الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » قضايا فكرية

بناء ثقافة التسامح

د. حسن عزوزي

 

يسجل مفهوم التسامح حضوره في عمق التجربة الإنسانية من خلال مختلف الآداب الفكرية للأديان السماوية والوضعية على السواء.وقد عرفت الحضارات الإنسانية مفهوم التسامح كواحد من المفاهيم التي تندرج في إطار حقوق الإنسان مقابلا لمفاهيم العنف والتعصب واللاتسامح.

وإذا كان التعصب يشكل مظهرا من مظاهر الحياة الاجتماعية لدى كثير من شعوب العالم، فإن التسامح يعتبر فضيلة إنسانية تغيب عنها مظاهر العنف، وتنجلي فيها قيم الأمن والسلام.ولذلك، فإذا غاب التسامح فهذا يعني غياب الأمن المجتمعي ومن ثم غياب السلام.

وتجمع القواميس العربية على أن المقصود بالتسامح هو المساهلة(1)والسخاء والجود والكرم، فيقال:أسمح:إذا جاد وأعطى بكرم وسخاء.وأسمح وتسامح:إذا وافقني الآخر على المطلوب، والمسامحة هي المساهلة.أما في المعاجم الأجنبية فنجد في معجم«هاشيت"تعريفا للفظة«التسامح»بأنها «موقف يقضي باحترام حرية الآخر وطرق تفكيره وسلوكه وآرائه ومعتقداته»(2)، كما نجد في معجم العلوم الاجتماعية تعريفا قريبا لهذا الأخير, جاء فيه أن التسامح هو قبول الآخرين وسلوكهم على مبدأ الاختلاف، ويتعارض مع مفهوم السلطة والقهر والعنف، ويعد هذا المفهوم إحدى سمات المجتمع الديموقراطي(3).

لقد ترجمت لفظة«Tolérance»عربيا إلى«التسامح»، ومع ذلك لابد من الإقرار بأن المفهوم يعتبر وليد حركة الإصلاح الديني الأوروبي، حيث نشأ عن تغير في الذهنية ناتج عن علاقة جديدة هي علاقة الاعتراف المتبادل بين مختلف القوى التي استمر صراعها خلال الحروب الدينية الأوروبية.

التسامح والاعتراف بالآخر المختلف

تتضمن هذه التعريفات إذن مفاهيم تجعل من التسامح سلوكا وقيمة يتحلى بهما الشخص تجاه الآخر، خصوصا الآخر المختلف عن الذات، دينيا وفكريا، إذ لا ينبغي الاعتقاد بأن الجميع ينبغي أن يكون مشابها للذات وإلا وجب إقصاؤه ونبذه، ولقد أمر الله تعالى رسوله "صلى الله عليه وسلم"بأعلى درجات التسامح فقال تعالى:{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ }(المائدة:13)، وقال أيضا:{فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}(الحجر:85).«ومعنى العفو ترك المؤاخذة بالذنب، ومعنى الصفح ترك أثره من النفس، وكونه لم يبق أثره في النفس قمة في التسامح»(4).

من جهة أخرى، يمكن القول إن المفهوم الراهن للتسامح ينطوي على أبعاد قوية يمكن أن نجمعها في كلمة واحدة وهي«الاعتراف».فكل شخص إنساني ملزم بالاعتراف بالآخر، سواء كان مماثلا له أو مختلفا عنه، اعترافا القصد منه الإيمان بحق كل شخص في العيش وفق قناعاته في مجتمع آمن تسود فيه علاقات التفاهم والتساكن والتعايش(5).

إذن فالتسامح وسيلة الانسجام، وهو عملية تصفية لعرض الأفكار وفهم آراء الغير حتى يتنازل الإنسان عما علق برأيه من أنانية واعتداد بالرأي؛ ليحقق الانسجام مع فكر غيره.وبذلك يحقق الفعالية والاستمرارية لأجواء التفاهم والتساكن فيما بين أفراد المجتمع، في ظل الأمن الوارف، الذي يستظل بظلاله كل من ينسجم مع مجتمعه في وحدة الموقف وسمو النفس والارتفاع عن الضغائن والأحقاد.

إن هناك شيئا لا يدخل في نطاق الحقوق التي تنظمها القوانين، ويلزم بها القضاء، وتشرف على تنفيذها الحكومات، ذلك هو روح التسامح التي تتجلى أسمى مظاهرها في حسن المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الإنسانية، من البر والرحمة والإحسان، وهي الأمور التي يحتاج إليها الإنسان في حياته اليومية من أجل أن ينعم بالأمن المجتمعي الرغيد.

التسامح..والأمن المجتمعي

إن الإنسان إذا تسامح، أو عبر عن سلوك متسامح فمعناه أن يأخذ الآخر، الذي يعيش معه في أمان، بعين الاعتبار، ويقبل حججه.وبذلك يكون مفهوم التسامح مرتبطا ارتباطا عميقا بمفهوم الأمن والسلام، فالأمن هو لازمة طبيعية لمفهوم التسامح، وإذا كان مفهوم الأمن والسلام هو غياب الحرب والصراع ووجود الأمن المجتمعي، فإن هذا يعني وجود التسامح كضرورة حيوية لمفهوم الأمن والسلام، ويبقى العنف في النهاية هو الصيغة المقابلة لمفهوم التسامح، فالعنف التعصبي أو العدواني هو نقيض التسامح، وذلك لأن التسامح هو التصور المنافي لأي ممارسة للعنف والتسلط والعدوان.

ولاشك أنه في ظل انتشار الأمن المجتمعي تسري عدوى التسامح من الفرد إلى الفرد، ليصبح المجتمع متسامحا، سواء في المعاملات، أو في تلقي الآراء والأفكار، أو في التساكن مع مختلف الجماعات، أو الحوار مع الآخر.ومن البديهي أن يكون التسامح من طبيعة الإسلام، لأنه دين اجتماعي وليس دينا ترتكز تشريعاته على الفرد وحده باعتباره محط اهتمامه، لأنه لا يرى سعادة الفرد إلا في تلاحمه مع مجتمعه، فالمجتمع بيئة الفرد التي ينمو فيها متعاونا ومنسجما معها، ولا سبيل لسعادة الفرد إلا في مجتمع متسامح، كما لا سبيل لوجود مجتمع متسامح إلا في فرد متسامح أيضا، وهذا التسامح إنما يسود في مجتمع آمن يعتمد الاستقرار والسلام والتفاهم.وإذا كان الفرد المسلم يوجه إليه الخطاب القرآني بضمير الجماعة أكثر مما يوجه إليه بضمير المفرد، فلأن الإسلام دين اجتماعي تتحقق تعاليمه ومبادئه وقيمه بالتجاوب والتواصل داخل إطار جماعي وليس فرديا.ولو تأملنا في مبدأ الشورى، على سبيل المثال، لوجدناه في الإسلام يؤدي إلى إبراز طبيعة التسامح في شخصية الإنسان المسلم.فالشورى تقتضي وجود آراء متعددة متفاضلة لا تجد حلها إلا في التسامح الذي يذيب عوامل التصلب في الرأي والتعصب في المواقف والسير في الطريق الواحد دون الإصغاء إلى مختلف الاتجاهات، فالشورى تنازل عن بعض المواقف أو بعض جوانب الرأي، فإذا كان المسلم من طبعه التسامح سهلت عليه استساغة الرأي المعارض إذا لم يمس حقا من حقوق الله أو حقوق العباد، وإنما هو التسامح الذاتي في قبول وجهة نظر أخرى تحقق الهدف أو ما يؤدي إلى تحقيقه.فالشورى إذن هي فلسفة الاجتماع الإسلامي في الأسرة والمجتمع والدولة، وهي سبيل مشاركة الإنسان في تدبير شؤون العمران، وبها يرشد الإنسان تدبير المجتمع الذي ينتسب إليه ويشعر بالأمن الاجتماعي الذي يحققه له هذا الانتماء.

وهكذا فالتسامح يعد أرضية أساسية لبناء المجتمع المدني وإرساء قواعده.فالتعددية، والديموقراطية، وحرية المعتقد، وقبول الاختلاف في الرأي والفكر وثقافة الإنسان، وتقدير المواثيق الوطنية والدولية، واحترام سيادة القانون..خيارات استراتيجية وقيم إنسانية لا تقبل التراجع ولا التفريط ولا المساومة.فالتسامح عامل فاعل في بناء المجتمع المدني وتعزيزه واستقراره.

قيم التسامح في التوجيهات الإسلامية

إذا كان الإسلام دين سلام وعقيدة محبة ووئام بين جميع الناس، مسلمين وغير مسلمين، فإنه أيضا نظام اجتماعي يستهدف تحقيق الأمن المجتمعي الشامل، الذي يرمي إلى أن يستظل بظلاله كل من يعيش داخل المجتمع من مسلمين وأهل ذمة وغيرهم، وهذا الأمن المجتمعي هو الذي يجمع كل هؤلاء أناسا متعارفين متحابين {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}(الحجرات:13).

إنه حتى في حالة الخصومة والشنآن يبقي الإسلام أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك وعدالة المعاملة وسماحة الخلق، قال تعالى:{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا  اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}(المائدة:8)، وقال سبحانه:{ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً  وَاللَّهُ قَدِيرٌ  وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(7)لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ  إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8)}(الممتحنة:7-8).

فهذه بعض من تلك القواعد السامية التي جعلها الإسلام أصولا لمعاملة غير المسلمين، وهي أعدل القواعد التي تتفق مع روح هذا الدين وسماحته، وهي أساس شريعته الدولية التي تجعل حالة السلم بينه وبين الناس جميعا هي الحالة الثابتة لا يغيرها إلا وقوع الاعتداء الحربي عليه وضرورة رده.

ومن التوجيهات الإسلامية التي تحث على السماحة ومقابلة الشر بالخير والسيئة بالحسنة قوله تعالى:{ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ  نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ}(المؤمنون:96)، وقوله سبحانه:{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}(فصلت:34).

ومن تلك التوجيهات أيضا أن يكون جدال الآخر بالتي هي أحسن، قال تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ   وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(النحل:125).

ووجه الإسلام إلى مقابلة النوايا السيئة والحقد الدفين بالعفو والصفح، قال تعالى:{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ   فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى  يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ   إِنَّ اللَّهَ عَلَى  كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(البقرة:109).

أما سيرة الرسول "صلى الله عليه وسلم" وصحابته الكرام فتعد ترجمة واقعية لتلك التوجيهات القرآنية، حيث طبعت حياتهم بمواجهة الأذى بالصبر والحلم والثبات، أما بعد الهجرة النبوية فكان الحرص على أشده لكي تتحقق داخل المدينة المنورة ملامح الأمن المجتمعي الشامل الذي يؤنس لشيوع أجواء التسامح والتساكن السلمي.ولذلك آخى الرسول "صلى الله عليه وسلم" بين المهاجرين والأنصار، وعقد معاهدات كثيرة مع أعدائه، حيث عاهد "صلى الله عليه وسلم" أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون، وعاهد المشركين في الحديبية على السلم والأمان، وتساهل معهم إلى منتهى التساهل والتسامح، لكن عن قوة وعزة لا عن ضعف وذلة، بل تجلت روح التسامح عند النبي "صلى الله عليه وسلم" حتى في الحرب، فقد قال لهم أيضا:«من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن»(رواه مسلم).

والإسلام حين يحث على التسامح مع المخالفين، ومن ضمنهم أهل الكتاب، يمنع المسلمين منعا جازما من اتخاذ أولياء منهم يتعاونون معهم، فالتسامح شيء واتخاذهم أعداء الإسلام أولياء شيء آخر، قال تعالى:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ   وَمَنْ يَفْعَلْ ذَ لِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}(آل عمران:28).

ومن سماحة الإسلام أنه حين يكشف للمسلمين عما تضمره لهم نفوس أعدائهم من الحقد والبغض، لا يأمرهم ولا يحرضهم على مقابلة الغل والدس والكراهية بمثلها، وإنما يحذر المسلمين ويبصرهم بحقيقة العدو، وينبههم إلى الخطر الذي يهدد الأمن المجتمعي لحماية المسلمين، ومع ذلك يحث على الصفح والعفو والجنوح إلى السلم وعدم اللجوء إلى العنف إلا عند الضرورة، كما يربي المؤمنين على أن يعاملوا الناس جميعا بسماحة الإسلام؛ منعا للفتنة وإزالة للتحديات التي تعيق استتباب الأمن والسلام والاستقرار.

الهوامش

(1)لسان العرب لابن منظور 2/490، طبعة دار صادر، بيروت، 1995، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، مكتبة الخانجي بمصر، ط 3/1402.

(2)Dictionnaire Hachette ,2 ed p 1173.

(3)Lexique des sciences sociales ;dallaz- Paris 1983 p 358.

(4)الشوكاني، فتح القدير، 1/28.

(5)Hassan Azzouzi ;La question de la tolérance entre chrétiens ,Juifs et Musulmans in:AL MISBAHIA revue de

la faculté des Lettres Sais – Fès ,Volume 4/ 2000 p 59

 المصدر- مجلة الوعي الاسلامي

 

 
د. حسن عزوزي
تاريخ النشر:2015-02-28 الساعة 14:08:17
التعليقات:0
مرات القراءة: 2335
مرات الطباعة: 287
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2017 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan