الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات فقهية

أحكام الاستفتاء

د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم

 

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
فهذا بحث مختصر متعلق بالاستفتاء وأحكامه، وقد جعلته في خمس مسائل، بيانها ما يلي:
المسألة الأولى:تعريف الاستفتاء.والفرق بينه وبين القضاء:
الاستفتاء طلب الفتوى، والفاء والتاء والحرف المعتل أصلان:أحدهما يدل على طلاوة وجدة، والآخر على تبيين حكم[1].
وفي الاصطلاح:"بيان الحكم الشرعي"[2].وللفتاوى عدة مسميات عند العلماء، كالواقعات، والنوازل[3].
والفرق بين الفتوى والقضاء:
يتفقان في عظيم أمرهما وخطير شأنهما، ويفترقان في أمور أهمها ما يلي[4]:
1-أن الفتوى أعم مجالاً من القضاء؛ لدخولها في العبادات وغيرها، بخلاف القضاء فلا مدخل له في العبادات.
2-أن الفتوى أعم متعلقاً من القضاء؛ لشمولها المستفتي وغيره، بخلاف القضاء فلا يتعدى مَنْ حكم له أو عليه.
3-وجود الإلزام الظاهري في القضاء دون الفتيا، فلا تلزم إلا ديانة إن اعتقد المستفتي صحتها، أو لم يوجد غير من أفتاه، أو كان ملتزماً بمذهب من أفتاه، أو كان مقلداً له.
المسألة الثانية:خطر الفتوى، وعظيم شأنها:
تكمن خطورة الفتوى في كونها خبراً عن الله سبحانه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-بحسب نظر المجتهد[5]، والذي ورث علم الأنبياء، مما يجعل الحذر فيها حتماً لازماً.ويزيد الأمر خطورة على خطورته أن المفتي من شأنه إصدار الفتاوى من ساعته بما يحضره من القول، فقد لا يتهيأ له من الصواب ما يتهيأ لمن أطال النظر تثبت، كالقاضي[6]، وكذلك فإن للفتوى متعلقاً بفعل المفتي وحاله؛ إذ قد تؤخذ الفتوى من فعله أو إقراره؛ بخلافته الأنبياء في علمهم.[7]ولأجل ذا اشتهر في السلف الزهد فيها والحذر منها، والحيطة عند التصدر لها، فمن ذلك[8]ما حكاه عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ قال:أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، وقال ابن مسعود وابن عباس-رضي الله عنهما-:من أفتى في كل ما يسأل عنه فهو مجنون.وقال الشعبي والحسن وأبوحصين:إن أحدكم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-لجمع لها أهل بدر.وقال عطاء بن السائب:أدركت أقواماً يُسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرتعد.وقال الهيثم ابن جميل:شهدت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنين وثلاثين منها:لا أدري.وقال الشافعي:ما رأيت أحداً جمع الله تعالى فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عينية، أسْكَتَ منه على الفتيا.وقال أبو حنيفة:لولا الفَرَقُ من الله تعالى أن يضيع العلم، ما أفتيت:يكون لهم المهنأ وعلي الوزر.قال الصيمري والخطيب:"وقلّ من حرص على الفتيا، وسابق إليها، وثابر عليها؛ إلا قلّ توفيقه، واضطرب في أمره، وإن كان كارهاً لذلك، غير مؤثر له، ما وجد عنه مندوحة، وأحال الأمر فيه على غيره؛كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في جوابه أغلب"[9].
المسألة الثالثة:آداب الاستفتاء:
يقسم العلماء تلك الآداب إلى قسمين؛ آداب تتعلق بالمفتي، والآخر بالمستفتي، ويمكن إجمال أبرز ما ذكروه في التالي:
أ-آداب المفتي:وذكروا فيه شروطه، وصفاته، وآدابه[10].
1-شروط المفتي:
وهي:
1-العلم.ويعنون به الاجتهاد؛ سواء كان اجتهاداً مطلقاً أو جزئياً.
2-العدالة والورع.
2-صفاته:
أفصح عنها الإمام أحمد-رحمه الله-فقال:"لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
أولها:أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية، لم يكن عليه نور، ولا لكلامه نور.
ثانيها:أن يكون له علم، وحلم، ووقار، وسكينة.
ثالثها:أن يكون قوياً على ما هو فيه وعلى معرفته.
رابعها:الكفاية، وإلا مضغه الناس.
خامسها:معرفة الناس[11]".قال ابن القيم:"أي شيء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه"[12].
3-آدابه:
1-التورع عن الفتيا إن لم تلزمه.
2-وإن لزمته، فعليه التأني فيها والنظر، وألا يقوم عليها إلا بعد فهمها حال اعتدال مزاج.
3-استشارة أهل العلم.
4-حفظ أسرار الناس.
5-ذكر الحكم بدليله وتعليله إن احتمله عقل السائل.
6-التمهيد للحكم إن كان مستغرباً.
7-الإرشاد إلى البديل المناسب، إن كان المسؤول عنه محظوراً.
8-أن تكون فتواه بألفاظ النصوص الشرعية.
9-الاختصار والوضوح في الفتوى شفاهاً أو كتابة، وعدم إيقاع السائل في حيرة أو شك، ومن ذلك التفصيل في محلّه.
10-التورع عن الجزم بالحل والحرمة فيما لا يعلم نصه.
11-الصدع بما يعتقد صدقه، ولو خالف غرض السائل، ما لم تكن المصلحة في السكوت.
12-الصبر على تفهم سؤال المستفتي وتفهيمه الجواب.
13-التعلّق بالله سبحانه، والتوجه إليه في طلب الهداية والسداد.
14-التوقف عند عدم العلم، وله أن يدل على غيره من أهل الفتوى.
ب-آداب المستفتي:
1-ألا يسأل إلا عند جهله بما يلزم شرعاً مما يترتب عليه عمل[13]مما وقع أو يتوقع حصوله.
2-أن يجتهد في البحث عن المفتي الأعلم والأدين؛ لتحصل له الطمأنينة، وله أن يكرر في طلبها السؤال على مفتين، لا لتشهٍ، أو تتبع رخص.
3-التزام الأدب والتوقير للمفتي.
4-إيضاح المسألة بوجه وافٍ للمفتي.
المسألة الرابعة:موقف العامي من اختلاف فتوى المجتهدين له في واقعة معينة:
وهذه المسألة كثيرة الوقوع، ويكثر معها حيرة العامي في الأخذ بأي الأقوال، ويستغلها جمٌّ من مرضى القلوب؛ لضرب الشريعة بالتناقض، أو أهل العلم بذلك، ولم يترك العلماء تلك المسألة غفلاً من البحث، بل أرشدوا العامي إلى سبيل للخروج من هذا التعارض.
ولهم مسلكان في ذلك:
المسلك الأول:التخيير[14]؛ بأن يختار ما يشاء من الأقوال؛ بناءً على أن غرضه التقليد، وقد تساوت الفتاوى في حقه، فكان له اختيار ما شاء منها.
المسلك الثاني:الترجيح[15].وقد اختلف القائلون به في تحديد معياره بالنظر إلى الفتوى، فقيل:يرجح بالكثرة؛ للترجيح بها في الشرع.
وقيل:يرجح بالأخف؛ تمشياً مع يسر الشريعة، ولأن النبي-صلى الله عليه وسلم-كان يختار أيسر الأمرين ما لم يكن إثماً[16].
وقيل:يرجح الأثقل؛ لأنه فيه الخروج من العهدة بيقين.
وقيل:يرجح بالأحوط؛ لأنه مطلوب شرعاً.
وقيل:يرجح بإتباع المجتهد الأعلم الأتقى؛ تنزيلاً لاختلاف فتاوى المجتهدين على العامي على اختلاف الأدلة على المجتهد.
وقيل:يرجح المقلّد بحسب قدرته؛ قياساً على الاختلاف في الأمور العادية، كاختلاف الطريقين أو الطبيبين.
ولعل الأظهر-والله أعلم-هو القول الأخير من أقوال أهل مسلك الترجيح، وهو أن أيَّ أمر يحصل به الترجيح واطمئنان القلب لأحد الأقوال يكون هو المقدم كما هو اختيار ابن القيم[17]؛ استدلالاً بقوله-صلى الله عليه وسلم-في حديث وابصة بن معبد-رضي الله عنه-:"استفتِ قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك"[18]يقول ابن رجب-رحمه الله-:"فدل حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، فما سكن إليه القلب، وانشرح إليه الصدر، فهو البر والحلال، وما كان خلاف ذلك، فهو الإثم والحرام"[19]، ومحلُّ ذلك إن عريت المسألة من الدليل الشرعي الصحيح، وأما مع وجوده-وهو خارج مسألتنا –فلا عبرة بما خالفه مما يقوم في القلب[20].
فإن قال قائل:ربما أفضى هذا القول إلى الأخذ بالرخص وتتبعها، وذلك منهي عنه شرعاً؟
قيل:لما كان مبنى الفتوى على الديانة التي يجب رعايتها؛ وكان أمرها سراً بين العبد وربه؛ صار ترجيح الفتوى موكولاً إليها كسائر ما يُديّن به المرء وكل امرئ بنفسه بصير فإن لم يكن لديه ترجيح، فيتبع قول الأعلم الأتقى؛ لقوله تعالى:﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾[النحل:43]ولا يتميز أهل الذكر إلا بتلك الخصيصتين اللتين يمكن للعامي تمييزها في المفتين بنفسه، أو بسؤال غيره[21].
المسألة الخامسة:الفتوى في النوازل:
أ-المراد بالمنازلة:
هي الوقائع الجديدة التي لم يسبق فيها نص أو اجتهاد[22].
ب-آداب الفتوى فيها[23]:
هي آداب المفتي المشار إليها فيما تقدم، غير أنه يمكن إضافة وتأكيد ما يلي:
1-التأكد من وقوع تلك النازلة، وتحقق النفع من دراستها.
2-فهم المفتي لها فهماً دقيقاً بسؤال الواقعين فيها، وأهل الاختصاص.
3-مشاورة أهل العلم.
4-الالتجاء إلى الله سبحانه في طلب التوفيق والتسديد.
5-مراعاة مقاصد الشريعة.
6-فقه الواقع المحيط بالنازلة.
7-مراعاة العوائد والأعراف.
جـ-خطوات النظر في النازلة[24]:
بعد التحقق من تأهل الناظر لبحث النازلة، وجدوى دراستها ونفعها، والإحاطة بتفاصيلها، والأحوال والظروف والعوائد المحيطة بها، فإنه يمكن التعرف على حكم النازلة بردها إلى أحد أمور أربعة مرتبة على الأولوية؛ فلا تقديم فيها للأدنى مع وجود الأعلى، كما أنه لا مانع من جمع أكثر من أمر فيها على الترتيب التالي:
1-ردُّ النازلة إلى الأدلة الشرعية المتفق عليها(القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس)، وكذلك ردُّها إلى الأدلة المختلف فيها كقول الصحابي والاستحسان وشرع من قبلنا إن كان الناظر يرى حجتها.ويكون ذلك الردّ للتعرف على حكم النازلة وفق قواعد الاستنباط المقررة من لدن أهل العلم، كالعموم والخصوص، والمنطوق، والمفهوم، وفك التعارض بين الأدلة والترجيح بينها.وكذلك يُراعى عند النظر في الأدلة تفاوت درجاتها في القوة والحجة؛ فيقدم ما حقه التقديم، ويؤخر ما حقه التأخير، كما هو مقرر في ترتيب الأدلة.
مثال ذلك:
تحريم إلقاء نطفة رجل في رحم امرأة أجنبية عن طريق التلقيح الصناعي(أطفال الأنابيب)؛ لعموم ما روي عنه-صلى الله عليه وسلم-:"ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل"[25].
2-ردّها إلى القواعد والضوابط الفقهية حال انطباق شروطها ودخول النازلة تحتها.
مثال ذلك:
تحريم تجميد بويضات المرأة؛ لكثرة مفاسد ذلك؛ تطبيقاً لقاعدة:"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".
3-ردّها إلى التخريج من أقوال الأئمة بطريق القياس، أو النقل، أو لازم المذهب وفق الضوابط المعتبرة في ذلك من انعدام النص الشرعي، وإحاطة المخرِّج بقواعد المذهب، وبما يلزم العلم به من مسائل أصول الفقه، ومآخذ الأحكام لربط الفروع بأصول المذهب، والدراية بالفروق بينها.
مثال ذلك:
تحريم تخدير المحدود قبل إقامة الحد؛ أخذاً من إطلاق الفقهاء لإقامة الحد بسكوتهم عنه مع وجود الحاجة الداعية إلى التنصيص على التخدير وتوفره لديهم، فدل هذا السكوت على تحريمهم له من باب اللزوم.
4-ردّها إلى مقاصد الشريعة:
وهي المعاني والحكم التي راعاها الشارع؛ لأجل تحقيق مصالح العباد.
مثال ذلك:
وجوب وضع إشارات المرور؛ لأن فيها حفظاً لأبدان وأموال المخلوقين، وهما مقصدان من مقاصد الشرع قد حافظ عليهما وراعاهما في أحوال كثيرة.
بتلك الكليات الأربع تستوعب الحوادث والنوازل على مر الدهور والعصور، وتبقى الشريعة حية متجددة، كما أرادها الله سبحانه كاملةً حاكمةً.والله أعلم.وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
المصادر
[1]معجم مقاييس اللغة(806).
[2]معالم أصول الفقه عند أهل السنة(512).
[3]المصباح في رسم المفتي ومناهج الإفتاء(22)
[4]انظر:إعلام الموقعين(36)، أصول الفتوى(8-16)، مباحث في أحكام الفتوى(33-35).
[5]انظر:الموافقات(2/468)، إعلام الموقعين(19)، أدب المفتي والمستفتي(72)، آداب الفتوى(13)
[6]معالم أصول الفقه(512)
[7]انظر:الموافقات( 2/468)
[8]انظر:أدب المفتي والمستفتي(72-85)، آداب الفتوى(14-17)، إعلام الموقعين( 33-34)
[9]آداب الفتوى(17)
[10]انظر:أدب المفتي والمستفتي(85-95)، آداب الفتوى(19-34)، إعلام الموقعين(867-933)، تيسير التحرير(4/242)، الموافقات(2/479-480)تقريب الوصول(459)، الإحكام للآمدي(2/270)، شرح الكوكب(4/594-597)، معالم أصول الفقه(517-523)
[11]إعلام الموقعين(892)
[12]السابق
[13]انظر في الأسئلة المذمومة:الموافقات( 2/519-520)
[14]انظر:الإحكام(3/288)، تقريب الوصول(461)، إعلام الموقعين(932)، شرح الكوكب(4/580-581).
[15]السابق
[16]رواه البخاري( 3367)ومسلم(2327)
[17]إعلام الموقعين( 932 )
[18]رواه أحمد(4/228)والدارمي(2/320)وحسّنه النووي.جامع العلوم والحكم(462)
[19]جامع العلوم والحكم(469)
[20]انظر:السابق( 470)
[21]انظر:أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله( 486-487 )
[22]منهج استنباط النوازل(90)، المصباح(480)
[23]انظر:منهج استنباط النوازل( 309-343)
[24]انظر:منهج استنباط النوازل(374-571)، المصباح(480-482)، التكييف الفقهي(61-115).
[25]رواه ابن أبي الدنيا وضعفه الألباني في ضعيف الجامع(5173)ومعناه صحيح وله شواهد.
المصدر- شبكة الالوكة
 
د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
تاريخ النشر:2013-09-23 الساعة 11:42:13
التعليقات:0
مرات القراءة: 2133
مرات الطباعة: 449
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan