مثلت جزر حوض البحر الأبيض المتوسط للقوى العظمى التي تطلعت لتوسيع رقعتها الجغرافية محطات صغيرة بغية الوصول إلى الضفاف الأخرى، فمن يملك البحر يملك معه خطوط التجارة البحرية.
وتحولت جزر صقلية وقبرص ومالطا وسردينيا وكورسيكا وغيرها مطمعا تعاقب عليه المستعمرون لفرض الهيمنة البحرية وسرعة الوصول إلى المناطق البعيدة بأقصر الطرق وأقل التكاليف. وكبرى تلك الجزر وهي صقلية، تحولت إلى محطة مهمة للفينيقيين والإغريق والرومان والبيزنطيين والمسلمين الذين جعلوا منها حلقة ثانية بعد الأندلس للتواصل الحضاري مع أوربا في العصور الوسطى بعد أن وطنوا فيها حضارة عظيمة ظلت متوهجة حتى بعد زوال دولتها.
دعونا نبدأ بالأمر الذي لا يمكن إخفاؤه وهو الإحساس الذي يتملك كل زائر لصقلية للمرة الأولى، وهو الصورة النمطية المقولبة عن تلك الجزيرة كونها بلد المنشأ لعصابات المافيا، والتي تشكلت ومازالت من خلال ثلاثية فيلم العراب التي دخلت عش دبابير العائلات الإيطالية في مدينة نيويورك الأمريكية في أواخر أربعينيات القرن الفائت.
أفسحت أجزاء الفيلم الثلاثة التي عرض أولها في عام 1972م المكان والوقت لصقلية العصابات والثأر والتصفيات الجسدية المخيفة وروابط العائلة الإيطالية المتينة، خاصة في الجزء الثاني الذي سرى في شرايين البيئة الحاضنة للمافيا ونظام الطاعة داخلها والذي لا يختلف باختلاف المكان أو الزمان فما يحدث في نيويورك ليس سوى نسخة مما يحدث في صقلية بلد المنشأ.
وكثيرا ما تحدث معي بعض الصقليين بعدما عرفوا أني صحافي معبرين عن انزعاجهم الشديد من الصورة المخيفة التي ينظر بها العالم لهم وكأنهم قتلة يحملون المسدسات طوال الوقت، ورجوني أن أنقل لمن يقرأ كلماتي مدى الغبن الذي كونه فيلم العراب عنهم، وأكثر ما يزعجهم هو بحث بعض السياح عن منازل عائلة كارليوني التي لعب دور زعيمها أشهر الممثلين مثل مارلون براندون وآل باتشينو.
ومن أطرف ما سمعت هو دهشة أهل صقلية من الذين يبحثون عن حفيد كارليوني الذي يقال إنه لا يزال على قيد الحياة وهذا بالطبع شيء ليس له وجود.
أحد هؤلاء الصقليين وهو شاب في منتصف الثلاثينيات اسمه «سالمو» رد علينا بزفرة ساخنة وغضب مكتوم ـ بعد أن قلت له إن شهرة فيلم العراب السلبية عنكم جلبت لكم موردا لا ينضب من السياح ـ بالقول: لا نريد هذه الشهرة التعيسة ففي هذه الجزيرة الكثير من المعالم التاريخية, والآثار الخالدة, ما يكفي لتعريف العالم بنا بصورة أفضل.
وبعد هذا الكلام المقنع كنت أتوقع تبدد صورة صقلية النمطية في اليوم التالي, ولكن المشكلة التي واجهتها هي أخبار المساء في التلفزيون وصحف الصباح, التي تنقل يوميا سقوط قتيل أو أكثر في مواجهات بين عصابات المافيا الصقلية، وبالرغم من أني لا أجيد الإيطالية, فإن الصور أبلغ من الكلام، والعناوين الرئيسية لم تكن تخلو من كلمة مافيازو.
دهشة كاتانيا
ذكرت صقلية والهوى يهيج للنفس تذكارها
فإن كنت أخرجت من جنة فإني أحدث أخبارها
(ابن حمديس الصقلي)
كانت مغامرة أن نذهب إلى مكان لا نعرف عنه الكثير، فقد تركنا إيطاليا بأكملها وتوجهنا إلى أكبر جزرها، متجاهلين العاصمة الإدارية وهي باليرمو أو بلرم، لنحط الرحال في كاتانيا، التي جعلناها قاعدة تحركاتنا للمناطق المحيطة بها، وهي سيركوزا وتارومينا والرحلة المثيرة إلى جبل «إتنا»، الذي أسماه العرب جبل النار بعد أن روعهم منظره، والقصص التي حكيت لهم عن تاريخه الثائر في زمن وجودهم في تلك الجزيرة.
كاتانيا، وهي مستعمرة إغريقية قديمة، مدينة مدهشة لرفيقي المصور أكثر مني، كونه زار باليرمو من قبل، ولم يجد فيها بعدسته النهمة ما يستحق التصوير، أما كاتانيا فكانت له بمنزلة صيد وفير، مهما أصبت منه يبقى الكثير، وبالنسبة لي فلم أجد في عمارة تلك المدينة وحيوية ناسها ما يختلف كثيرا عن ضواحي باريس, مدينة النور والجمال، فهي بحق تستحق لقب العاصمة الاقتصادية لجزيرة صقلية.
صقلية أو كما تنطق بالإيطالية سيسيليا هي امتداد للأراضي الإيطالية وكأنها ابنة ملتصقة بأمها. تبلغ مساحتها 25.710 كيلومترات مربعة وهي مقسمة إلى تسع مقاطعات من أهمها باليرمو العاصمة وكاتانيا وميسينا وسيراكوزا وتتمتع بحكم ذاتي ضمن الجمهورية الإيطالية.
وطقس صقلية معتدل صيفا وشتاء, وتلمست ذلك بالتجربة من فوق قمة جبل «إتنا» الشاهقة. فقد تمشينا على فوهة ذلك البركان في فصل الشتاء، ولم احتج إلى أكثر من بلوزة خفيفة, أما رفيقي فاكتفى بقميص نصف كم, والهواء يضربنا من كل ناحية، وأغلب أراضي الجزيرة جبلية, ما عدا بعض الأراضي المنبسطة مثل سهل كاتانيا، وهي لا تشكو من قلة في الماء أو الأمطار. وكحال كل الجزر تشتهر سيسيليا بمطاعمها التي تقدم وجبات الأسماك بتفنن, وسيرة البيتزا الإيطالية لا نكاد نسمعها هناك بمثل زخم الأسماك، مما يدلل على أن طبيعة المكان تفرض نفسها على عادات الناس وطبائعهم.
وأغرب ما سمعته عن الصقليين هو طباعهم الحادة واختلاف أسلوب حياتهم عن سكان ميلانو وروما، فهم للأمانة شرقيون في إسهابهم واستعمال أيديهم في الشرح، وأوربيون في ملامحهم وبرودهم النسبي. وأكثر ما لفت نظري هو إيثار أصحاب السيارات للمشاة وتركهم يعبرون الشارع قبلهم, وأنا هنا لا أعني تقديرهم للسياح، وإنما لكل الناس، ولكنهم بالمقابل لديهم تفسير خاص لألوان إشارات المرور فالأخضر والأصفر عندهم سواء, واللون الأحمر لا يعني التوقف دوما ففي الثواني الأخيرة من عمر الإشارة الحمراء تبدأ السيارات بالحركة غير عابئة بها ولا بما قد يحصل بسبب تجاوزها.
وتوجد بين الصقليين عموما وسكان المدن الإيطالية الشمالية نظرة ازدراء متبادلة. أما بين الصقليين أنفسهم فقد سمعنا أن أهل باليرمو يحسدون أهل كاتانيا على توافد السياح إليهم وكثرة العمران، ويبلغ الحماس مداه بين المدينتين عندما يتواجه فريقا باليرمو وكاتانيا في منافسات الدوري الإيطالي لكرة القدم أو الكاليتشو |