الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم ومعارف » علوم تربوية

لماذا تهتم الدول المتقدمة بالتعليم؟

د. آندي حجازي

 

لقد أدركت الدول المتقدمة في العصر الحالي أن العلم هو أساس رقي الشعوب وتطورها، وأن به تبنى الحضارات والإبداعات والتطور، فهو أساس التفوق والتقدم والقوة والرقي، فالدول المتقدمة هي التي تمتلك زمام القوة وتمتلك عناصره ومفاتيحه وأدواته، ولذا كان تركيزها على العلم ومصادر وأساليب التعلم والتعليم، فخذ مثلا أثناء الحرب الباردة (حرب النجوم) بين دولتي الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وعند إعلان الأخيرة إطلاق القمر الصناعي «سبوتنك 1»، أثارت دافعية الولايات المتحدة للتحدي والإبداع، فاتجهت للتركيز على التعليم، خصوصا للمواد العلمية كالرياضيات والفيزياء والعلوم بأنواعها، وصبت جل اهتمامها على أبنائها المتفوقين ودعمتهم حتى أعلنت في نهاية الستينيات من القرن الماضي هبوط أول صاروخ لها على سطح القمر.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل استمر التركيز على هذه المقررات الدراسية في مدارس الولايات المتحدة، وأصبحت تهتم بتنمية قدرات التفكير الإبداعي، والتفكير الناقد، وتفكير حل المشكلات، والتفكير العلمي، والتفكير المتشعب؛ رغبة في التوصل إلى نواتج جديدة ومثيرة تحل العديد من المشكلات، فتطورت مثلا صناعة السيارات والقطارات والطائرات والحاسبات والبنى التحتية والبنيان، وانتقلت عدوى الاهتمام بالمدارس والجامعات والتعليم إلى الدول الأخرى، خصوصا بعد أن تخلصت الشعوب من براثن الحروب العالمية وويلاتها في القرن الماضي، وأضحت تبحث عن التقدم والإصلاح والإنتاج بدلا من الدمار والانهيار والتخلف!

فبعد أن عانت الكثير من الدول من كوارث الحربين العالميتين الأولى والثانية، كألمانيا واليابان وفرنسا وبريطانيا وألبانيا وتركيا وغيرها، ووصلت إلى حد الدمار لكثير من مناطقها ومدنها، أدركت أن عليها إعادة البناء والإعمار بأسرع وقت وعلى أفضل حال، وإلا فإنها ستكون عرضة للانهزام والزوال والاحتلال، ولكي يتم هذا البناء في أقصر زمن لابد من تركيز الاهتمام على العقول وبناء الأدمغة، وبناء شخصية الإنسان السوية من أجل رفع شأن الوطن، ولكن الغريب أن هذا التحول والتقدم وإعادة الإعمار لبلدانهم المدمرة تم بسرعة هائلة، حيث إن استجماع قواهم لم يأخذ زمنا طويلا، بل تجد جميع تلك الدول اليوم في تصنيف الدول المتقدمة والجميلة والمنظمة والمخططة بشكل عصري وحضاري، فمن أين بدأت، وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم؟!

بناء شخصية الإنسان في الدول المتقدمة

إن بناء شخصية الإنسان بشكل متوازن يتطلب التركيز على العلم والتعلم والتربية لتنمية جميع جوانب النمو لدى الإنسان، فالشخصية الإنسانية تتكون من جانب معرفي (عقلي)، وجانب وجداني (انفعالي)، وجانب مهاراتي (حركي)، ولابد أن تسير عملية البناء للفرد بصورة متوازية جنبا إلى جنب، ومستمرة، ومتكاملة بعضها مع بعض؛ لأن أي خلل في أي واحد من هذه الجوانب سوف يخلق شخصية إنسانية غير سوية وغير مكتملة النضج، وبالتالي لن تكون فاعلة ومؤثرة في البناء الاجتماعي.

ولذا صبت تلك الدول جام اهتمامها على التعليم المتميز لأبنائها، ولم تدخر وسعا في ذلك، فبنت المدارس والجامعات والمعاهد، وعملت على تسهيل العملية التعليمية وتوفير أدواتها ولوازمها، وتدريب المعلمين تدريبا جيدا وتعليمهم استراتيجيات جديدة في التدريس أكثر فاعلية وجاذبية، مع إعطائهم الرواتب المجزية والاحترام اللازم في المجتمع، فلا فرق بين راتب الطبيب والمعلم. ومن هنا أصبح المعلم يدرس بارتياح وبإخلاص متناه، وأصبح يعكف على التعليم بكل ما أوتي من قدرات لينقل خبراته ومعارفه بكل إخلاص ومحبة للطالب وللمهنة. ومن هنا بدأ دور المدارس، حيث عكفت على تطوير المناهج واستراتيجيات التعليم وطرق التفكير، وأصبحت توفر كل السبل التي تجعل الطالب يشعر بالمتعة والراحة والأمن، وتساعده على التحصيل وتنمية مواهبه وقدراته، وبالفعل نجحت في ذلك، فظهر الكثير من العلماء والمفكرين والمخترعين.

والتعليم الحقيقي الفاعل اليوم لم يعد مقتصرا على الجانب المعرفي وتنمية القدرات العقلية فحسب، كصب المعلومات في عقول الطلبة كما يحدث في بلداننا العربية، بل يهتم بالجانب الوجداني الانفعالي الذي يتضمن الاهتمام بالعواطف والمشاعر والانفعالات والقيم والجوانب السلوكية للطالب، ومن هنا تميزت تلك الدول المتقدمة في تعليم أبنائها بالانضباط واحترام الذات واحترام شخصية الآخر، وتقدير قيمة الوقت، ورفع شأن العلم، وأهمية الإنتاج وقيمة النواتج، واستغلال الدقائق والساعات فيما يفيد، والتشجيع على القراءة والخوض في غمار الكتب، لأن أي إبداع جديد يحتاج إلى المعرفة، ففاقد الشيء لا يعطيه، ولن تقوم قائمة أي شعب لا يؤمن بأهمية القراءة، لأنه لابد من البناء على ما توصل إليه السابقون حتى لا نعود لنقطة الصفر في كل عصر، فهذا ليس من المنطق أو الحكمة.

والجانب الآخر المهم الذي أولت الدول المتقدمة اهتمامها به في مدارسها هو الجانب المهاراتي للإنسان، ومن هنا رصدت أموالا طائلة من أجل تدريب الجوانب الفنية والحركية والمهاراتية لدى الإنسان، فخصصت حصصا كثيرة للرياضة والفن والجانب المهني والصناعي والحركي والإيقاعي.. من أجل تنمية تلك المهارات، بل وظهرت نظريات كثيرة في علم النفس التعليمي، تبين أهمية التركيز على جوانب النجاح والقوة لدى الفرد، فمثلا ظهرت نظرية الذكاء الناجح للعالم ستيرنبيرغ، الذي بين في نظريته أن الذكاء الناجح يتكون من ثلاثة أنواع من الذكاء: الذكاء الأكاديمي، والذكاء التحليلي، والذكاء الميكانيكي (المهاراتي)، والتي من خلالها يتم الاهتمام بجوانب القوة لدى الفرد، فقد يكون متميزا في واحد فقط من هذه الثلاثة أو في اثنين منها، ونادرا ما يكون إنسانا متميزا بكل أنواع الذكاء على حد سواء.

وظهرت نظرية الذكاء المتعدد للعالم جاردنر الذي اقترح أن الذكاء يتكون من عشرة أنواع، منها اللغوي والرياضي والحركي والموسيقي والروحي.. وعلى المعلمين في المدارس إدراك ما لدى الطالب من قدرات وذكاء متميز من أجل التركيز عليها وتنميتها وتدريبها لتوظيفها والوصول بها لأقصى إمكاناتها، ومن هنا ظهر الكثير من المنتجين والمبدعين وأصحاب براءات الاختراع.

المدارس وبناء شخصية الطالب

الأطفال لا يتعلمون بأسلوب واحد أو طريقة واحدة، وهذا الفرق بين التعليم في دولنا العربية والتعليم في الدول المتقدمة، حيث أدركوا في الأخيرة أن لكل طفل أسلوبه في التعلم، وأن لكل طفل مهارات ومواهب وميولا ورغبات تختلف عن الآخر، فقاموا بتنويع أساليب تعليمهم وطرقه، فاستخدموا، على سبيل المثال، في التعليم اللعب والمسرح والدراما والمسابقات والمناظرات والحوارات والتجارب المختبرية والزيارات الميدانية والرحلات الاستكشافية... ليصبح التعليم ممتعا مشوقا لديهم ومثمرا.

ونحن اليوم بحاجة ماسة إلى مناهج جديدة تلبي حاجات أبنائنا وثقافتهم وشخصيتهم وتراعي التغيرات المتسارعة في هذا العصر، وتهتم بجوانب القوة لدى أبنائنا الطلبة وتهتم بميولهم ورغباتهم، وتعطي الطالب مساحة من الحرية والتعبير عن الذات والتفكير بطلاقة ومرونة، ونحن بحاجة إلى إعادة تأهيل مدارسنا وتسهيلاتها، وتأهيل معلمينا وتدريبهم على أساليب جديدة غير بيروقراطية في التعليم، أساليب تشجع المعلم قبل الطالب على الإبداع والتفهم لحاجات الآخر وقدراته، لأن الطلبة لن يتذكروا في المستقبل الكثير من المعلومات التي صبها المعلم في عقولهم صبا؛ بل سيتذكرون المعلومات التي تفاعلوا بها وكانوا جزءا من إنتاجها والحصول عليها والتفاعل المهاراتي والوجداني معها.

ولذا التعليم في مدارسنا مازال أصم بعيدا عن حاجات أبنائنا وتوقعاتهم وبناء شخصياتهم، ولذا سبقتنا الدول المتقدمة في هذا العصر كسنغافورة وماليزيا وكندا وأوروبا وأميركا واليابان وكوريا. فعلينا أن نتعلم من تجاربها، فكثير منها بدأت من الصفر فقامت باستغلال المورد الأول لديها وهو الإنسان، فعمدت إلى التركيز على التعليم وعقول أبنائها حتى تميزوا وأبدعوا كما في كوريا الجنوبية وسنغافورة وفنلندا وكندا.

الإسلام طريق العلم

علينا كأمهات وآباء ومعلمين أن نزرع في نفوس أبنائنا حب العلم وأهمية التعلم من أجل الإنتاج وإعمار الأرض، فالله تعالى فرق بين المتعلم وغير المتعلم في الدرجات فقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } (الزمر:9). والجواب أنهم بالتأكيد لا يستوون، فهناك فرق كبير بين المتعلم والجاهل في كل النواحي، كطرق تفكيره ومواهبه وإنتاجاته ومكانته وتقديره في المجتمع.

ومن عظمة الإسلام أنه حث على العلم والتعلم، فقال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة» (رواه مسلم). وقال  " صلى الله عليه وسلم" : «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني). فهل من حث أفضل من ذلك على أن يكون طريق العلم طريقا وبابا إلى الجنة؟ أي دين أعظم من هذا الدين الذي شجع على العلم والعمل واستغلال الوقت وعدم الجلوس في المسجد انتظارا للمعونة؟

والمسلمون القدماء فهموا الدين الإسلامي ومتطلباته وتعاليمه بشكل سليم صحيح، فأدركوا أن الإسلام الحقيقي يتضمن التشجيع على السعي في إصلاح الأرض وتوظيف مواردها، وعلى التعلم لعلوم الدين والدنيا معا، فانكب الكثير منهم على دراسة العلوم الدينية، كعلوم التفسير للقرآن الكريم والحديث النبوي والفقه واللغة العربية وقواعدها، وألفوا مؤلفات في تلك العلوم، وكذا أبدعوا في علوم الدنيا، كالطب والصيدلة والفلك والرياضيات والكيمياء والبصريات والجغرافيا والجيولوجيا والتاريخ... فظهر علماء أفاضل كانوا سببا في الرقي والتقدم البشري، وأخذت أوروبا في عصور النهضة مؤلفاتهم لتدرسها لأبنائها، كالكتاب الشامل في الطب لابن النفيس، وكتاب القانون في الطب لابن سينا، وكتاب الحاوي في الطب للرازي، ومؤلفات ابن البيطار وجابر بن حيان في الصيدلة والكيمياء، والإدريسي في الجغرافيا، والخوارزمي في الرياضيات وعلم الفلك، وهذا لم يعن قصورهم في علوم الدين بل كانت لهم مؤلفات ورسائل في ذلك.

وكذلك لا ننسى فضل علمائنا الأجلاء الذين جمعوا الأحاديث النبوية من مصادرها ومن أفواه الصحابة أنفسهم، كما فعل البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه... الذين لولا جهودهم لضاعت الكثير من الأحاديث ولضعفت السنة النبوية، وكذا جهود علماء تفسير القرآن الكريم كابن كثير، وعلماء السيرة كابن هشام، وعلماء اللغة كسيبويه والأصمعي، وعلماء التاريخ والفتوحات وسير الصحابة وطبقاتهم... وكذلك لا ننسى كيف ظهرت المدارس في كل العصور الإسلامية وفي المدن المتطورة الإسلامية، كالقدس ودمشق وبغداد وتونس والمغرب التي كانت تخرج طلبة العلم وترفدهم لمجتمعاتهم.

وما أمس حاجتنا اليوم إلى أن نقتدي بهؤلاء العظماء، فهم أسوة لنا، وأن ننهل من نهجهم، وأن نعيد الثقة بنفوسنا ونفوس أبناء أمتنا، وفي أمتنا وقدرات أبنائها ومواهبهم فالله تعالى اختار الأمة العربية من بين جميع الشعوب لأنها أمة وسط، متزنة في أفعالها وأقوالها وسلوكياتها، فقبل الإسلام كانت جميع الشعوب والأمم غير العربية تتطاحن وتتصارع على السلطة، وكانت أخلاقيات الإنسانية ضعيفة، بينما كان العرب هم الأقل صراعا وتناحرا، واشتهروا بالكرم العربي والجود والشجاعة والنخوة والتعاون والتضحية والمرونة في التغيير، وقد جاء الإسلام ليتمم مكارم الأخلاق ويحث على العلم والتعلم والإنجاز وعدم الوقوف عالة على المجتمع.

فالعلم يبني بيوتا لا عماد لها

والجهل يهدم بيت العز والكرم

المصدر- مجلة الوعي

 
د. آندي حجازي
تاريخ النشر:2016-11-11 الساعة 22:06:22
التعليقات:0
مرات القراءة: 664
مرات الطباعة: 67
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2017 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan