الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » قضايا فكرية » الإصلاح والتجديد

الحرية الراهنة تتويج متأخر لجهود الاستقلال

مطاع صفدي

 

ليس من العدل القول إن النهضة العربية الثانية لم ترفع للديمقراطية شعاراً ثورياً حقيقياً. بمعنى أن الأيديولوجيات وأحزابها وتياراتها المتداولة في الساحة السياسية لم تطرح مسألة الحريات الفردية لإنسانها، بقدر ما كانت تشغلها قضايا الاستقلال الوطني الوليد وحمايته من أعدائه المزمنين. كان التفكير في الحرية جماعياً.

هنالك مسلمة لا ينافس فيها أحد، وهي أن مصلحة الجماعة في اكتسابها لشروط سيادتها الكاملة، تسبق منطقياً وواقعياً، هموم الفرد ومصالحه المباشرة. فالجماعة الحرة تُنتج إنسانها الحر، وليس العكس. ولقد انخرط العرب جميعاً في معارك الاستقلال وحمايته، ولا يزالون يتابعون هذا الصراع الملتحم بمعنى الوجود الحق للفرد والجماعة معاً.

العصر الثوري الجديد القديم

هذا العصر الثوري الجديد والمفاجئ لا يمكن فهمه إلا باعتباره ذروة عليا لحقبة الاستقلال الوطني والقومي، هذه الحقبة الناقصة منذ بدايتها، كانت هي المفتقرة دائماً، من (ثورة) إلى أخرى، إلى أهم شروط الاستقلال، وهو توفر عوامل السيادة الفعلية لدولته. فقد كانت هذه الدولة معرضة لاستلاب سيادتها من قبل العدو الخارجي الرافض أصلاً لاستقلالها، والمحيط لفعاليته وتطوره، كما كان حكام الدولة في معظمهم، من أخطر سالبيها لأبسط وأخطر أسباب وجودها، وهي كونها السلطة الشرعية الوحيدة، المخولة بتنظيم وإدارة أفضل وأعدل سبل العيش المشترك لمجتمعها، دونما تمييز بين فئاته وطبقاته وانتماءاته الفرعية.

لنتذكر أن دولة الاستقلال العربي الأول في هذا العصر، استعبدها منذ نشأتها نموذجان من السلطة هما: حكم الحزب الواحد، والمشيخة أو الإمارة العشائرية. والنموذجان ترعرعا في ظل الحرب الباردة بين قطبيْ الرأسمالية الغربية، والاشتراكية السوفييتية. بل ينبغي التأشير على الأول، الذي هو نموذج الحزب الواحد؛ فقد كان منسوخاً كلياً برداءة مطلقة، عن الأصل الستاليني في موسكو. وأما النموذج الأسروي العشائري فهو قديم الجذور في أرضه، لكنه اصطبغ بأساليب وجاهزيات جيرانه من سلاطين الأحزاب الأحادية. لكن الرياح عصفت بالعصر الستاليني وأتباعه من دول أوروبا الشرقية منذ عقدين، وأما النُسخ العربية فما تزال صامدة بانتظار سقوطها مع الثورة الشبابية العربية الراهنة. فالاستقلال الوطني لم يتح له أن ينتج نظامه السياسي من رحم أمته، بل لم يكن هذا النظام الموعود محلَّ تنبّهٍ وتفكير جديّ لدى النخب الصاعدة إلا بصورة مجتزأة، وخلال فترات متقطعة. كان الهم المركزي ينصبّ على كيفية النقلة الموضوعية من مرحلة الاحتلالات الأجنبية إلى طور البناء السليم لدولة النهضة؛ فمن هم مهندسو هذا البناء، ومن هم بُناته القديرون، وكيف يمكن للنهضة المأمولة أن تأتي تعبيراً عصرياً عن مشروع المدنية العربية المتأصلة منذ عهود الجاهلية إلى أوج الحضارة الإسلامية الكونية؟

السياسة الداخلية تتأخر غالبا

تلك هي مؤونةٌ أولية للحظةِ ما بعد التحرير كانت تغذي مخيالاً شعبوياً قلقاً. فلا تأتي أسئلة السياسة والسلطة إلا متأخرة عن الأمور العاجلة، وأخطرها كان هو التخطيط الغربي لإعادة احتواء العالم الثالث، وفي مركزه العرب والإسلام معاً. فكان على النهضة أن تؤسس مجدداً لمسيرة تحرير مستمرة. والتحرير يفترض 'سياسة' تابعة لأيديولوجيا التحشيد والتعبئة. ما كان يعنيه نسق الحزب الواحد، هو تجييش الشعب أو عَسْكَرَته تنظيمياً ثقافياً وإعلامياً. من هنا كانت تكتسب العسكرة نوعاً من مشروعية مدنية، كخيار جماعي وطوعي، ما دام 'العدو' لا يكفّ عن المداهمة خارجياً وداخلياً معاً. فالأصل في تسويغ الحزب الواحد، هو أنه صيغة اصطلاحية مرادفة لمفهوم متداول. هو أنه ينبغي للمجتمع أن يتحول إلى جيش آخر. هذا لا يعني أن يحل العسكري محل المدني، لكن كل مدني هو مناضل عقائدي مرشح دائماً ليكون عسكرياً مقاتلاً. فلا حياديةَ في مفهوم تلك المواطنية؛ إذ أنها لا تكتفي بكونها تستمد مشروعيتها من عمومية مكوناتها الحقوقية، بل لا بد من إضفاء خاصية النضال عليها لكي تفوز بمعيار جدارتها في عين الجماعة.

بكلمة واحدة، فقد فُرض على مجتمع الاستقلال أن ينتقل فورياً إلى مجتمع الحرب، قبل أن يتعرف إلى ثقافة السلم جماعياً أو فردياً. قلما أُتيح لمجتمع عربي أن يعيش الحياة السوية المستقرة؛ فكانت مسألة الحريات الفردية تبدو ترفاً برجوازياً يخجل منه مجتمع المناضلين. سُلّم القيم جماعي خالص. فالحرية هي للكلّ. وما دام الكلّ مهدداً بوجوده المادي قبل الإنساني، كيف يجرؤ الفرد أن يطالب بحد أدنى من حقوقٍ لذاته، وهي مسلوبة من الجميع حوله ومعه، فالعيش، فردياً جماعياً بين مخلبيْ الحرب الباردة، وبأضعف إمكانيات الدفاع عن مجرد الوجود الخام للإنسان والحقيقة معاً، كان يفترض التأسيس المضطرد لأخلاقية مستثناة من مفاهيمها المعتادة. إنها الأخلاقية الباعثة على شيوع نوع المواطنة المكافحة. فالآمرية السائدة، في هكذا اجتماع إنساني مهدد حتى في أسباب بقائه وخلاصه، لن تكون إلا آمرية الحرية البدئية، المطلقة في ذاتها، السابقة على تصنيفها في مدارج حقوقٍ مقابلَ واجبات، للأفراد قبل الجماعات.

وفي الاعتبار الفلسفي، فإن كل الثورات العظمى كانت مقودة بآمرية هذه الحرية البدئية. والثوار الذين مارسوا أفعالها، حتى وإن كانوا من المظلومين والمضطهدين والجائعين، فإنهم يمارسونها وهم رجال أحرار حقاً، ملتزمون بخلاصٍ للكل كما للواحد. ولو لم يكونوا كذلك، فإنهم لن يمنحوا شرارات من نارها إلى سواهم من الراسخين في قيود الضعف والعجز، أو الجهل بأسباب عبوديتهم. لن تبقى الحرية مجرد كلمة، مع الثورة يغدو الفعل الحر سيدَ أفعال الناس. أقدم وأحدث تعريف للثورة، هو الحرية في حال الممارسة الجماعية. كل الإشكالات النظرية والعملية تبدأ ما أن يُصار إلى اعتقال هذه الثورة/الحرية في منظومة أيديولوجية، أو تجسيدها في مؤسسة سياسية، أهلية أو دولاتية.

معضلة الواقع والحرية والسياسة

غير أنه لا مناص من أن تكون السياسة هي منبر الحرية في أرض الواقع، وهي الناصبة لأفخاخها كذلك. ولقد تعرّف العرب إلى الحرية من باب السياسة قبل أن تطرح دلالاتها ومعاييرها على المستويين المدني والاجتماعي، وحتى قبل أن تمسّ ثوابت الأخلاق، أو تتعرض بالنقد والتحليل لطرق العيش وسلوكيات الأفراد بين ذواتهم وأقرانهم.

إذ يمكن التلفّظ بحكم جازم تقريباً أن النهضة الثانية لم تأبه للحرية الإنسانية المجردة عن السياسة اليومية. لم تكد تُقر مبدئية الحرية وأسبقيتها الأنطولوجية على مجمل الأوامر الإصلاحية الأخرى حتى استهلكتها صراعات السلطة المسروقة، الآيلة أخيراً إلى ديكتاتوريات الفساد، وخيانة الأخلاق والأمة والإنسانية في وقت واحد، بكل وقاحة الإجرام السافر.

وكانت قمة الرمز التراكمية في هذه المقولة، وزمرتها الفاحشة، تتمثل في شخصية كاريكاتور الديكتاتوريات العربية، والدولية كلها. فالثورة الليبية أثارت غضباً عالمياً، منقطع النظير إصطفّ معها، وكان ضد عدوها، الموغل في جنون وحشيته الفالتة، وفي دماء شعبه الأعزل إلا من قوة الحرية وإرادة الثأر من لصوص وعودها الحضارية.

الاضطهاد العبثي وولادة الحرية

الشعوب العربية تكتشف حريتها تحت وطأة الاضطهاد العبثي بكرامتها. فالحاكم الديكتاتور يسرق يقتل يكذب يخون يتحدى المجتمع، أن يعارضه أن ينقده أن يقاومه، ولكن دون جدوى.. يجعل الناس يمارسون سطوة المهانة والإذلال على ذواتهم. لم يترك لهم سوى خيار الاستسلام ومعاقرة الخوف أو اللامبالاة والسخرية المكبوتة، الديكتاتورية العربية هي أكبر إهانة كيانية ابتليت بها ثقافة النهضة العربية المعاصرة، في حرمانها من تربية إنسانيتها وفق حقائق العصر وفضائله، بل على العكس، كادت تغرقها في أسوأ مصائر العصر.

هذه الديكتاتورية تطوعت في منافسة أعدى أعداء العرب في إحباط مشروع النهضة، واجتثاثه من جذوره الذاتية. شوهت تماثيل الحق والخير والجمال في ساحات مدنه، وفي قمم حضارته.. أطفأت شموع التنوير في معابده وجامعاته. جذَّرت اليأس المرضي من ثقافة التحرير حتى كادت القروسطية تصادر مستقبله قبل أن تولد بشائره. فالارتداد نحو الغيبيات كان الملاذ الأخير لجماهير فقدت كل قدرة واقعية على تغيير ظروفها الظالمة. لكن عنف الاستبداد وإيغاله في صنوف الاستهتار وعربدة الصلف الفوقي الأعمى لا بد أن يفجرا حتى الصخر الأصم تحت أقدامه. وهكذا كان أخيراً.

هذه الثورة العربية الجديدة المتنوعة الساحات، تفرض جدليتها الخاصة بمنأى عن أية مخططات قبلية، حتى سادة المؤامرات الدولية تتهاوى نظرياتهم؛ المفاجآت الشعبية أحبطت تنبؤاتهم؛ كما لو أن الوطن العربي ينطلق من الدرجة صفر.

على أمل الخروج من البطالة الحضارية

الأسئلة حول الثورة وما بعدها تقلق العدو والصديق معاً، لكن شبيبة الثورة يربحون رهان الحرية. ذلك هو الكسب الأكبر. فالأمة لم تذق طعم الحرية منذ قرون. فإذا ما انبعثت بعض واحات الحرية في صحاريها اللامتناهية، ذلك يعني أن العرب دخلوا عصر الاستقلال الحقيقي، بانتظار أن تخرج مجتمعات الأمة تباعاً، من سجون البطالة الحضارية. هذا مع الحذر من دروس الماضي القريب حيثما كان كل نصر عربي سياسي أو تقدمي سريعاً ما يمكن قلبه إلى نقيضه..

دوائر الرقابة الغربية لن تترك النصر الثوري يصير ربيعاً يزهر ثم يثمر، ثم يأتي بهذا الاستقلال العصري لشعوب الأمة، أو لبعضها المتطور والقيادي. إنها الخشية من عنكبوتيات الغرب وصهيون، الممتدة بشبكياتها ما وراء، وفي العمق من خلايا بعض النخب الزائفة، لكنها الممسكة حتى اليوم بسلطات السياسة والاقتصاد والإعلام.

فهذه الزمر أشبه بالأورام السرطانية، لم ينتجها الجسم الاجتماعي العليل إلا كظواهر رمزية كبرى عن علله هو المستورة. لكن الأمل في الثورة الجماهيرية قد يطيح بالعقبة السلطوية الكأداء، وهذا إنجاز تاريخي خارق. لكنها بداية الطريق الطويل الحافل بالعقبات الأخفى وربما الأدهى..

في اللحظة الراهنة لم تعد الحريةُ كلمةً، صارت هي الفعل وينبغي لها أن تبقى سيدة أفعال المستقبل كلها.

المصدر: صحيفة القدس العربي.

 

 
مطاع صفدي
تاريخ النشر:2011-03-28 الساعة 16:26:23
التعليقات:0
مرات القراءة: 2119
مرات الطباعة: 596
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2021 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan