الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » المال و الإقتصاد

الاستثمار في «قطاع الجهل»!

أ. محمد كركوتي

 

في سنوات أوج قوة السياسية الداخلية – وحتى الخارجية - في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين، أطلق رئيس الوزراء البريطاني العمالي السابق توني بلير شعارا جماهيريا وانتخابيا، عزز فيه هذه القوة، ليس فقط في مرحلتها آنذاك، بل في المراحل التي تلتها. كان الشعار بسيطا، لكنه تميز بأعلى درجة من البلاغة الاستراتيجية والتنموية والإنتاجية.. لا التعبيرية. شعار ألهب المشاعر، وحفز الهمم. ماذا كان؟ كان ببساطة: "التعليم.. التعليم.. التعليم". عرف بلير وقتذاك، أنه باحتضانه هذا الشعار الجماهيري المستنير (لا التعبوي)، سيحتضنه الشعار نفسه، ويوفر له الدعم الذي يسعى إليه أي سياسي في السلطة، ولا سيما في البلدان الراشدة. وقد جنى بلير وحزبه وحكومته، سلالا من ثمار الشعار، خصوصا بعد أن أحدثت حكومة حزب المحافظين السابقة، التي حكمت البلاد أكثر من 17 سنة متواصلة، أعمق حالة من الإرباك في مجال دعم التعليم، وفي التعاطي مع القضايا المرتبطة به.

ولأن الشعار حقق النتائج المطلوبة (أو غالبيتها)، فقد استنسخ عديد من الحكومات توجه توني بلير، وعززت بصورة أو بأخرى مكانتها السياسية في بلدانها، على الرغم من وجود بعض الفجوات، في مجال الاهتمام بالتعليم في هذه الدولة أو تلك. وخصصت هذه الحكومات ميزانيات كبيرة، ليس فقط للقطاع التعليمي، بل للبحث العلمي، فلا يمكن فصل الاثنين عن بعضهما بعضا، لأن البحث العلمي هو نتاج طبيعي للتحصيل العلمي المتطور.

في هذه الأجواء، انقضت الأزمة الاقتصادية العالمية على التعليم، ووضعته في قائمة " الثانويات"، لا الأساسيات. وهددت غالبية المشاريع الهادفة، إلى تطوير التعليم، ونالت من بعضها بصورة مخيفة. من تصدر قائمة الأساسيات؟ المصارف الغارقة، والشركات المتهاوية، والمؤسسات المضطربة، والقطاعات الصناعية والتجارية والخدمية الخاسرة. صحيح أن إنقاذ هذه المؤسسات والقطاعات يمثل ضرورة حتمية لإخراج الاقتصاد العالمي من طرقه المجهولة، ووضعه على السكة المعلومة، لكن الصحيح أيضا أن التركيز عليها وانتشال الغارق منها فقط، سيؤدي حتما إلى تردي القطاعات التي لا تتمتع بأولوية الإنقاذ، ولاسيما التعليم، الذي لا يقل أهمية عن أي مؤسسة كمحرك للاقتصاد، ومطور له.

في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2008، لاحظ "المنتدى العالمي حول التعليم"، الذي عقد في باريس التناقض الظاهري بين الحاجة المتزايدة إلى التعليم وبداية ضعف الاستثمار فيه. فقد قالت باربرا ايشينغر مديرة "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"، المعروفة اختصارا بـ " أو إي سي دي" OECD، وهي تقدم خطتها في المنتدى حول "التعليم المستمر": "إننا نعاني أزمة مالية تحد من قدرة الحكومات والمنظمات غير الحكومية على المساعدة". لقد كان الهدف من هذا المنتدى هو التحقق من الأنظمة التعليمية والتدريبية. والمنطق وراءها، يكمن في صلب نقاش عالمي. ومن هنا يمكن إيجاد عديد من الفوائد الاقتصادية الـ "لا مرئية" في التعليم، ومن الأهمية بمكان، تأكيد دور التعليم ومساهمته في التطور الاقتصادي والتنمية المستدامة. لكن المشكلة، هي أنه على الرغم حالة هذا العالم "المعولم"، المعتمد على بعضه بعضا، هناك حالات من الـ "لا مساواة"، تتسع الفروق بينها، وتزداد مخاطر الإقصاء الناتجة عن التبدلات الاقتصادية، التي تبين بوضوح أهمية التعليم في رحلة البحث عن فرص العمل، وبرامج التأهيل حتى مشاريع إعادة التأهيل.

وعلى هذا الأساس، فإن قيام الحكومات بخفض ميزانيات التعليم هو في الواقع مغامرة بمستقبل الشعوب كلها، ومجازفة بالصيغ المثلى التي يجب أن تقوم عليها المجتمعات. فمن الواجب الاستمرار في تشجيع التدريب والتأهيل للحيلولة دون تهميش البشر. إن التعليم والتأهيل والبحث العلمي، آليات استراتيجية – بل مصيرية – يمكنها المساعدة ليس فقط في بناء المجتمع، بل أيضا تقليل هذا التفاوت الموجود حاليا في الجسم التعليمي. من البديهي أن التعليم ليس عاملا لمحو الأمية فقط، هو ببساطة محرك للتطور والتنمية والازدهار وبناء الإنسان، إلى جانب كونه عاملا أساسيا للمنافسة بين الدول. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تستحضر سياسة عالمية تعليمية – بوجود أزمة أم بغيابها – تكون للجميع، وأن يكون التعليم في متناول الجميع. لقد أثبتت العولمة "الحميدة" (هناك عولمة غير حميدة)، أن السياسات الوطنية الخاصة بالتعليم تحتاج بالتأكيد إلى الاستجابة لحاجات الأمم كلها، ويجب أن تكون قادرة على التحدي على مستوى عالمي "عولمي". فالأمم كلها ينبغي أن تتعاون في هذا المجال، ومسؤولية الدول الكبرى، يجب أن تكون بحجم كتلتها، وبمستوى هاماتها. وفوق هذا وذاك، يجب أن تعرف، أن الاستثمار المتردي في التعليم، هو في الواقع استثمار في "قطاع الجهل"، الذي يكبح عادة أكبر قوة تنموية مهما بلغ بأسها.

وعلى الرغم من هذه الحقائق، التي لا تحتاج إلى خبراء لكشفها، ظل التعليم في قائمة "الثانويات" في خضم الأزمة الاقتصادية العالمية. وقد بدأت المؤشرات تظهر بصورة واضحة، على صعيد البحث العلمي. فمع قيام المنظمات الدولية المختصة في هذا المجال، بوضع ميزانياتها العامة لعام 2009، ظهرت تداعيات الأزمة، في هذا القطاع. وقد تراجع حجم الهبات التي تتلقاها مراكز البحوث العلمية على مستوى العالم، في الوقت الذي تحتاج فيه كثير من العلوم إلى الدعم المالي لتطويرها، ليس لمجرد التطوير، بل لنشر الفائدة على العالم أجمع. ويعني هذا بكل بساطة.. أن المخططات العلمية للعامين 2009 – 2010 ستشهد تدهورا كبيرا، بينما يرى الأكاديميون أن آثار الأزمة العالمية ستكون مدمرة في هذا المجال، على المدى المنظور.

مهلا .. الأزمة لا تقف عند هذه الحدود، فهناك نموذج مخيف على الساحة. مع اندلاع الأزمة قدمت جامعة هارفارد الأمريكية – وهي أغنى جامعات العالم – للعاملين فيها، فرصة "التقاعد المبكر"، وجمدت زيادة الرواتب، وأوقفت عمليات بناء مجمعها الجديد. ماذا فعلت أيضا؟ رفعت مصروفات الدراسة فيها. وبعد أسابيع من اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، أعلنت هارفرد أن أوقافها التي تقدر بأكثر من 36.9 مليار دولار أمريكي، خسرت 22 في المائة من قيمتها، أو قرابة ثمانية مليارات دولار في الأشهر الأربعة الأولى من السنة المالية التي بدأت في تموز (يوليو)، من عام 2008 ، كما توقعت أن تصل خسائر "هذه الأوقاف" في العام المالي 2008 – 2009 إلى أكثر من 30 في المائة. الأمر نفسه انتشر في الجامعات الأمريكية والعالمية الكبرى. بل إن جامعة برانديز الأمريكية، قامت ببيع قطع فنية تملكها لجمع الأموال، من أجل مواجهة الأزمة.

هذا نموذج عن التعليم العالي والأزمة.. ولكن ماذا عن التعليم الأدنى؟ في العالم الآن أكثر من 75 مليون طفل خارج المدارس – إحصاء عام 2005 حسب حركة "التعليم للجميع" الدولية- منخفضا من 103 ملايين طفل في عام 1999. ويبدو واضحا أن عدد هؤلاء انخفض بصورة كبيرة في غضون ست سنوات تقريبا. لكن هل سيواصل الانخفاض في ظل الأزمة؟ الجواب ببساطة هو: لا، لأن هذه القضية الخطيرة، لم توضع – كما التعليم العالي – ضمن أولويات الإنقاذ في مواجهة الأزمة الاقتصادية. وإذا كان التعليم العالي والبحث العلمي يواجهان وسيواجهان في غضون عامين كارثة كبيرة، فإن المشروع الدولي للنهوض بالتعليم، الذي حدد ستة أهداف لتحقيقها بحلول عام 2015 في "منتدى التعليم العالمي" في العاصمة السنغالية داكار، في عام 2000، سيواجه كارثة أكبر، إذا لم يتم وضعه ضمن نطاق الأهمية في الإنقاذ. والواضح أن أحدا من كبار المنقذين لم يتناول هذه القضية. فلا يزال هؤلاء ينظرون إلى الكارثة العالمية من خلال أزمة شركة هنا وأخرى هناك, ومن خلال مصيبة مؤسسة هنا وأخرى هناك، ومن خلال غرق مصرف هنا وآخر هناك, لا يزالون ضمن نطاق " الحل الظرفي"، لا الاستراتيجي.

إن خسارة الشركات والمؤسسات والمصارف يمكن أن تعوض، بل إن فقدان الناس منازلهم – على بشاعتها – هي خسارة يمكن تعويضها.. لكن هل من تعويض في هذه الدنيا لخسارة المستقبل؟

المصدر: صحيفة الاقتصادية الالكترونية

 
أ. محمد كركوتي
تاريخ النشر:2009-06-30 الساعة 10:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 3288
مرات الطباعة: 789
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 

 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan