الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات أصولية

المحاولات التجديدية المعاصرة في أصول الفقه

أ. وصفي عاشور أبو زيد

 

يعتبر التجديد الحقيقي فريضة من الفرائض، وضرورة من الضرورات، وسنة من السنن، وطبيعة من طبائع الأشياء، فهو مطلوب في كل شيء، في الماديات والمعنويات، في الدين والدنيا وفي الإيمان، حتى الدين نفسه يحتاج إلى تجديد، وقد روى أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إِنَّ الله يَبْعَثُ لهذِهِ الأمَّةِ عَلَى رأْسِ كلِّ مائةِ سنةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَها» (سنن أبي داود)، وهو حديث يصرح بشرعية التجديد في الدين، ويشير إلى أنه فريضة تهدف إلى أن دينها محفوظ يقيض الله له من يحفظه سواء كان فردا أو جماعة، ولهذا ظهر في تاريخنا الحافل من عُرفوا باسم «المجددون»، مثل عمر بن عبدالعزيز والشافعي والغزالي وابن تيمية وغيرهم.

ليس معنى التجديد أن نتخلص من القديم أو نهدمه ونستعيض عنه بمستحدثات مبتكرة، فهذا ليس من التجديد، بل هو تبديد، إنما المراد به الاحتفاظ بالقديم، وترميم ما بلي منه، وإدخال التحسين عليه(1)، ومحاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأ، دون المساس بثوابت هذا القديم، أو العبث بخصائصه الأصيلة وطابعه المميز، ولولا هذا ما سمي تجديدا، لأن التجديد إنما يكون لشيء قديم.

وبهذا لا يكون التجديد مناقضا للأصالة، بل إنه -بالحفاظ على جوهر القديم والترحيب بكل جديد لا يتنافى مع الموروث- آية من آيات الأصالة، وعامل من عوامل الحفاظ عليها وإثرائها(2).

وعلم أصول الفقه من أشرف العلوم الإسلامية، وليس بمعزل عن التجديد، ذلك أن التجديد مشروع في الدين بصفة عامة كما يشير الحديث السابق، وأولى الميادين بالتجديد هو علم الأصول الذي يعتمد عليه علم الفقه المتسم بالسعة والمرونة والذي يضمن للدين النشاط والحركة، ويحتضن كل جديد بالفتوى والبيان.

والدعوة إلى تجديد علم الأصول ليست وليدة العصر الحديث، ولكنْ لها جذورٌ تمتد إلى الماضي، فللغزالي (ت: 505هـ) في «المستصفى» و«شفاء الغليل» إشارات تدل على أن طرفا من قضايا هذا العلم تحتاج إلى تحرير القول فيها، ثم جاء الشاطبي في موافقاته فنبه إلى أن في علم الأصول مسائل ليست منه، وأن الركن الثاني من أركان هذا العلم- وهو ركن المقاصد- لم يلق اهتمام علمائه الجدير به، ثم حاول الشوكاني محاولته البارزة في تاريخ التجديد كما ينبئ عنوان كتابه: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول(3).

وقد أثيرت قضيته في العدد الافتتاحي من «مجلة المسلم المعاصر»، حيث دعت المجلة إلى اجتهاد شامل يعتمد على أصول الإسلام، ولا يغفل حاجات العصر(4)، وظهرت في عصرنا محاولات عديدة في تجديد أصول الفقه تتعذر الإحاطة بها، بلغت بها بعض الدراسات الأكاديمية نيفا وثلاثين محاولة، تتفاوت في مدى عمليتها واقترابها أو ابتعادها عن معايير التجديد الحقيقية، وتتراوح في أصالتها بين القوة والضعف، والالتزام بسلطان العلم وعدم الالتزام.

وباستقراء هذه المحاولات وُجد أنها أخذت صورا عديدة، منها غير الأصيل، ومنها الأصيل، والذي تميز بالأصالة منه ما اتصل بالشكل والصياغة، ومنه ما اتصل بالمضمون، والأخير منه ما أضاف إلى مسائله، ومنه ما حذف منها، ومنه ما يتصل بإعادة النظر في هيكل العلم، ومنه ما يعود إلى تعميق البحث وتوسيع مداه، ومنه ما انطلق بالعلم إلى مجالات أخرى رحيبة، ليتفاعل معها ويؤثر فيها، إلى غير ذلك من محاولات، وسوف نتحدث هنا عن المحاولات الأصيلة التي التزمت بأصول التجديد وعملت تحت مظلة العلم وسلطانه، أما المحاولات غير الأصيلة فلها حديث آخر.

محاولات أصيلة في تجديد الأصول

ونقصد بالأصيلة هنا باختصار تلك المحاولات التي ترتكز على أساسيات هذا العلم، كما استقرت أصوله وقواعده على مر القرون، وتسير في مظلته، وتتحدث تحت سلطانه، وهذه المحاولات أيضا ليست بالقليلة، إنما هي كثيرة نقدمها في اتجاهين:

الاتجاه الأول: إعادة صياغة القديم بأسلوب جديد

وهو اتجاه من اتجاهات التجديد الذي تصاغ فيه مصطلحات هذا العلم وتعريفاته وقضاياه ومباحثه بأسلوب سهل العبارة قريب المأخذ واضح البيان خالٍ من الألغاز والإعجاز.

وقد ظهرت هذه الدعوة على يد مدرسة القضاء الشرعي ودار العلوم(5)، ثم توالت المجهودات في هذا الطريق، فألف أحمد إبراهيم بك «علم أصول الفقه»، وعبد الوهاب خلاف «علم أصول الفقه»، ومحمد أبو زهرة «أصول الفقه»، وعلي حسب الله «أصول التشريع الإسلامي»، كما ساهم الحقوقيون في ذلك من تلامذة خلاف وأبي زهرة وعلي حسب الله، مثل بدران أبو العنين بدران في «أصول الفقه الإسلامي»، وزكريا البرديسي في «أصول الفقه»، وعبد الكريم زيدان في «الوجيز في أصول الفقه»، وغيرهم.

وفي خط مواز جاءت جهود رجال الأزهر مع دعوة الشيخ محمد المدني لعلماء كلية الشريعة إلى التأليف، وعدم الركون إلى تدريس القديم من المتون والشروح.

وهذا الفريق يرى أن التجديد في أصول الفقه أو في الصياغة الميسرة لمسائله إنما تكون في التحقيق العلمي لما اختلف فيه أهل العلم وعرض القضايا الأصولية عرضا موضوعيا مبسطا، لأنه شائع بين علماء الأزهر أن القسمة العقلية للآراء الأصولية قد انتهت، فلا مزيد ولا رأي جديدا في مسائل الأصول، حيث قد قيل كل ما يمكن أن يقال، فما من رأي يظنه صاحبه جديدا وتكون له وجاهة إلا سنجده عند الأقدمين(6).

ومن هنا انبرت تلك الأقلام لاختصار مسائل العلم دون الإخلال بمحتواه، مع العبارة السهلة الواضحة، فهذا الشيخ الخضري في أصوله الذي ألفه للتدريس يقول: «بذلت الجهد في أن أجعل ما أمليه عليهم سهل العبارة واضح المعنى، ورأيت أن لا فائدة من إكثار الموضوعات مع استغلاق الألفاظ»(7).

وهذا الشيخ أحمد إبراهيم بك في أصوله الذي ألفه للتدريس أيضا يقول: «وبعدُ، فهذه مذكرة موجزة في علم أصول الفقه... سلكت فيها طريقة مبتكرة ابتدأتها، رجاء أن ينتفع بها الطلاب نفعا صحيحا، وأن تكون باكورة عمل نافع لطلاب القوانين والشريعة، وأساس بناء صالح لهيكل تشريعي جديد تأتلف فيه الشريعة والقانون في جميع الفروع»(8).

يضاف إلى هذه المحاولات محاولات بعض المعاصرين دراسة بعض الأبواب بصورة مستقلة في كتاب، لاستيفائه، وذكر الآراء المختلفة حوله، وتحرير محالِّ النزاع، وترجيح ما قوي دليله، وهو اتجاه في أصول الفقه أشبه باتجاه التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.

ومن العلماء الذين شاركوا في ذلك د.يوسف القرضاوي في كتابه: «الاجتهاد في الشريعة الإسلامية»، ود.شعبان إسماعيل في كتابه: «قول الصحابي»، ود.علي جمعة في كتبه: «الإجماع»، و«القياس»، و«الحكم الشرعي»، ود.البوطي في كتابه: «ضوابط المصلحة»، وغيرهم من العلماء.

محاولة الشيخ محمد الخضري

وسنكتفي في هذا المطلب بإشارات سريعة من كتاب الشيخ الخضري- باعتباره باكورة هذا الاتجاه- تبين طبيعة هذا الاتجاه وقيمته العلمية.

بدأ الشيخ الخضري كتابه بمقدمة تاريخية عن العلم ذكر فيها أن الشافعي أول من صنف فيه، وتحدث عن مباحث العلم وكيف انقسمت إلى أبواب أربعة: الحكم، والأدلة، وطرق الاستنباط، وأحكام المجتهد، ثم بيّن طرق التأليف التي سلكها العلماء في هذا العلم، وهي طريقة المتكلمين، وطريقة الحنفية، وطريقة تجمع بين المتكلمين والحنفية، وذكر مصنفات لكل طريقة تمثيلا لها.

ويعلق الشيخ الخضري على مصنفات الطريقة الثالثة فيقول: «وهذه الكتب التي عُنيتْ بأن تجمع كل شيء استعملت الإيجاز في عباراتها حتى خرجت إلى حد الإلغاز والإعجاز، وتكاد لا تكون عربية المبنى، وأدخلُها في ذلك كتاب التحرير لابن الهمام، لأنك إذا جردته من شروحه وحاولت أن تفهم مراد قائله فكأنما تحاول فتح المعميات»(9).

ويذكر الشيخ الخضري منهجه في عرض المسائل فيقول: «والطريقة التي جريت عليها هي أنني أذكر القاعدة أولا- حسبما يقع في نفسي أنه الصحيح- ثم أتبع ذلك ببيان شاف لها، ثم أبرهن على صحتها، ثم أذكر قول المخالفين إن رأيت لخلافهم وجها، ولا أضن على القرطاس بذكر مثال أو أكثر مما ينطبق على هذه القاعدة»(10).

ثم يمضي الشيخ ذاكرا حد العلم وموضوعه واستمداده والغاية منه كما هي عادة المصنفين، ثم يقسم الكتاب إلى أبواب أربعة كما ذكرنا من قبل.

ونظرة سريعة على تعريف المصطلحات فقط بين الخضري والقدماء توقفك على مدى الفرق بين الصياغتين، فالخضري يعرف أصول الفقه مثلا فيقول: «أصول الفقه هو القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة»(11).

أما القدماء فإنهم يقررون ابتداء أن أصول الفقه قول مؤلف من مضاف هو الأصول، ومضاف إليه هو الفقه، ولن نعرف المضاف قبل معرفة المضاف إليه، ثم يعرفون أصول الفقه.

يقول الغزالي: «وقد عرفتَ من هذا أن أدلة الأحكام الكتابُ والسنة والإجماع، فالعلم بطرق ثبوت هذه الأصول الثلاثة وشروط صحتها ووجوه دلالتها على الأحكام هو العلم الذي يعبر عنه بأصول الفقه»(12). وقال الآمدي: «فأصول الفقه هي أدلة الفقه وجهات دلالاتها على الأحكام الشرعية وكيفية حال المستدل بها من جهة الجملة لا من جهة التفصيل»(13). وفي تعريف النسخ قال الخضري: «هو رفع الشارع حكما شرعيا بدليل شرعي»(14).

بينما قال الجصاص مثلا: «والنسخ في الشريعة هو بيان مدة الحكم الذي كان في توهمنا وتقديرنا جواز بقائه فتبين لنا أن ذلك الحكم مدته إلى هذه الغاية وأنه لم يكن قط مرادا بعدها»(15). وقال الغزالي: «حده أنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه عنه»(16). ويقول الخضري في تعريف النهي: «هو طلب الكف عن فعل على جهة الاستعلاء»(17). بينما قال الجويني: «النهي قسم من أقسام الكلام القائم بالنفس وهو في اقتضاء الانكفاف عن المنهي عنه بمثابة الأمر في اقتضاء به»(18).

إلى غير ذلك من مصطلحات، ناهيك عن طريقة التناول والعرض، وسرد الاختلاف الطويل، وإيراد مسائل لا طائل تحتها، وتفريع المسائل والقضايا، وغير ذلك مما لو تكلمنا عنه لسُوِّدت به صفحات كثيرة.

والحكم على محاولة الخضري في التبسيط والتيسير هو الحكم على أول ما يوضع في أي علم، فقد تجد في أصول الخضري سردا لخلاف طويل لمسألة من المسائل لا أثر عمليا لها، كما تجد مثلا في مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وهي مسألة من مسائل علم الكلام، إلا أن الكتاب فتح بابًا مهما لمن أتوا بعده، فاستطاعوا أن يبلغوا مبلغا بعيدا في تيسير مسائل العلم، مع الاقتصار على ما تستدعيه الحاجة في استمداد الأحكام الشرعية من مصادرها، دون إخلال بالمضمون بلغ أوجّه في أصول خلاف وأبي زهرة.

وعلى كل حال فالذين شاركوا في هذا الاتجاه لم يختلفوا في الكيف، إنما تكررت في مؤلفاتهم التعريفات والتقسيمات والمسائل والشواهد، وجاء تفاوتهم في الكم والأسلوب في الصياغة من حيث الإيجاز أو الإطناب والدقة في تناول الموضوعات، ومن ثم لم يقدم هذا الاتجاه تجديدا ذا بال مما دعا بعض المعاصرين إلى مسألة التجديد حتى يتسنى للاجتهاد أن يواجه تطورات الحياة ومشكلاتها.

الاتجاه الثاني: اتجاه التجديد المحدود والمتناثر

وهو اتجاه يتوقف على الإتيان بجديد في مسائل الأصول نفسها، والقول برأي لم يُسبق إليه، أو على الأقل لا نجده فيما بين أيدينا من كتب الأصول، وهو يكاد يكون نادرا لاسيما بعد انحسار الاجتهاد والتجديد في أصول الفقه، وإنما سمينا هذا المطلب «اتجاه التجديد المحدود والمتناثر» لأن:

- هذا النوع من التجديد لا يحسنه إلا من تضلع من علم الأصول وعلم الفقه وعلوم الشريعة واللغة بوجه عام، وينتج عن ذلك تولد مسائل أصولية جديدة، ومن أجل ذلك سمّيناه «المحدود».

- هذا النوع من التجديد لا تجده في كل أبواب ومسائل الأصول، ذلك أن معظم مسائل الأصول قسمة عقلية لا تقبل الزيادة ولا النقص، إنما يكون في أماكن متفرقة ومسائل متناثرة، ولذلك سمّيناه «المتناثر».

محاولة الشيخ عبد الله الغماري

وممن ساهموا في هذا الاتجاه العلامة المحدث عبد الله بن الصديق الغماري، وقد أهله لذلك تلقيه العلم من علماء لا يحصون كثرة فأتقن فنونا كثيرة قلما تجتمع لواحد في عصره، منها- كما قال(19): علم العربية، والفقه المالكي والشافعي، والأصول والمنطق، والتفسير، والحديث والمصطلح، والتوحيد، والفرائض، وعلوم اللغة والبلاغة، وغير ذلك.

ويضيف مع علمه لهذه الفنون قوله: «مع تحقيق بحوث في كثير منها- أي العلوم- بطريقة لم أسبق إليها»(20)، والذي يطالع مصنفاته لاسيما المتعلق منها بالفقه والأصول يجده يعقد فيها مباحث أصولية موسعة لقضية معينة يأتي فيها بأقوال مبتكرة، ويهمنا من هذا كله ما قاله الشيخ في مجال أصول الفقه، ومدى ما أضافه من جديد في مسائله.

يقول: «ذِكْر بعض ما حررته من الفوائد ومنها ما لم أسبق إليه:

- منها أني فرقت بين دلالة الاقتران، التي اشتهرت بين العلماء أنها ليست بحجة، وجعلتها نوعين:

نوع ليس بحجة باتفاق وهو أن تقترن بأفعال متعاطفة بأو تكون داخلة تحت أمر عام أو بالواو أيضا مثل: خمس من الفطرة... الحديث. فلا يدل ذكر الختان فيها على أن غيره واجب كالختان، ولا يدل ذكر السواك فيها على أن غيره ليس بواجب كالختان، فهذه الدلالة ضعيفة باتفاق.

النوع الآخر: أن يقترن أمران في نهي، نحو النهي عن كل مسكر ومفتر، فهذه الدلالة حجة في تحريم المفتر مثل الخمر لأنهما اندرجا تحت نهي يخصهما.

وانظر توضيح هذه الفائدة في آخر كتابي «واضح البرهان».

- ومنها أنني ذكرت أن الشيء قد يحرم ويباح مرتين وأكثر، مثل نكاح المتعة، قد نسخ تحريمه مرتين أو ثلاثة، ثم نسخت إباحته إلى الأبد؛ أما الواجب فإنه إذا نسخ لا يعود واجبا أبدا، وهذا لم يقله أحد قبلي. وهاتان الفائدتان مذكورتان في كتابي «الصبح السافر في تحرير صلاة المسافر».

- ومنها أن ابن حزم أكثر في كتابه «المحلى» من إلزام خصومه بالقياس، مع أنه لا يقول به، وتبعه مقلدوه في المغرب.

فقررت أن المعلوم عند علماء الجدل أن العالم لا يلزم خصمه في المناظرة إلا بما يعتقده ويذهب إليه، ولا يجوز أن يلزمه بما لا يذهب إليه، لأن الغرض من المناظرة عند علماء الجدل الوصول إلى الحق من أحد الطرفين، وليس الغرض الإلزام للمخاصم فقط. وهذه الفائدة نبهتُ عليها في «الرأي القويم».

- ومنها أنني نبهت على أن نسخ التلاوة الذي أجمع عليه الأصوليون ليس بجائز، بل هو مستحيل عقلا، وكتبت فيه «ذوق الحلاوة» وهي مطبوعة، وقد خالفني في رأيي هذا بعض العلماء تقليدا لما عرف عند الأصوليين، وإني مستعد لموافقتهم بشروط:

1- أن يثبتوا أن تلك الآيات ثبتت قرآنيتها بالتواتر، وهذا غير موجود قطعا.

2- أن يبينوا الحكمة من نسخ التلاوة بعد وجوده في القرآن.

3- أن يجيبوا عن قول الله تعالى: {لا مبدل لكلمات الله}(21). ا.هـ.

وممن سار في هذا الاتجاه د.أحمد حمد في كتابه: «الإجماع بين النظرية والتطبيق»، حيث قسم كتابه قسمين: الأول نظري، والثاني تطبيقي، وقال في بداية القسم الثاني إنه سار فيه على منهج هو إلى التجديد أقرب منه للتقليد حيث عالج قضايا في الإجماع لم تطرق من قبل، مثل: معالم الإجماع في الأمة، والإجماع في عهد الخلفاء الراشدين، وأنواع الإجماع التي بلغت خمسة عشر نوعا، وأركان الإجماع، ومناقشة صعوبات في طريق الإجماع، وقواعد الإجماع، والإجماع عند غير المسلمين، إلى غير ذلك من مسائل جديدة وحيوية.

ويرى د.علي جمعة أنه على الرغم من أن كثيرا من القضايا التي أثارها الكتاب لا يسلمها له علماء الأصول، وأنه ستختلف مواقفهم منها بين الرفض الشديد والقبول الحذر فإنه كتاب جدير بالمناقشة والفحص(22). وهذا الاتجاه من الاجتهاد عموما لا يقدم عليه إلا من بلغ رتبة الاجتهاد أو قارب، وتضلع من علم الأصول، وهي درجة قلما يبلغها عالم في عصرنا الحاضر.

وينبغي لهذا النوع من الاجتهاد أن يشجع، وتستنفر فيه وله طاقات العلماء الراسخين، وتعقد له المؤتمرات، وتدار فيه الندوات، وتكتب فيه الأبحاث، حتى نصل في هذا العلم إلى قواعد مقررة، ومسائل محققة.

 

الهوامش

(1) راجع الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد: 29-30، د.يوسف القرضاوي. مكتبة وهبة. ط ثانية. 1419هـ.

(2) التجديد في الفقه الإسلامي: 1/48، د.محمد الدسوقي. ضمن سلسلة «قضايا إسلامية» طبع وزارة الأوقاف المصرية، وراجع الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للقرضاوي: ص25 وما بعدها.

(3) راجع: نحو منهج جديد لدراسة علم أصول الفقه: 137، د.محمد الدسوقي، بحث منشور في حولية كلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية، العدد الثاني عشر 1415هـ.

(4) الاجتهاد في الشريعة الإسلامية: 67، د.يوسف القرضاوي، ط. دار القلم. الكويت.

(5) حول قضية تجديد أصول الفقه: 226-227، د.علي جمعة محمد، بحث منشور في العدد العاشر من حولية كلية الدراسات الإسلامية والعربية. 1412هـ.

(6) السابق: 227-822.

(7) أصول الفقه: 13، المكتبة التجارية. ط. ثانية. 1352هـ.

(8) علم أصول الفقه: 2، طبع دار الأنصار. القاهرة، وراجع مثل هذه العبارات وما في معناها وهدفها عند عبد الوهاب خلاف في علم أصول الفقه: 8، مكتبة دار التراث. القاهرة، وعند الشيخ محمد أبي زهرة في أصول الفقه: 7، دار الفكر العربي. القاهرة. 1997م، وعند الشيخ علي حسب الله في أصول التشريع الإسلامي: صفحتي ج، د من المقدمة.

(9) أصول الفقه: 11.

(10) السابق: 41.

(11) السابق: 51.

(12) المستصفى: 5-6.

(13) الإحكام في أصول الأحكام:1/23 . تحقيق د.سيد الجميلي. دار الكتب العربية. بيروت. ط. أولى. 1404هـ.

(14) أصول الفقه: 113.

(15) الفصول 2/791.

(16) المستصفى: 68.

(17) أصول الفقه: 942.

(18) البرهان في أصول الفقه: 1/199 . تحقيق د. عبد العظيم الديب. دار الوفاء. المنصورة. مصر. ط. رابعة. 1418هـ.

(19) سبيل التوفيق في ترجمة عبد الله بن الصديق: 51 . مكتبة الدار البيضاء.

(20) السابق: 45.

(21) السابق: 136-831.

(22) حول قضية تجديد أصول الفقه: 732.

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي، العدد533.

 
أ. وصفي عاشور أبو زيد
تاريخ النشر:2012-01-04 الساعة 22:59:26
التعليقات:0
مرات القراءة: 3109
مرات الطباعة: 744
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 

 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan