الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » قضايا فكرية

رجع الصدى لآراء المــستشرقين

أ. مصطفى يعقوب عبد النبي

 

قد يبدو لأول وهلة أن الإساءة للإسلام كعقيدة وللمسلمين كأمة وللرسول" صلى الله عليه وسلم"كنبي مرسل من عند الله تعالى، وجميعها تكاد تكون قاسما مشتركا في أدبيات الخطاب الإعلامي الغربي، هي من تأثير هجمات سبتمبر الشهيرة والتي عززتها بعض التفجيرات في لندن ومدريد على نحو معروف ومشهور ومؤخرا هجمات باريس.ولعلنا لا نجاوز الصواب إن قلنا أن هذه الهجمات وتلك التفجيرات، إنما هي من العوارض الطارئة في الخطاب الإعلامي الغربي، بمعنى أن لغة هذا الخطاب الذي يسيء للإسلام والمسلمين كانت ستبقى على حالها من الإساءة سواء حدثت هذه الحوادث أم لم تحدث.غير أن كل ما هنالك أن حدوثها قد استعاد في ذاكرة الخطاب الإعلامي الغربي أجيالا من العداء للإسلام والمسلمين ظل قرونا عديدة يخبو حينا ويظهر على السطح حينا آخر..ولم يكن هذا العداء سوى محصلة ما كتبه المستشرقون على اختلاف أجناسهم وتنوع مذاهبهم وتعاقب أجيالهم، ولم يشذ منهم سوى نفر قليل قد ضاعت أصواتهم وسط هذا الخضم العاتي من الأكاذيب والأضاليل حول الإسلام والمسلمين.

إذن فلم تكن تلك الحوادث رغم بشاعتها ورغم أنها تنافي تعاليم الإسلام السمحة هي السبب فيما وصل إليه الغرب من الإسفاف في أدبيات الخطاب الإعلامي الغربي، وإنما هو عود على بدء، ورجع الصدى، ووصل ما انقطع من كتابات المستشرقين الذين أرسوا منهج الإساءة للمسلمين فتغلغلت في نفوس الأوروبيين ورسخت في أذهانهم دون أن يكلف أحد من مثقفي أوروبا نفسه تحري الدقة في صحة تلك الكتابات.

من حصاد الاستشراق

تمخضت أهداف المستشرقين عن كم هائل لا سبيل إلى حصره من المؤلفات والدراسات التي تضمنت آراءهم وأفكارهم وتصوراتهم على اختلاف مذاهبهم وأزمانهم وجنسياتهم حيال العرب كتاريخ وتراث، وحيال الإسلام كعقيدة، واتفقوا فيما بينهم، رغم تباين واختلاف أفكارهم الذي يصل إلى حد التناقض أحيانا، على شيء واحد هو؛ الإساءة للإسلام كعقيدة وفقه وشريعة، وللعرب كأمة وتاريخ وتراث.

ولعلنا لا نجاوز الصواب إن قلنا أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل أن نجد مستشرقا قد أفلت من أسر التعصب والهوى، عدا قلة محدودة قد اتسمت بقدر من الإنصاف والحيدة غير أن صوتها قد ضاع وسط هذا الخضم العاتي من التعصب وكراهية كل ما يمت إلى الإسلام بصلة.ولقد توزعت أدوار هؤلاء المستشرقين؛ فمنهم من أساء للإسلام كعقيدة، ومنهم من أساء للرسول  " صلى الله عليه وسلم"  ومنهم من حط من شأن تراث العرب، ومنهم كذلك من حقر من شأن المسلمين كأمة...وهكذا.حتى التراث العلمي العربي لم يسلم هو الآخر من الحقد والتعصب، فقد وصف بعضهم الإنتاج العلمي العربي بالبربرية والجهالة(1)، لأن العرب في زعمهم لم يخلقوا للتفكير الأصيل المبتكر(2)، ولعل الدليل على أن الحملة ضد الإسلام ذات جذور بعيدة في الفكر الأوروبي ما أورده محمد كرد علي في كتابه«الإسلام والحضارة العربية»والصادر في سنة 1933م إذ يقول:«اختلفت مناحي الطاعنين على الإسلام في الغرب منذ نحو مائتي سنة، فكان فيهم المخلص في نقده، بيد أنه لم يرزق من نزع ربقة الهوى ما يؤهله لإصدار أحكام على العرب ومدنيتهم خالصة من العيوب والنزغات.ومنهم الذي لم يصل إلى درجة من التحقيق، فأرسل كلامه إرسالا، ظانا أنه أصاب شاكلة الصواب وما هو منه بقريب.ومنهم من أعمى التعصب المذهبي بصره وبصيرته، فكال الباطل كيلا، وخلط وخبط تحت ستار العلم والبحث».

فمن سخافات المؤلفين الذين ألقوا الكلام على عواهنه في الإسلام قول«كوفين»من جامعة واشنطن:«إن الشريعة الإسلامية التي دان بها وقدسها، مئتان وثلاثون مليونا من الناس قد حفظت في تضاعيفها شرورا اجتماعية تئن منها الإنسانية، ومع هذا قدست الشريعة هذه الشرور باسم الدين»(3).

أما«رينان»وهو مستشرق ومؤرخ فرنسي شهير فقد كرس كل جهده طيلة حياته في الإساءة إلى الإسلام كعقيدة والطعن على العرب كأمة، ومن آرائه التي لم يحد عنها قوله:«إن الإسلام دائما اضطهد العلم والفلسفة، وإن ما يميز المسلم تمييزا جوهريا هو كراهية العلم والاقتناع أن البحث لا فائدة منه وأنه عبث، وشبه كفر، وقوله أيضا: إن الإسلام هو التوحيد غير المميِّز بين ما هو روحي وما هو دنيوي، إنه سيطرة عقيدة، وهو أثقل قيد حملته الإنسانية»(4)..وقوله كذلك:«إن المسلمين هم أول ضحايا الإسلام وتحرير المسلم من دينه هو أكبر خدمة يمكن أن تُسدى له»(5).

وأغلب الظن أن المقصود بمثل هذه الكتابات التي يشيع فيها العداء والإساءة للإسلام كعقيدة وللمسلمين كأمـة هم أبناء الغرب أنفسهم خشية أن يدركوا حقيقة الإسلام ويدخلوا فيه أفواجا مثلما سبقتهم أمم وشعوب قد دخلوا في دين الله أفواجا.وفي هذا يقول الأستاذ محمود شاكر:«إن كتب الاستشراق ومقالاته ودراساتـه كلهـا مكتوبـة أصلا للمثقف الأوروبـي وحده لا لغيره، وإنهـا كتبت له لهدف معين لا يراد به الوصول إلى الحقيقة المحررة، بل الوصول إلى حماية عقل هذا المثقف الأوروبـي من أن يتحرك في جهـة مخالفة للجهـة التي يستقبلهـا زحف المسيحيـة الشمالية على دار الإسلام في الجنوب»(6).

وعلى الرغم من هذه الحقيقة، فإننا نعتقد كذلك أن كتب الاستشراق ودراساتـه مكتوبة - أيضا - لأبناء العرب المسلمين، لأهداف شتى أهمهـا ما يتعلق بالتبشير، إذ إن الاستشراق والتبشير كانا مختلطين أو متكاملين، وأن هذا الاختلاط أو التكامل قد أوقعهمـا في البعد عن موضوعية العلم ونزاهتـه، وفتح الباب لهذا السيل المتدفق من الطعن والافتراء على كل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين(7).

ولاشك أن مثل هذه الآراء هي التي رسخت في عقول أبناء الغرب جيلا بعد جيل حتى وصل الأمر إلى ما هو عليه الآن، وفيما يلي بعض تلك الآراء التي لا نظن أنها قد تغيرت بعد بدليل أننا الآن، وبعد هذا الزمن الطويل، نجد أصداءها في الخطاب الإعلامي الغربي:

1- إذا كنا لا نتوقع أي قدر ولو ضئيل للغاية من الموضوعية والتجرد في كتابات المستشرقين، فهذا دأبهم منذ ظهر الاستشراق، إلا أننا لم نتخيل أن«هانوتو»وهو سياسي ومؤرخ شهير قد شغل منصب وزير خارجية فرنسا، وهو منصب يفرض عليه قيودا دبلوماسية ويحسب للألفاظ ألف حساب، أن يتورط بأكثر ما تورط فيه المستشرقون من الغلو والأكاذيب، فقد أيد فكرة مجنونة لباحث فرنسي يدعى«كيمون»..حيث يقول الإمام محمد عبده نقلا عن«هانوتو»:«قال المسيو«كيمون»في كتابه«باثولوجيا الإسلام»:«إن الديانة المحمدية جذام نشأ بين الناس، وأخذ يفتك بهم فتكا سريعا، بل هي مرض مريع وشلل عام يبعث الإنسان على الخمول والكسل، ولا يوقظه منهما إلا ليسفك الدماء ويدمن على معاقرة الخمور ويجمح في القبائح...الخ»أمثال هذا الكاتب يعتقدون أن المسلمين وحوش ضارية وحيوانات مفترسة، وأن الواجب إبادة خُمْسهم(كما يقول المسيو كيمون)والحكم على الباقي بالأشغال الشاقة...وهو حل بسيط وفيه مصلحة للجنس البشري...أليس كذلك؟..ولكن قد برح عن خاطر الكاتب أنه يوجد نحو 130 مليون مسلم في ذلك الوقت وأن من الجائز أن يهب هؤلاء المجانين للدفاع عن أنفسهم والذود عن دينهم»(8).

وإذا كان لنا من تساؤل حول تلك الفكرة المجنونة التي أيدها سياسي في حجم«هانوتو»وزير خارجية فرنسا آنذاك، فإننا نتساءل فنقول: هل ما جرى في الجزائر على يد فرنسا من قتل ما يزيد على مليون شهيد، كان تطبيقا فعليا لفكرة إبادة خُمْس المسلمين؟

ومن الجدير بالذكر أن هذه الآراء وغيرها قد رد عليها في وقتها الشيخ محمد عبده في كتابه الشهير«الإسلام دين العلم والمدنية»ردا مفحما أثار إعجاب الغيورين على الإسلام.وفي هذا يقول حافظ إبراهيم في معرض رثائه للشيخ في بيته المشهور:

وقفت لـ«هانوتو»و«رينان»وقفة

أمدك فيها الروح بالنفحات(9)

2- لعل دائرة المعارف الإسلاميــة هي المثل الحـي والواضح على نزعات ودوافع الاستشراق فالنزعـة العلميــة المجردة قليلــة للغاية بالقياس إلى نزعـات الهــوى والتعصب العرقـي والدينـي، وإن كان الجميع قد اتخذوا من المنهج العلمـي ستارا لهذه النزعات.ومن المعروف أنه قد عكف على ترجمتهـا نفر من شباب خريجـي الجامعة المصرية وقتهـا وهم الأساتذة إبراهيم زكي خورشيد وأحمد الشنتناوي وعبدالحميد يونس، فأصدروا أول أجزائهـا سنة 1933م.ولم يكتف هؤلاء الثلاثـة بمجرد الترجمـة، فلاشك أنـه قد آلمهم ما في بعض مواد الدائرة من ظلم بين وإساءة واضحـة، وطعن صريح في كل ما يمت إلى العرب والإسلام بصلة.لــذا فقد تناولت هذه المواد جمهـرة من علماء المسلمين بالرد والتصحيح وبيان فساد المنطق وبطلان النتائج.وإذا رجعنا إلى مواضع الاستشهاد فيما يمتّ إلى الإساءة إلى الإسلام بصلة في الدائرة فسوف نجدهـا أكثر من أن تعد وأن تحصـى.غـير أن القراءة العابرة لمواد الدائرة سوف تأسف على أن مواضع التعليق والتعقيب أكثر ما تسود في تلك المواد التي تتعلق بكل ما يمت إلى الإسلام كشريعـة وعقيدة(10).

وعن هذه الدائرة يقول الدكتور إبراهيم عوض:«هالني ما يسود من انحراف عن المنهج العلمي وعداء بارز للإسلام ورسوله وكتابه وعقائده وشرائعه ورغبة حارقة في تلطيخ كل شيء فيه.وقد دفعني هذا كله إلى الكتابة عن هذه الموسوعة وتبيين ما فيها من انحراف وإلقاء الضوء على الأخطاء الرهيبة، والتناقضات الخطيرة التي تطفح بها وتنبيه القارئ إلى النوايا البشعة التي تكمن خلف ذلك»(11).

3- قد ظهــرت لنا - من واقع ترجمـة مؤلفات المستشرقين - قضية على جانب كبير من الخطورة والأهميـة، وهــي العلاقة بين المترجم العربي المسلم وبين الكاتب الأجنبي غير المسلــم.ووجه الخطورة هنا أن المترجم ينقل عن هذا المستشرق أفكاره عن الإسلام التي سوف يراهـا المترجم خاطئـة أحيانا، أو لا صلة بينها وبين تعاليم الإسلام وحقائقه المستقرة أحيانا أخرى، ويغلب عليهـا الهـوى والتعصب في جميع الأحيان.ولقد تتبعنا جملـة من مؤلفات المستشرقين المترجمـة إلى العربية التي حاول المترجمون جهدهم أن يردوا على ما في تلك المؤلفات من آراء تجافي الحقيقة وتذهب إلى مرمــى أبعد من هـذا، وأقرب إلى الغزو الفكـري.

ومن الأمثلة على هذا ما جاء في«تاريخ العرب العام»وهو كتاب شهير لمستشرق شهير أيضا هو سيديو Sedillot والذي قام بترجمته إلى العربيـة واحد من أبرز المترجمــين العرب وهو عادل زعــيتر.

وعلى الرغم من أن سيديو قد أنصف الحضارة العربية، ولاسيما فيما يتعلق بالتراث العلمي فإنه قد تجنى كثيرا على الإسلام كشريعة.وقد حرص ناشــر الكتاب أن يقوم بالتعقيب على بعض ما جاء فيه عبر جهـة مختصـة بهـذا الأمر.يقول الناشر: لما كنا حريصين على الأمانـة العلميـة وحتى لا ندع وجهـة نظر خاصـة تفرض نفسهـا على القارئ - يقصد آراء سيديو - فقد رأينـا أن نتصل بمجمع البحوث الإسلاميـة ليبدي رأيه فيهـا(12).

وقد أحسن المجمع التعقيب على آراء المؤلف«الذي يؤخذ عليه عـدة مآخذ حين عرض لســيرة محمد  " صلى الله عليه وسلم"  والتشريع الذي أتت به رسالته والقـرآن الذي أوحي إليه، فقد زل قلمـه، ولسنا ندري أعن تعصب ضد الإسلام أم عدم معرفة صحيحـة به»(13).

 

 

ومثال آخر وهو المستشرق الألماني الشهير كارل بروكلمـان K.Brockelmann الذي يعد في الطليعـة من المستشرقين المشهورين، ولاسيمـا أنه ألف كتابا موسوعيا ضخمـا هو«تاريخ الأدب العربي»غير أن له كتابا آخر هو«تاريخ الشعوب الإسلاميـة»ضمنـه كثيرا من الآراء الجائرة بحق الإسلام والعرب حتى يخيل لقارئه أن كل صفحـة من صفحاتـه بحاجـة إلى المراجعـة والتعقيب مما حدا بالأستاذين نبيـه فارس ومنير البعلبكي اللذين قاما بالترجمـة أن يقولا في مقدمة الكتاب:«وإذا كان في الكتاب بضعة آراء خاصة بالمؤلف تتنافى أحيانا مع وجهة النظر الإسلامية فقد عهدنـا بالتعليق عليها إلى زميلنا الدكتور عمر فروخ»(14).

وعلى الرغم من أن الدكتور عمر فروخ قد بذل جهدا محمودا في الرد على ما جاء في الكتاب من آراء بعدت عن جادة الصواب فإنه يبدو لنا أن الدكتور فروخ قد هالـه كثرة آراء بروكلمان التي هي بحاجـة إلى التعقيب عليهـا فآثر بعضهـا بالتعليق دون البعض الآخر وقد نبه إلى ذلك صراحـة بقوله:«يبدو أن معلومات بروكلمان ضعيفة في الفقه والعبادات، من أجل ذلك أحب أن أسترعي نظر القارئ إلى التفطن لذلك من غير أن أعلق على كل شيء، وإلا اضطررت إلى أن أبسط حقائق الدين الإسلامي من جديد»(15).

ومن أعجب الأمور التي صادفتنـا أثناء البحث في مؤلفات المستشرقين المترجمـة إلى العربيــــة وجود بعض المؤلفات قد خرج فيها المترجم عن النطاق المألوف في الترجمــة حيث امتنع عن ترجمـة نصوص بعينهـا فلم يثبتهـا ضمن ما ترجم من نصوص.ومن أمثلـة ذلك ما جـاء في الفصل الثاني من كتاب«الحضارة العربية»للمستشرق الألماني يوسف هل J.Hell وهو الفصل الخاص بالرسول  " صلى الله عليه وسلم" .فقد وجدنا أن الدكتور إبراهيم العدوي مترجم الكتاب يقول في بعض هوامشـه:«اقتضى هذا الفصل تعديلا في الأسلوب ولاسيما في بعض الفقرات التي عالج فيها المؤلف شخصية الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  ودعوتـه إلـى الإسـلام إذ يحمل تجنيا يكشف عن تعصب المؤلف، ووقوعـه في الخطأ الذي تردى فيه كثير من غلاة المستشرقــين»(16).وأغلب الظن أن المترجم قد تحرج من ترجمـة آراء هذا المستشرق الذي يبدو أنه أساء الأدب أكثر مما أساء العلم.

وقد دأب المترجمون العرب على تنبيه القارئ العربي المسلم إلى ما في الكتاب من أخطاء علمية أحيانا وضلالات في أغلب الأحيان، مثال ذلك ما جــاء في تقديم الدكتور شاكــر مصطفى المشرف على ترجمـة كتاب«تراث الإسلام»لشاخت وبوزورث Posourth & Sachat.إذ قال:«يجب أن نعلم أن هذا الكتاب، كتاب غربي وليس بإسلامي، ويجب ألا نفتش فيه عن وجهة النظر الإسلاميـة، ولا عن إنصاف الإسلام وتقديره، إنه ليس منا ولم يكتب لنا، هو غربي صرف في محرريه ومضمونـه ومغزاه.وقد وفقوا حينا، وأخفقــوا أحيانا، وكانوا في الغالب إلى غمط الحق أقرب، وإلى السلبيـة والهوى أدنـــى»(17).

وشهد شاهد من أهلها

وعلى الرغم من تلك الأكاذيب التي أشاعها المستشرقون والتي وجدت صداها في نفوس الغرب، مما نلاحظه جليا وواضحا في لغة الخطاب الإعلامي في سائر الدول الغربية، فإننا لا نعدم فريقا، وإن كانوا من القلة بمكان، قد هاله تلك الأكاذيب فحاولوا جهدهم أن يبينوا لبني قومهم من أبناء الغرب مدى ما وقعوا فيه من أمور جانبها الصواب جملة وتفصيلا.ومن هؤلاء كتب المؤرخ الإنجليزي«سانت موس»St.Moss يقول:«ولايزال أتباع محمد يتهمون بالكثير من التهم الباطلة.ويعانون إلى اليوم مما أذاعه عنهم خصومهم في العصور الوسطى من تخرصات أساءت إلى سمعتهم، كما أن أوروبا تنظر إليهم اليوم بالعين التي كانت تنظر بها إليهم أيام الحروب الصليبية.

وقد اعتقد كثير من المؤرخين أن الفتح الإسلامي مظهر لحرب صليبية أو دينية عامة يشنها مقاتلة متعصبون حالمون، يشهرون السيف في يمينهم ويحملون القرآن في شمالهم وهو قول لا ينطبق إلا على موقف الإسلام حيال المشركين من أهل الجزيرة، والواقع أن الإسلام كان شديد التسامح مع غير أبناء دينه»(18).

وحول هذا المعنى يقول أيضا«كويلر ينج»Cuyler Young:«والحروب الصليبية لم تكن حروبا دينية بالمعنى الدقيق.فلم يكن الغرض منها نشر المسيحية بين غير المسيحيين، بل كان الغرض في الواقع غزو الأراضي التي يحكمها المسلمون، ووضعها تحت حكم حكام من المسيحيين».

وبطبيعة الحال استعملت الدعاية ضد الإسلام كل أنواع الكذب وإشعال شعور الشعوب المسيحية ضده، حتى يبذل المسيحيون في حربه النفس والمال.ولاشك أن القرون التي اشتعلت فيها الحروب الصليبية تعتبر أعظم فترة يندى لها جبين المسيحية في كل عصورها.وقد مر على نهاية هذه الحروب خمس مئة سنة من الزمان.ولكن هذا العهد الطويل لم يمح الخزي والأكاذيب التي خلفها الصليبيون.

استمر تيار الدعاية يتدفق ضد المسلمين بالأكاذيب إلى جميع أنحاء أوروبا قرونا عديدة ومن أجل ذلك فقد امتلأت عقلية السواد الأعظم من أبناء أوروبا، بكثير من المعلومات المكذوبة عن الإسلام والمسلمين.ولم تتمكن حركة تثقيف الشعوب في العصر الحديث من إزالة هذه الأفكار بعد، ويكفي للدلالة على ذلك أن نرجع إلى الأدب الشعبي في أوروبا من إيطاليا إلى إنجلترا، لنجد عددا لا يحصى من الأحكام غير الصحيحة على عقيدة المسلمين، وعلى محمد نبي المسلمين بصفة خاصة.والمسلمون اليوم على حق، حين يغضبون لما يتردد من أنباء غير صحيحة عنهم وعن ديانتهم، في صحفنا اليومية والشهرية، بل وفي عظات القساوسة، وفي أقاصيصنا، بل وكتبنا المدرسية(19).

إذن فهجمات سبتمبر أو التفجيرات التي حدثت في بعض العواصم الأوروبية، لم تكن هي السبب الرئيسي في تلك الهجمة الشرسة من الإساءة على الإسلام والمسلمين، وإنما الإساءة كامنة في العقل الأوروبي بفعل آراء وكتابات المستشرقين ومن ذهب مذهبهم عبر أجيال طويلة من التشويه المتعمد للإسلام وللمسلمين.

وأغلب الظن أن مفهوم الإسلام في العقل الأوروبي، لا يمت بصلة إلى الإسلام الحقيقي الذي يعرفه المسلمون أصلا، سواء فيما يتعلق بالرسول  " صلى الله عليه وسلم"  أو تعاليم الإسلام وشريعته ومقاصده...الخ، الأمر الذي يستوجب على جميع مؤسسات ومنظمات الدول الإسلامية الرسمية منها والأهلية من جمعيات وجامعات ومعاهد بحث، التصدي لهذا التشويه المتعمد الذي لحق بالإسلام.

وإذا كان العالم كله يتشدق بأنه يعيش في عصر المعلومات عبر الفضائيات تارة وشبكة المعلومات الدولية(الإنترنت)تارة أخرى، فإننا مطالبون، أقصد الدول الإسلامية، أن توجه بعض جهودها، من خلال معطيات هذا العصر المختلفة، ووسائله المتنوعة، وتقنياته المستحدثة، لبيان وجه الإسلام الصحيح إلى دول الغرب، كل بلغته، وشرح حقيقة الإسلام وسماحته لمن لا يعلم ومن ثم إيضاح وجه الخطأ في كتابات المستشرقين، وأنها ليست بالأساس الذي ينبغي فهم حقيقة الإسلام اعتمادا عليه.

إنها دعوة لعلها تلقى مجيبا.

الهوامش:

1- تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه، عبدالحليم منتصر، ص 128.

2- في تراثنا العربي الإسلامي، د.توفيق الطويل، ص 58.

3- الإسلام والحضارة العربية، محمد كرد علي، ج 1 ص 13.

4- موسوعة المستشرقين، د.عبدالرحمن بدوي، ص 314.

5- المصدر السابق، ص 317.

6- رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص61.

7- نظرات في حركة الاستشراق، د.عبدالحميد مدكور، ص 23.

8- الإسلام دين العلم والمدنية، محمد عبده، تحقيق د.عاطف العراقي، ص 65.

9- ديوان حافظ إبراهيم، جمع وتحقيق أحمد أمين وآخرين، ج 2 ص 145.

10- دائرة المعارف الإسلامية، مقدمة الطبعة الثانية، ج 1ص 8.

11- دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية...أضاليل وأباطيل، د.إبراهيم عوض، ص 5.

12- تاريخ العرب العام، سيديو، ترجمـة عادل زعيتر، ص 7.

13- المصدر السابق، ص 417.

14- تاريخ الشعوب الإسلامية، كارل بروكلمان، ترجمة نبيه فارس ومنير البعلبكي، ص 7.

15- المصدر السابق، ص 19.

16- الحضارة العـــربـــية، يوســــف هــــل، ترجمة د.إبراهيم العدوي، ص 33.

17- تـــراث الإســـلام، شــاخت وبوزورث، ترجمــة د.حسين سلمان مؤنس وآخرين، ج 1 ص 219.

18- ميلاد العصور الوسطى، هـ.سانت موس، ترجمة عبدالعزيز جاويد، ص 239.

19- الشرق الأدنى...مجتمعه وثقافته، ت.كويلرينج، ترجمة د.عبدالرحمن أيوب، ص 144.

المصدر –مجلة الوعي

 
أ. مصطفى يعقوب عبد النبي
تاريخ النشر:2016-11-11 الساعة 21:23:47
التعليقات:0
مرات القراءة: 820
مرات الطباعة: 94
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2017 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan