الجنس واللون أو اللغة، فكل إنسان في جوانب الأرض أهل لأن يأوي إلى هذه الأخوة الإنسانية، حيث شاء وحين يشاء، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}(سبأ:28).
هكذا أعلنها القرآن الكريم دعوة عامة منذ ألف وأربعمائة سنة، وهكذا أعلنها النبي"صلى الله عليه وسلم"وخلفاؤه الراشدون وتابعوهم الأبرار في صدر الإسلام، ولم يمض قرن من التاريخ الهجري حتى قامت بينات الواقع على حقيقة الاتصال الإنساني في الدعوة الإسلامية، فدان بالدين الجديد أناس من جميع الأقوام والسلالات، ولم تنقض على الهجرة ثلاثة قرون حتى كان في عداد المسلمين ساميون وآريون وحاميون وطورانيون، عرب وفرس وترك وهنديون وصينيون وإفريقيون من الإثيوبيين، وهكذا يتأكد لنا أن الاتصال الحضاري في الإعلام الإسلامي يتسم بالشمولية في مخاطبة الناس جميعًا بلا تفرقة.
فالاتصال الحضاري في الإسلام إذن اتصال موجه إلى الإنسانية جمعاء، على توالي العصور واختلاف الأزمان، وهو ملتزم بما أنزله الله للإنسانية، وهو سبحانه وتعالى بكل شيء عليم، وبعباده رؤوف رحيم، وهو يهدي الناس إلى صراط مستقيم.
قال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(الأنعام:153).
ولقد اشتمل التشريع القرآني على معالم هذا الاتصال الحضاري من مبادئ وقيم تصلح للإنسانية جمعاء، فالأخوة الإسلامية أصبحت هي الأساس في الاتصال الحضاري بدلًا من العصبية، والاتحاد أصبح هو العماد الذي يقوم عليه هذا الاتصال، وتتمثل هذه الأسس في الآيات الكريمة:
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} (آل عمران:104).
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ}(المائدة:2).
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(التوبة:71).
وإن كان التشريع القرآني قد رسم على هذا النحو الأسس التي يقوم عليها الاتصال الحضاري القويم، فقد أكد أن تنكب هذا الطريق واختيار السير في طريق الفساد إنما ينتهي بهدم البناء الاجتماعي والحضاري وتقويض أسسه، ويتمثل هذا الإنذار للحضارات المنحرفة في الآيات الكريمة:{إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}(الرعد:11).
{فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ.وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (هود:116-117).
{وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا](الإسراء:16).
والتشريع القرآني يبين الأسس القويمة للاتصال الحضاري السوي، كما يبين عوامل هدم الحضارات المنحرفة، ويذكر المؤمنين على الدوام بنعمة قيام الأمة المتحدة المؤتلفة بعد تنازل، ويحذر من الجاهلية التي تعيد الفرقة بعد الوحدة، ويتضح ذلك في الآيات الكريمة:
{يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}(آل عمران:102-103).
المصدر – مجلة الوعي الاسلامي
 
د. عبد العزيز شرف
تاريخ النشر:2013-09-19 الساعة 14:18:03
التعليقات:0
مرات القراءة: 2204
مرات الطباعة: 494
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan