الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » المسلمون في العالم

الوجود الإسلامي في فرنسا .. الواقع والآفاق

د. مولود عويمر

 

تنطلق هذه الدراسة بالدرجة الأولى من خضم تجربتي الشخصية في فرنسا التي عشت فيها اثنتي عشرة سنة (1992-2004) طالبا في الدراسات العليا بجامعة باريس، ثم أستاذا وباحثا جامعيا في المجالات الحضارية لعدة سنوات، وقد تعاونت خلال تلك الأعوام مع العاملين في المراكز الثقافية الإسلامية، واحتككت بالباحثين في الشأن الإسلامي في أوروبا والراصدين لمستقبل العلاقات بين الإسلام والغرب. واستعنت بآخر أبحاثهم وأعمالهم لإثراء هذه الورقة عن "الوجود الإسلامي في فرنسا بين الواقع والآفاق".

ونظرا لتشعب هذا الموضوع، ارتأيت أن أركز في بحثي على دراسة وتحليل الإشكاليات التالية: ما الملامح العامة للوجود الإسلامي في فرنسا؟ كيف يتفاعل المسلمون الفرنسيون مع العلمانية الفرنسية وتداعيات العولمة؟ ما موقف الفرنسيين من العمل الإسلامي في فرنسا؟ ما الموجهات الأساسية لمستقبل الإسلام في فرنسا؟

المشهد الديني:

وندرس هنا التجربة الإسلامية التي استفادت من الفضاءات المتعددة المتاحة لخدمة الإسلام وتمكينه دينا وحضارة. وعلى عكس ما نسمعه من مضايقات للعمل الإسلامي في الغرب، ودون أن ننفي وجود تيارات تسعى للتضييق على المسلمين وتقليص نشاطهم الدعوي وتأثيرهم الثقافي والاقتصادي، فإننا نؤكد هنا على وجود مساحات شاسعة للحرية تسمح للمسلمين أن يقيموا شعائرهم في هذا البلد ويحافظوا على هوياتهم وتقاليدهم دون أية مضايقة قانونية أو سياسية رسمية. والمشاهد التالية تقدم لنا صورة واضحة عن حيوية الوجود الإسلامي في فرنسا وتدعم ما نقول وتؤكده.

ظهور المساجد والمراكز الإسلامية:

استفاد المسلمون من قانون 1905 الذي يفصل بين الدين والدولة، فأسسوا مساجد عبر التراب الفرنسي. وقد تحدث الصحفي في جريدة لوموند العريقة عن "فرنسا المساجد"، وهو عنوان كتاب صدر له العام 2004. ليست هنالك إحصائيات دقيقة عن عدد المساجد في فرنسا، وإنما تشير بعض الدراسات إلى حوالي 1500 مسجد وقاعة للصلاة ومدرسة قرآنية بينما تعترف وزارة الداخلية الفرنسية فقط بـ 1316 مسجد[1]، تسيرها ثلاث جمعيات كبرى: الفيدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا برئاسة محمد بشاري واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا برئاسة التهامي إبريز ومسجد باريس الكبير برئاسة دليل بوبكر، بالإضافة إلى جماعة الدعوة والتبليغ وبعض الجمعيات المسيرة من المسلمين الأتراك والباكستانيين.

يؤم المسلمون هذه المساجد في كل الأوقات، وتقدم فيها الدروس الدينية واللغة العربية للصغار والكبار، وتزداد حركة المسجد في رمضان والمواسم الدينية الأخرى من عيدي الفطر والأضحى، المولد النبوي الشريف، وعاشوراء... ويزداد دور المسجد وحاجة الناس إليه كلما توغلنا داخل التراب الفرنسي؛ إذ يمثل المسجد في بعض المدن الداخلية المكان الوحيد الذي يلتقي فيه المسلمون. ويقدم المسجد خدمات اجتماعية تعبر عن التضامن بين المسلمين، خاصة في بدايات التسعينات من القرن الماضي الذي عرفت خلالها فرنسا أزمة اقتصادية حادة وما انعكس عن ذلك من تفاقم البطالة في صفوف الجالية الإسلامية.

وتحولت هذه المساجد إلى جزء من البيئة والفضاء العام espace urbain، وبدأ الفرنسيون في اعتبارها جزءًا من حضارتهم المتفتحة على الغير، وهذا التحرر النفسي من مخلفات الحروب الصليبية وتركات الاستعمار الحديث أزال الخوف من قلوب كثير من الفرنسيين، وخفف سوء التفاهم الملتصق بأذهانهم. وثمة عدة مساجد أصبحت مزارات للسائحين الفرنسيين القادمين من الأقاليم الداخلية والأوروبيين؛ ولعل أشهر هذه المساجد مسجد باريس الكبير ومسجد إيفري في ضواحي باريس ومسجد الكبير في مدينة ليون، وغيرها، فهذه الجوامع تمثل بحق تحفا معمارية جميلة تذكرنا بمجد المسلمين في الأندلس.

إحياء المناسبات الدينية:

أشرنا من قبل إلى السماح للمسلمين بإحياء المناسبات الدينية، وخاصة الاحتفال بعيد الأضحى لما يتطلب من وقت لذبح الأضحية وزيارة الأقارب، وقد كانت العطل تتم بالتفاهم بين العمال وأرباب العمل، وبين التلاميذ ومدراء المؤسسات التربوية. وفي سنة 2003 اعترف القانون الفرنسي بالاحتفال بيوم بعيد الأضحى كعيد لمسلمي فرنسا. ويصر الآباء على الاحتفال بالأعياد الإسلامية كرمز للانتماء للإسلام وحفظ للتقاليد الإسلامية، وهم يعرفون جيدا مدى تأثر أطفالهم بالحملة الإعلامية والحركة الاقتصادية التي تسبق الاحتفال بعيد المسيح وكأن أوروبا تعيش حقا في عصر المسيحية، وأصبح من الصعب محو هذه الصور من أذهان الأطفال المسلمين إن لم تعوض بصور وذكريات إسلامية أفضل وأجمل.

تجتمع العائلات المسلمة في المساجد أو المراكز الإسلامية ويحتفل الكل بالأعياد الإسلامية، حيث يتقاسم الكل الفرحة ويتناولون الحلويات وما طاب من الأكل الشرقي في شكل جماعي، وقد عشت شخصيا هذه التجربة في عدة مدن فرنسية.

توحيد المرجعية الدينية:

لقد أصبح الاهتمام بفقه الأقليات من أكبر متطلبات الإسلام، ويتعلق كثيرا مستقبله في الغرب على اجتهاد العلماء المسلمين في القضايا والمسائل الجديدة التي تفرزها حياة المسلمين في الغرب. وقد شعر علماء الإسلام بمدى تأخرهم في هذا الميدان، خاصة وأن فقه الأقليات لا يخص فقط المسلمين في الغرب وإنما هناك قضايا وإشكاليات تطرح باستمرار على الفقه نتيجة للتطور السريع في مختلف مجالات الحياة فرضتها العولمة الدينية والثقافية.

إن الظروف التي يعيشها المسلمون في عصر العولمة غير الظروف التي عاشها المسلمون في العصور الماضية؛ فعصرنا هو عصر التغيير السريع. وآخر إشكالية هي قضية رفض القنصليات السعودية بفرنسا تقديم تأشيرات الحج للفرنسيات المعتنقات للإسلام بحجة عدم توفر محرم. من أين لهؤلاء المسلمات أن يأتين بمحرم وهن ينتمين لأسر لا علاقة لها بالإسلام؟ ألا يمكن لهذا الرفض أن يدفعهن إلى الردة عن الإسلام وينفر الأوروبيات القادمات نحو هذا الدين؟

ثمة في التراث الإسلامي فقه المعاملات مع غير المسلمين الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي، بينما المطلوب اليوم وغدا هو دراسة فقه المسلمين في مجتمع غير إسلامي. ونعترف هنا أن الفقه الإسلامي تقدم خطوات كبيرة عندما فصل في قضيتين جوهريتين؛ جواز إقامة المسلم في بلد غير إسلامي، وتجاوز إشكالية التجنيس التي لا تتعارض مع روح الإسلام مادام التجنس يعني فقط اكتساب مواطنة جديدة دون التخلي عن الدين والأحوال الشخصية الإسلامية.

ونظمت عدة ندوات ومؤتمرات في فرنسا تبحث في هذه المسائل الفقهية الجديدة في تعاون تام بين العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية المعروفة، وازدادت الحاجة لذلك بعد أن تشعبت المرجعيات الشرعية التي تفتي للمسلمين في أوروبا عن طريق القنوات الفضائية العربية وهي بعيدة عن الواقع الغربي.

ويعتبر المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الذي تأسس في سنة 1999 نموذجا في إصدار فتاوى شرعية تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الوجود الإسلامي في الغرب، وقد لفت انتباه المراصد الفرنسية المتابعة لتطور التدين الإسلامي في فرنسا، وخصصت له عدة دراسات جامعية ومقالات صحفية.

الحراك الثقافي

مؤسسات فكرية وتعليمية:

تنشط في الساحة الإسلامية في فرنسا مجموعة من الجمعيات الإسلامية الكبرى؛ أهمها: اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، مسجد باريس الكبير، الفيدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا، جماعة الدعوة والتبليغ... وتشرف كل من هذه المنظمات على شبكة من الجمعيات الخيرية والدعوية والمؤسسات التربوية، وتوحدت في عام 2003 تحت ضغط وزير الداخلية نيكولاي ساركوزي وشكلت هيئة رسمية تنطق باسم جميع مسلمي فرنسا؛ وهي المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.

أنشأ المسلمون مجموعة من المؤسسات التربوية؛ لترفع من مستويات المسلمين الدينية واللغوية والفكرية؛ لعل أبرزها المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، مكتب المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مركز الدراسات الحضارية، مركز البحوث والدراسات، المعهد العالي للدراسات الإسلامية، مركز الدراسات العربية، مركز الدراسات الشرقية، المركز الاجتماعي والثقافي، جمعية التوحيد، مدرسة النجاح ومدرسة المستقبل.

كما أن هذه المؤسسات تقوم بتأطير الجالية الإسلامية، وتنظيم العمل الإسلامي في فرنسا في حدود القانون الفرنسي القائم على العلمانية وحرية التدين الذي تمكن بعض العلمانيين الجدد من تغيير بعض نصوصه في محاولة لتقليص المد الديني في المجتمع الفرنسي، ولعل أكثر المتضررين منه هم المسلمون وبالخصوص المسلمات المتحجبات[2].

ولابد أن أذكر هنا مؤسسات لها دور بارز في نشر الثقافة العربية والإسلامية في فرنسا؛ على رأسها معهد العالم العربي الذي له مساهمات متميزة ودائمة في هذا المجال، كذلك بعض المراكز الثقافية التابعة للسفارات الإسلامية ولكنها لا تعبر بحق عن حقيقة العمل الإسلامي في فرنسا؛ إذ إن نشاطها المحدود لا يمس مباشرة الحياة اليومية للمسلمين في فرنسا، ولا ينطلق من عمق واقعهم. وهذه المؤسسات الرسمية تخضع لضغوطات تفرضها مصالح اقتصادية أو سياسية أو إستراتيجية آنية، وهذا لا يعني أبدا أن الجمعيات الإسلامية التي تنشط في الساحة الفرنسية مستقلة تماما وبعيدة عن تأثير بعض الدول الإسلامية؛ وإنما تملك في كل الأحوال هامشا كبيرا من الحرية، وتخضع في الأخير فقط للقانون الفرنسي وانتماءاتها للخارج تكون غالبا شكلية وغير مصرح بها علانية.

تظاهرات ثقافية:

نظمت الجمعيات الإسلامية عدة تظاهرات علمية وثقافية عبر التراب الفرنسي، واستعادت المنظمات الطلابية والشبانية دورها في السنتين الأخيرتين، وأبرزها جمعية الطلبة المسلمين في فرنسا، التي تنظم عدة نشاطات ثقافية عبر المدن الفرنسية، وتختم نشاطاتها السنوية بملتقى دولي في شهر ديسمبر، وتخصصه لدراسة التراث الفكري لمؤسسها الدكتور محمد حميد الله (1908-2002). وقد شاركنا في ملتقى 2002 بمحاضرة عنوانها "الدكتور حميد الله بين الذاكرة والتاريخ"، وحرصنا في هذه المداخلة -التي حضرها حشد كبير من الطلبة والمثقفين من مختلف الأقاليم الفرنسية والأوروبية- على التأكيد على ضرورة الاهتمام بذاكرة الإسلام في فرنسا، مشيرين إلى أن الأستاذ حميد الله من أبرز معالمها التي يجب الاعتناء بها والتعريف بها بين الأجيال المسلمة؛ حتى لا تضيع جهود دعوية جبارة، فتمحى بذلك صفحات مشرقة من تاريخ التوسع الإسلامي في هذه الديار. وبعد أن أنجزت هذه الجمعية موقعا متميزا على شبكة الإنترنت تسعى اليوم لإعادة إصدار مجلتها المعروفة "المسلم Le Musulman".

وتشبها في عملها وجديتها جمعية إسلامية أخرى في مدينة ديجون. ففي كل عام تنظم مهرجانا كبيرا تجمع كل الباحثين الشبان المسلمين، وتوفر لهم قاعة كبيرة لعرض آخر بحوثهم العلمية. وقد عرف نشاطها نجاحا كبيرا، ويزداد الوافدون على هذا المهرجان كل عام، لمسنا هذا في عام 2002. وينظم في نهاية هذا اللقاء حفل يحضره أعيان المدينة والشخصيات السياسية الفرنسية لتوزيع الجوائز وشهادات تقديرية على المشاركين. وكم يحتاج هذا العمل الرصين والمتميز لتشجيع ودعم كل المسلمين، وذلك ما فهمته قبل غيرها امرأة سويسرية ثرية أنعم الله عليها بالإسلام، فتبرعت بـ 10 آلاف يورو؛ لتكريم أحسن عرض علمي قدم في عام 2001.

وتنشط أكثر الحركات الشبانية في الغرب الفرنسي، خاصة في مدينتي بوردو ونانت مع الأستاذ طارق أوبرو، وفي الشمال مع حسن إقيوسن، وفي الشرق بمدينة ليون مع جمعية التوحيد، التي يتزعمها فكريا الدكتور طارق رمضان القادم من سويسرا، وتنظم مهرجانات للأناشيد الإسلامية في محاولة لتقليص تأثير الأغاني الغربية والعربية الخليعة، وتستضيف فرقا معروفة في النشيد الإسلامي [3].

وتساهم المؤسسات الإسلامية بشكل فعال في التعريف بالثقافة الإسلامية عبر المحاضرات والندوات والملتقيات الفكرية والمعارض الإسلامية، ولاشك أن النشاطات الرائدة لمكتب المعهد العالمي للفكر الإسلامي بإدارة الدكتور محمد المستيري والمركز الثقافي لمسجد الدعوة برئاسة الدكتور العربي كشاط ومركز البحوث والدراسات بإشراف الدكتور عبد المجيد النجار ستبقى خالدة في التاريخ؛ إذ نظمت هذه المؤسسات بإمكانيات مادية بسيطة ندوات ومؤتمرات دولية كثيرة عن الإسلام والغرب وفقه الأقليات ومستقبل الإسلام... لا تقل صرامة وعلمية وجدية عن اللقاءات الفكرية التي تنظمها الجامعات الفرنسية ذات ميزانية ضخمة.

بالإضافة إلى هذه الشخصيات الدعوية والعلمية المسلمة التي ذكرناها، نجد مجموعة من المثقفين المسلمين يقدمون مقاربات مختلفة للعمل الإسلامي والإسلام، ويصنفون أنفسهم بالمسلمين العلمانيين أو المسلمين الديمقراطيين، ويتفقون مع العلمانيين الفرنسيين في مواقفهم من الإسلام السياسي. وهذه النخبة تعبر عن نفسها في وسائل الإعلام والساحة الثقافية الفرنسية سواء كانت من داخل فرنسا كمحمد أركون، مالك شبل، عبد الرحيم لمشيشي، باسمة كودماني درويش، عبد الوهاب مداب، ليلى بابس، جمال الدين بن الشيخ، صهيب بن الشيخ، الطاهر بن جلون... أو شخصيات من خارج فرنسا أمثال نصر حامد أبو زيد، فاطمة مرنيسي، عبده فيلالي الأنصاري، محمد الطالبي، عبد المجيد شرفي... وتأسست مؤخرا جمعية "المفكرون الجدد"، تحمل أفكارهم وتبثها في الحياة الثقافية الفرنسية عن طريق موقعها على شبكة الإنترنت، وخصصت لهم المجلة اليسارية نوفل أبسرفاتور ملفا خاصا في مايو 2004 [4]

رواج الكتاب الإسلامي:

عرفت فرنسا في السنوات الأخيرة رواجا كبيرا للكتاب الإسلامي وانتشار المكتبات الإسلامية، وتبعتها حركة الترجمة للكتب الإسلامية إلى اللغة الفرنسية، ويعتبر حي كورون "ouronnes" رحمه الله -الواقع في الدائرة العشرين في مدينة باريس- من أشهر الأحياء التي تحتوي على عدة مكتبات إسلامية (الرسالة، الغزالي، النور، سنا، النجاح، الأزهر، السلام)، وتقوم أيضا غالبية هذه المكتبات بطبع الكتب وتسجيل الأشرطة الصوتية والمرئية بنفسها، بعد أن كانت في الماضي تستوردها من لبنان ومصر والمغرب بطرق تقليدية.

وتعرف فرنسا موعدين هامين لنشر الكتاب العربي والإسلامي؛ الأول الاجتماع السنوي لجمعية اتحاد المنظمات الإسلامية في بورجي بضواحي باريس، حيث تقام أجنحة كثيرة للكتاب، ويقبل عليها المسلمون الوافدون من مختلف الدول الأوروبية، أما الموعد الثاني الذي تشارك فيه دور النشر العربية -التي أشرنا إليها- ودور نشر أخرى قادمة من دول عربية وإسلامية وأوروبية وهو المعرض الأوروبي-العربي الذي دأب معهد العالم العربي على تنظيمه كل سنتين في باريس.

الإعلام العربي الإسلامي:

وعرف الإعلام الإسلامي نفسا جديدا، بصدور عدة مجلات فكرية وثقافية؛ كرؤى التي تعني بقضايا التجديد الإسلامي والمستقبل الإسلامي، ومجلة تعارف المهتمة بالدراسات الغربية، ومجلة مرايا الصادرة عن منتدى فكر المستقبل، ومجلة دراسات شرقية، ومجلة الأوروبية، وكلها تصدر باللغة العربية. أما باللغة الفرنسية، فقد صدرت مجلة La Madina; Islam.Générations, وغيرها.

ومن المؤشرات الإيجابية على الصعيد الإعلامي، تأسيس العرب والمسلمين لعدة محطات إذاعية: إذاعة الشمس، إذاعة الشرق، إذاعة البحر الأبيض المتوسط، فبالإضافة إلى برامج ثقافية وترفيهية، تقدم هذه الإذاعات حصصا دينية ثرية بالعربية والفرنسية، خاصة في شهر رمضان حيث تستضيف مفكرين بارزين من فرنسا والعالم الإسلامي، نذكر منهم الدكتور محمود العزب أستاذ بجامعة الأزهر والسوربون، والمفكر المعروف الدكتور محمد أركون، وغيرهما؛ لتقديم دروس في تفسير القرآن، وتحليل القضايا الإسلامية المعاصرة.

وتنقل إذاعة الشرق مباشرة كل يوم الجمعة خطبتي الجمعة من المسجد الحرام، وقد لاحظنا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 كيف يتعرض دعاء إمام الحرم إلى التشويش والحذف بمجرد أن يتطرق لقضية فلسطين، ولا ندري أهو من صنع إدارة الإذاعة -تمارسها كمراقبة ذاتية خوفا من ردود الفعل اللوبي الصهيوني- أم خضوعا للقانون الفرنسي المعروف فابوس-جيسو Fabius-Gaissot، الذي يمنع كل تعبير يسيء إلى السامية، وبالخصوص اليهود. وتبث القناة الثانية الفرنسية كل يوم الأحد صباحا حصة عن الإسلام.

وأريد أن أختم هذا العنصر بالإشارة إلى ظهور مواقع على شبكات الإنترنت تسعى لمتابعة كل النشاطات الإسلامية في فرنسا، وتقديم مواضيع ثقافية ودينية للجمهور وخدمات أخرى، وقد صار لكل جمعية دينية أو ثقافية ولشخصيات اجتماعية أو علمية مواقع خاصة بها. ولكن حسب الاستقراء الذي قمت به وملاحظاتي الخاصة يمثل موقع الأمة "www.Oumma.com" أكثر المواقع زيارة من طرف الشبان المسلمين.

وقد لفت انتباهي أيضا توجه الشباب المسلم في فرنسا نحو تشكيل شبكة من العلاقات الإلكترونية –إن صح التعبير-، بحيث يتبادلون الآراء وينشرون الأخبار ويحددون المواعيد لحضور نشاطات ثقافية ودينية بشكل سريع عن طريق شبكة الانترنت، وقد ظهرت نجاعتها وفعاليتها بشكل واضح في المظاهرات الكبيرة التي نظمتها الشابات المتحجبات للتنديد بالتحضيرات القانونية لمنع لباس الحجاب في المؤسسات العمومية، واعترف معظم الخبراء والسياسيين الفرنسيين بأنه ليست هناك أية منظمة وراء حركة احتجاج المتحجبات، وإنما يعود نجاحها إلى استعانتهن بشبكة الإنترنت في الاتصال والتعبئة.

الإسهام في التنمية الاقتصادية

شركات الصناعة الاستهلاكية:

تنتشر عبر المدن الفرنسية تجارة اللحم الحلال، وأصبحت لها مؤسسات كبرى تراقب وتسوق اللحم الحلال عبر أوروبا وإلى العالم الإسلامي، والمشروبات الغازية كـ"مكا كولا" و"زمزم كولا"، التي تكتسح السوق الفرنسية، وتكلمت وسائل الإعلام عن قلق شركة "كوكا كولا" العملاقة من ظهور هذه المشروبات. ولم يتردد بعض الصحافيين الفرنسيين في الحديث عن المشروبات العرقية "boissons communautaires" أو المشروبات الحركية/ الناشطة"boissons militantes"، وخاصة بعد أن وضعت إحدى هذه الشركات صورة القدس على غلاف منتوجها وخصصت 10% من كل مبيعاتها للقضية الفلسطينية. وقد هدأت إلى حد ما هذه الحملة لأن صاحب هذه الشركة -وهو محامٍ متمرس- عرف كيف يستوعب المشكل بالصراحة والشفافية؛ ذلك أن الأوروبيين لا يخافون من الصراحة بقدر خوفهم من العمل السري.

وتساهم أيضا شركات الاستيراد والتصدير في توزيع المنتجات الإسلامية وتسويقها عبر فرنسا، وخاصة المصرية والتركية والمغربية التي تكتسح الأسواق الفرنسية وتزاحم المنتجات الصينية، وتتركز تجارة المسلمين في المناطق التي تعرف كثافة سكانية مسلمة في باريس ومرسيليا وليون وليل... والشيء الملفت للانتباه هو أن هذه المواد توزع عبر الأراضي الفرنسية المختلفة، وتتعدى حدود الاستهلاك الإسلامي إذ يقبل على شرائها الفرنسيون خاصة بعد الفضائح الكبرى التي عرفتها أوروبا في مجال اللحوم المغذية بالمواد الكيماوية والزراعة البيولوجية المصطنعة القادمة من الولايات المتحدة الأمريكية.

وكالات الأسفار والسياحة:

وظهرت منذ سنوات قليلة عدة وكالات للأسفار وهي في الحقيقة لا يمكن لها أن تنافس الشركات الفرنسية من حيث الخدمات وشبكة العلاقات والرصيد المالي. فهذه الشركات العربية تخصصت بالدرجة الأولى في تنظيم رحلات للحج والعمرة واستفادت من تزايد عدد المسافرين للحج والعمرة بين الشباب خاصة في السنوات الأخيرة الذي صادف موسم الحج فترات العطلة الدراسية الشتوية (ديسمبر-يناير). وصرحت المصالح القنصلية السعودية في فرنسا بـ 25000 شخص توجه من فرنسا للحج هذا العام (2006) منهم 30 %من الشباب[5].

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الاقتصاد الإسلامي في بدايته يحتاج إلى وقت طويل ونفس كبير ليكون في مستوى متطلبات مستقبل المسلمين في فرنس، لقد أصبح بديهيا اليوم أنه من يتحكم في الاقتصاد والأموال هو السيد في القرار. فأموال المسلمين في فرنسا كثيرة ولكن لم توظف لصالح تنمية هذه الجالية المسلمة ورفعها إلى مستوى الجاليات المؤثرة في الحراك الثقافي والسياسي في فرنسا بفضل قوتها المالية والاقتصادية.

المشهد السياسي

وبعد تغيير القوانين الفرنسية في مجال الجنسية والتجمع العائلي ووصول اليسار الفرنسي إلى الحكم في الثمانينات، اكتسب كثير من المهاجرين العرب والمسلمين وعائلاتهم الجنسية الفرنسية. وعرف الجيل الجديد بعد إتمام الدراسة أو الفشل في التحصيل العلمي مصاعب كثيرة في العثور على العمل. وكثيرا ما يفسر هؤلاء الشباب هذا التهميش بالإقصاء العنصري، فالمجتمع الفرنسي لم يتقبلهم بعد كفرنسيين لهم نفس الحقوق كأنهم ينتمون لأمة أخرى وليس لهم مستقبل مشترك.

و بقي هذا الشعور راسخا في الذهنيات على الرغم من مرور عدة سنوات تحسن خلالها الوضع العام للمسلمين، وقد عبر عن هذا الإحساس بالظلم الاجتماعي الشباب بغضب وانتقام من المجتمع الفرنسي كله في أحداث الشغب التي شاهدها العالم مباشرة على قنوات التلفزيون في شهر نوفمبر 2005.

إن هذه الصورة القاتمة لا يمكن لها أن تحجب صورة مشرقة للمسلمين في فرنسا خاصة في المجال السياسي الذي يهمنا هنا، فقد عرفت الساحة السياسية الفرنسية ظهور وجوه مسلمة حملت حقائب وزارية ومقاعد في البرلمان وإن كانت تمثل أقلية إن لم نقل استثناءات. وإلا كيف نفسر تسيير أو تمثيل مدن فرنسية ذات أغلبية عربية إسلامية من طرف فرنسيين. فهذا دلالة قاطعة على تهاون المسلمين في انتزاع حقوقهم والدفاع عنها كما تفعل كل الجاليات والأقليات الأخرى.

المصدر: موقع التقريب.

 
د. مولود عويمر
تاريخ النشر:2011-12-09 الساعة 23:10:50
التعليقات:0
مرات القراءة: 2664
مرات الطباعة: 559
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2019 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan