الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات فقهية

فقه المعاملات المالية المعاصرة (الأوراق المالية)

سعد بن تركي الخثلان

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين. أما بعد:

فحديثنا في هذا الدرس هو عن موضوع من موضوعات المعاملات المالية المعاصرة، وهو في غاية الأهمية نظرا لمعايشته لواقع النّاس؛ ولكثرة الأسئلة والاستفسارات حوله يحتاج إلى شيء من التقعيد والتأصيل الذي إذا فهم فإنه يمكن من خلاله معرفة أحد المسائل التي تطرح وتعرض.

سنتحدث إن شاء الله - تعالى -عن "أحكام الأوراق المالية" التي هي الأسهم والسندات، ثم ننتقل للحديث عن "الشركات المساهمة" وما الذي يباح منها وما الذي لا يباح، ثم ننتقل للكلام عن "الصناديق الاستثمارية" وحكمها.

وهذا الموضوع كما ترون هو حديث الساعة كما يقال، حيث انصرف كثير من الناس إلى التعامل بالأسهم، بل ربما أمضوا كثيرا من أوقاتهم إلى هذه التعاملات، بل ربما اقتطعوا جزءا من أوقات عملهم المطالبين به إلى متابعة الأسهم وارتفاعها أو انخفاضها ونحو ذلك.

وقد اختلفت الفتاوى الموجودة والقائمة اختلافا كثيرا وأصبح بعض العامة عنده شيء من الاضطراب، حيث يري هذا الاختلاف ولا يستطيع التمييز بينها، فمن قائل بحل، ومن قائل بالحرمة، فمثل هذا الموضوع موضوع في غاية الأهمية يحتاج إلى تأصيله وإلى معرفة آراء العلماء المعاصرين فيه وإلى أدلتهم، ثم مناقشة هذه الأدلة مناقشة علمية، ثم بيان القول الراجح في المسألة حسب ما يقتضيه الدليل والقواعد الشرعية.

إذا قيل الأوراق المالية: عندنا الأوراق المالية، والأوراق التجارية، والأوراق النقدية.

فإذا قيل الأوراق المالية فالمقصود بها الأسهم والسندات، ولهذا إذا قيل: سوق الأوراق المالية يعني سوق الأسهم والسندات،

وأما الأوراق التجارية: فهي الكمبيالات والشيكات والسندات لإذن، على سبيل الحصر وليس على سبيل المثال. وهذه إن شاء الله أيضا سنتكلم عنها في درس قادم.

والأوراق النقدية هي معروفة العملات النقدية، عندنا هنا مثلا هنا في المملكة الريالات، وفي غير المملكة عمل كثيرة الدولار واليورو، الجنيه إلى آخره، وهذه أيضا -الأوراق النقدية- أيضا سنتكلم عنها إن شاء الله في درس قادم.

الذي سنبدأ الحديث عنه هو "الأوراق المالية" التي تعني الأسهم والسندات.

الأسهم نريد أن نعرف الأسهم ما المقصود بها؟ والسندات ما المقصود بها؟ وما الفرق بينهما؟

الأسهم: جمع سهم، وهو حصة في رأس مال شركة، هذا معنى الأسهم، وكل سهم جزء من أجزاء متساوية لرأس المال، نوضح هذا بمثال بسيط:

نحن معشر الموجودين في هذا المسجد لو اتفقنا على تكوين شركة أو إنشاء مكتبة، وقلنا هذه المكتبة نريد من الجميع الاشتراك فيها على شكل أسهم، والسهم مثلا خمسمائة ريال، فمنا مثلا من يساهم بسهم ومنا من يساهم بسهمين أو بعشرة أو أكثر أو أقل، فنحن مجموع هذه الأسهم نكون هذه الشركة. هذا هو المقصود بالأسهم؛ ولهذا مثلا تجد الشركات المساهمة هي من هذا القبيل، تجد شركة زراعية صناعية، لكن الأسهم فيها كثيرة جدا؛ ولذلك يكون رأس المال ضخما بالملايين، وسنعود للكلام عنها عندما نعرف الشركات المساهمة، لكن فقط هذه نبذة مختصرة حول معنى السهم.

 

وأما السند فمعناه أو تعريفه: هو صك يتضمن تعهدا من المصرف أو الشركة ونحوهما لحامله بسداد مبلغ مقرر في تاريخ معين نظير فائدة، إذن هو صك يتضمن تعهدا من مصرف أو من شركة ونحوهما لحامله بسداد مبلغ مقرر في تاريخ معين نظير فائدة، بسبب قرض عقدته شركة أو هيئة قد تحتاج إلى مبلغ من المال لتوسيع أعمالها.

فالمعنى إذن أن هذه الهيئة أو الشركة أو البنك أو المؤسسة تحتاج إلى مبالغ نقدية فتطرح سندات تقول: من دفع قيمة هذا السند فنعطيه هذا السند وهذا السند يتضمن فائدة ربوية؛ يعني يقولون مثلا: أعطنا الآن عشرة آلاف ونعطيك سندا بأحد عشر ألفا يحل بعد سنة، هذا هو المقصود بالسندات.

وتستفيد هذه المؤسسة أو الجهة أو الهيئة تستفيد أنها تحصل على ما تريد من المبالغ من الجمهور، والجمهور هنا - يعني - الذي يتقدم لهم هنا يريد أن يحصل على هذه الفوائد من هذه السندات، فيعطيهم مثلا عشرة آلاف ويعطونه سندا بأحد عشر ألفا بعد سنة، والجمهور قد يكون من جهة أخرى، المقصود أن هذه هي طبيعة السندات.

تلاحظون أن السندات لا تنفك من الفوائد الربوية؛ يعني الفوائد الربوية ملازمة للسندات، لا يمكن أن يوجد سند بدون فائدة ربوية؛ لأنه لو وجد أصبح قرضا حسنا، وهذا ليس من خلق البنوك القرض الحسن.

 

 

 

الفرق بين الأسهم والسندات

ومن خلال هذين التعريفين نستطيع أن نفرق بين الأسهم والسندات، نستطيع أن نفرق من وجوه:

الوجه الأول: أن السهم يمثل جزء من رأس مال الشركة، فحامله يعتبر مالكا لجزء من الشركة، فأنت عندما تملك مثلا جزءا من أي شركة من الشركات فأنت في الحقيقة أحد ملاك هذه الشركة شئت أم أبيت، نفترض مثلا أنك امتلكت أسهما من شركة "سابك" مثلا فأنت أحد ملاك هذه الشركة، يعني قد تكون واحدا من مليون مثلا أو من خمسة ملايين أو من أكثر أو أقل، لكن أنت أحد ملاك هذه الشركة، أما السند فهو يمثل جزءا من دين على الشركة فالشركة مدينة لحامله.

الفرق الثاني: أن السند له وقت محدد لسداده، فيحدد بأن هذا السند سوف تقوم الشركة بسداده بفائدة في وقت في تاريخ معين، وأما السهم فلا يسدد إلا عند تصفية الشركة.

الفرق الثالث: أن صاحب السهم شريك في الشركة ويتعرض للربح والخسارة تبعا لنجاح الشركة أو فشلها، وقد يربح ربحا كثيرا وقد يخسر خسارة كبيرة، فهو يقاسم الشركة نجاحها أو فشلها، وأما صاحب السند فإن له فائدة ثابتة مضمونة لا تزيد ولا تنقص وليس معرضا للخسارة.

الفرق الرابع: عند تصفية الشركة تكون الأولوية لحامل السند؛ لأنه يمثل جزءا من ديون الشركة أما حامل الأسهم فلا يكون له إلا ما فضل بعد أداء ما عليها من ديون.

هذه الفروق الأربعة بين الأسهم والسندات.

 

وأما الحكم فظاهر أن السندات أنها محرمة؛ لأنها قرض بفائدة، ولا إشكال عند جميع العلماء المعتبرين المعاصرين في تحريم السندات؛ لكونها تمثل قروضا بفائدة.

وانتبه، لهذه السندات بعض الشركات المساهمة ربما تلجأ إليها، هناك شركات كبيرة قائمة الآن في السوق عندها سندات بمبالغ كبيرة، وهذه السندات كما قلنا: لا إشكال في تحريمها؛ لأنها بالحقيقة تمثل قروضا بفائدة، لا إشكال في تحريمها، ولكن الكلام هو عن الأسهم هي التي تحتاج إلى شيء من البيان والتفصيل.

وعندما نتحدث عن الأسهم هذا يفضي بنا إلى الحديث عن الشركات المساهمة، وقبل أن أتحدث عن الشركات المساهمة نحتاج إلى أن نأخذ نبذة في أحكام الشركة وأنواعها في الفقه الإسلامي، وقد بحث فقهاؤنا - رحمهم الله - هذه الأحكام على وجه مفصل، فلا تكاد تجد كتاب فقه إلا وقد تضمن أحكاما كثيرة للشركة، والشركة كانت موجودة من قديم الزمان عند الأمم السابقة، وقد ذكر الله - تعالى -ذلك في سورة (ص) في قصة داود "وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ - يعني الشركاء - لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ "ويقسمها الفقهاء إلى: شركة عقود، وشركة أملاك.

ويعرفون الشركة بأنها: اجتماع في استحقاق أو تصرف.

فقولهم: اجتماع في استحقاق: يريدون به شركة الأملاك، وهي أن يكون بين شخصين فأكثر اشتراك في ملك من الأملاك، كأن يكون بينهم مثلا اشتراك في ميراث، يموت شخص ويترك ورثة فهم مشتركون في هذا الميراث، ومنه قول الله - عز وجل - في الإخوة لأم: "فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ" وهذا القسم ليس هو المقصود في هذا الباب، ولا يريده الفقهاء عندما يبحثون أحكام الشركة، إنما المقصود القسم الثاني وهو شركة العقود، وهو المراد بقولهم بالتعريف: اجتماع باستحقاق أو تصرف، فقولهم: أو تصرف يريدون به شركة العقود، ومعناها أن يتعاقد شخصان فأكثر بعمل ومال، أو عمل من أحدهما ومال من الآخر أو العكس، ويقسم الفقهاء الشركة إلى أربعة أقسام: نحن الآن سنذكر هذه الأقسام ثم ننتقل للشركات المساهمة وننظر تدخل تحت أي قسم من هذه الأقسام.

أقسام الشركة عند الفقهاء:

القسم الأول: شركة العنان: ومعناها أن يشترك كل منهما - من الشريكين أو من الشركاء - بمال وعمل، فلا بد من مال وعمل مثال ذلك: اشترك اثنان في محل، ولنقل مثلا محل بيع خضار أو بيع سلع، وكل منهما دفع عشرين ألفا؛ لتكوين رأس مال هذا المحل واتفقا على التناوب على العمل في هذا المحل، أحدهما مثلا في الفترة الصباحية والآخر في الفترة المسائية، فهنا كل منهما بذل مالا وعملا، هذه الشركة تسمى شركة العنان.

القسم الثاني: شركة المضاربة: بأن يكون من أحدهما المال ومن الآخر العمل، مثال ذلك: أعطيك مثلا مائة ألف ريال، أقول: خذ هذا المبلغ واعمل به في كذا، والربح بيننا أنصاف، أو لي من الربح مثلا ستون في المائة ولك أربعون في المائة، فمني المال ومنك العمل هذه تسمى شركة مضاربة وهذه سنحتاج لها عندما نكيف صناديق الاستثمار، إذا هذا هو القسم الثاني.

القسم الثالث من أقسام الشركة عند الفقهاء: شركة الوجوه: ومعناها أن يشتركا فيما يأخذان بوجوههما عند الناس، يعني ليس لهما مال ولكن يأخذان من الناس بوجاهتهما وثقة الناس فيهما، ويشتركان فيما يأخذان من الناس ويعملان فيه، هذه تسمي شركة الوجوه.

 

والقسم الرابع: شركة الأبدان: وذلك بأن يشتركا بأبدانهما في عمل أو أعمال، كأن يشتركا مثلا فيما يحصلاه مثلا من صيد أو احتطاب أو نحو ذلك، يعني عاملان يعملان وقالا: نحن نجمع ما نحصله من هذا العمل ونشترك فيه، هذا يسمى شركة أبدان.

إذا هذه أقسام الشركة عند الفقهاء: شركة العنان والمضاربة والوجوه والأبدان.

بعض الفقهاء يضيفون قسما خامسا، وهو في الحقيقة يرجع إلى الأقسام الأربعة السابقة

وهي شركة المفاوضة: بأن يفوض أحدهما الآخر في أعمال الشركة لكنها في الحقيقة ترجع إلى الأقسام الأربعة.

القاعدة في الشركات: هي أن الملك والربح على حسب ما اتفقا عليه الشريكان أو الشركاء، الملك والربح على حسب الاتفاق، وأما الخسارة فإنها تكون على رب المال، هذه القاعدة في باب الشركة، فإذا الملك لا يحدد بقدر معين، لو أن أحدهم مثلا بذل ثلاثة أرباع الشركة والآخر الربع فلا بأس أو العكس، أو أحدهما النصف والآخر النصف أو أحدهما الثلث والآخر الثلثان، كذلك الربح على حسب ما اتفقا عليه، لو أن أحدهما اشترط أن يكون له مثلا من الربح ثمانون في المائة والآخر اشترط أن يكون له عشرين في المائة أو العكس، أو أن هذا له خمسين في المائة وهذا له خمسين في المائة، المقصود أن الربح على حسب ما اتفقا عليه، أما الخسارة فإنها على رب المال تكون على رب المال، وأما المضارب الذي هو العامل في المضاربة مثلا ليس عليه خسارة، نعم في شركة العنان تلحق كل منهما الخسارة باعتبار أن كل منهما له مال وعمل، لكن في شركة المضاربة الخسارة على رب المال أما المضارب ليس عليه خسارة؛ لأنه قد خسر في الحقيقة جهده ففي مثالنا السابق لو أعطيت شخص مائة ألف ريال وقلت له: اعمل فيها أو شغلها في كذا، فخسر فأنت الذي تتحمل الخسارة أما هو لا يتحمل شيئا من الخسارة مطلقا، إلا إذا تعدى أو فرط بل يقبل قوله في الخسارة لو قال: أنا خسرت يقبل من غير بينة، لكن بيمين؛ لأن المضارب أمين، ومعنى كونه أمينا أنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، وبهذا نعرف أن ما يفعله بعض الناس من اشتراط عدم الخسارة أنه شرط غير صحيح، بعض الناس يقول أنا عندي مثلا مائة ألف ريال أعطيك إياها تشغلها تستثمرها لي، هذا تكييفا عقد مضاربة، ولكن يقول: بشرط أن الخسارة تكون عليك أنت أيها المضارب، فما حكم هذا؟ نقول: هذا الشرط غير صحيح، واختلف العلماء هل - مع اتفاقهم أن هذا الشرط غير صحيح اختلفوا - هل يبطل الشركة أم أن الشركة تصح مع بطلان الشرط؟

فجمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة على أن الشركة صحيحة وأن الشرط باطل، وذهاب الشافعية إلى بطلان الشركة، فقالوا: إن هذا الشرط يؤثر على إبطال الشركة، والصحيح هو قول الجمهور في هذه المسألة؛ لأن الأصل في العقود والشروط والشركة الأصل هو الصحة، فنقول: الشركة صحيحة ولكن هذا العقد وهو اشتراط عدم الخسارة شرط غير صحيح، وحتى لو قال: الخسارة بيننا فالمضارب لا يتحمل شيئا من الخسارة إنما الخسارة كلها تكون على رب المال.

إذا هذه هي أقسام الشركة عند الفقهاء.

الشركات المساهمة

 

 

 

إذا أردنا أن ننتقل إلى الشركات المساهمة نريد أولا أن نعرف معناها ثم نأتي للتكييف الفقهي لها.

 

الشركات المساهمة:عرفت بأنها الشركة التي يكون لها رأس مال مقسم إلى أسهم متساوية القيمة قابلة للتداول، ويكون لكل شريك منها بحسب ما وضع من أسهم ولا يكون مسئولا إلا في حدود أسهمه فهي عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهما في هذه الشركة، وقد نشأت أول ما نشأت هذه الشركات المساهمة قبل خمسمائة عام تقريبا، نشأت في مدينة البندقية في إيطاليا، ثم انتقلت بعد ذلك إلى المجتمعات الإسلامية وهي متأثرة بالنزعة الرأسمالية ذلك أن الهدف الأساسي منها هو جمع المال من المساهمين ما أمكن، فهي متأثرة بالنظام الرأسمالي والنزعة الرأسمالية، ولهذا من الأصول عندهم - عند القائمين على هذه الشركات - هي أن المال يجب ألا يبقى بل لا بد من استثماره وتحريكه فلا يبقى ساكنا لا يستثمر، ولهذا عندهم أنه لا بد من أن تؤخذ فوائد ربوية على أموال المساهمين، ويعتبرون بقاء أموال المساهمين بدون استثمار وذلك بأخذ الفوائد الربوية يعتبرون ذلك خطأ اقتصاديا، هكذا نشأت هذه الشركات بهذا التصور بهذا المفهوم، وانتقلت للمسلمين بهذا التصور ولهذا لا تعجب إذا وجدت أن جل الشركات المساهمة تتعامل بالربا إقراضا أو اقتراضا، بل إلى وقت قريب لا تكاد تجد ولو شركة مساهمة واحدة لا تتعامل بالربا، ما في ولا شركة واحدة، لكن الآن ولله الحمد وجد قرابة عشرين شركة أو إحدى وعشرين، أصبحت لا تتعامل بالربا في ما ظهر من القوائم المالية لها، وهذه المسألة سنتكلم عنها إن شاء الله - تعالى -إذا انتهينا من الكلام عن أحكام هذه الشركات.

 

أقول: يعني هذا هو السبب في كون معظم الشركات المساهمة لا تخلو من التعاملات الربوية، لأن الأساس الذي قامت عليه هو يعني هذا المفهوم الرأسمالي، وهو أن الشركات لا بد أن تستثمر أموال المساهمين فيها، وألا تبقى ساكنة ومن وجوه الاستثمار عندهم هو أخذ الفوائد الربوية عليها، والاقتراض بالفوائد الربوية عند الحاجة، ولكن نحن المسلمين ينبغي ألا نتلقف هذه المفاهيم وهذه التصورات الخاطئة التي لا يقرها ديننا، ولكن مع الأسف بعض المسلمين يتلقفون كل ما يأتي من الغرب من غير تمحيص ومن غير تدقيق، وإلا فإن الشركات المساهمة هذه لها فائدة كبيرة في المجتمع لو أنها سلمت من الفوائد الربوية فإن لها فوائد عظيمة، وذلك لأن هذه الشركات تقوم بأعمال ضخمة فإنها تجمع من المساهمين رأس مال ضخم عندما تطرح شركة للاكتتاب تجمع رأس مال ضخم بالملايين وربما بالبلايين والمليارات، وتنشأ مشاريع ضخمة: مشاريع مثلا: ألبان، مشاريع زراعية، أسمنت، اتصالات، وهذه المشاريع الضخمة لا يستطيع أن يقوم بها الفرد الواحد من الناس، لا يمكن أن يقوم بها فرد واحد من الناس إلا ما ندر، فهذه الشركات إذًا لها فائدة بالنسبة لاقتصاد البلد، فهي تقوم بمعظم المشاريع الضخمة في البلد فيستفيد منها اقتصاد البلد، ويستفيد منها المساهمون أيضا بما تجنيه عليهم وتدر عليهم من أرباح، لكن لو أنها سلمت من هذه التعاملات الربوية فهي كما ذكرنا لها فائدة كبيرة على المجتمع، ولكن الإشكالية هو أنها لا تخلو في الغالب من هذه التعاملات المحرمة.

 

إذًا هذه هي الشركات المساهمة، إذا أردنا تكييفها الفقهي يعني على أي قسم يمكن تخريجها، نحن ذكرنا أقسام الشركة عند الفقهاء وذكرنا أنها تنقسم إلى: شركة عنان ومضاربة ووجوه وأبدان. فعندما عرفنا الشركات المساهمة عرفنا المقصود بها، فهل نعتبرها قسم مستقلا غير معروف عند الفقهاء، أو أنه يمكن أن نرجعها إلى أحد هذه الأقسام الأربعة.

 

بحثت هذه المسألة بحثها عدد من الباحثين، ومنها رسالة دكتوراه من جامعة أم القرى في الشركات المساهمة، وخلص الباحث إلى أن الشركات المساهمة يمكن أن تكون شركة مضاربة، أو شركة عنان ومضاربة، فتكون شركة مضاربة إذا كان مجلس الإدارة لا يأخذ أو لا يكون مساهما، إذا كان مجلس الإدارة ليس مساهما، وإنما يأخذ مكافأته من الربح فإنها تكون مضاربة؛ لأنه يكون المال من المساهمين والعمل من مجلس الإدارة، فتكون مضاربة، وأما إذا كان مجلس الإدارة مساهما فإنها تكون عنان ومضاربة، إذا نقول: الشركات المساهمة إما أن تكون شركات مضاربة، إذا كان مجلس الإدارة ليس مساهما وإنما يأخذ مكافأته من الربح، وإما أن تكون عنان ومضاربة إذا كان مجلس الإدارة مساهما، وعلى كلا التقديرين فهي شركات الأصل فيها أنها مباحة، لأنها شركة العنان وشركة المضاربة كلها من الشركات المباحة، وبهذا يتبين لنا أن الأصل في الشركات المساهمة هو الحل والإباحة، هذا هو الأصل، وكما مثلت لكم قبل قليل في أننا لو اجتمعنا مثلا وأردنا تكوين مشروع من المشاريع وطرحناه على شكل أسهم فهذا الأصل فيه الإباحة، الأصل في مثل هذا الإباحة، ولكن يمكن تقسيم الشركات المساهمة الموجودة اليوم إلى ثلاثة أقسام:

 

القسم الأول: أن يكون العمل الذي تمارسه مباحا، ولا تتعامل تلك الشركات بالربا إقراضا ولا اقتراضا، فتكون شركات زراعية أو صناعية أو في الاتصالات أو في غير ذلك، وهذا لا إشكال في جواز المساهمة فيها كما ذكرنا، هذا القسم الحكم فيه واضح تماما وهو أنه يجوز الدخول في هذه الشركات والمساهمة فيها.

 

 

 

القسم الثاني: أن يكون العمل الذي تمارسه الشركة محرم كشركات الخمور مثلا، شركات تصنيع الخمور، والتبغ يعني الدخان، والبنوك الربوية ونحو ذلك، فهذه أيضا الحكم فيها واضح وهو أنه تحرم المساهمة فيها وتداول أسهمها.

 

إذًا هذان القسمان الحكم فيهما واضح تماما، القسم الأول: شركات يكون العمل الذي تمارسه الشركة مباحا ولا تتعامل بالربا مطلقا هذه مباحة، القسم الثاني العكس تماما: العمل الذي تمارسه الشركة محرما فهذه أيضا يحرم الدخول فيها ويحرم تداول أسهمها.

 

 

 

القسم الثالث: أن يكون العمل الذي تقوم به الشركة مباح في أصله، كأن يكون في زراعة أو تجارة أو صناعة ونحو ذلك، ولكن تلك الشركة تتعامل بالربا إقراضا أو اقتراضا، وهذا هو حال معظم الشركات المساهمة الآن فتكون الشركة في أصلها مباحة في الأسمنت مثلا، في التصنيع، في الزراعة ولكنها تقترض بالربا أو تقرض بالربا، عندها قروض ربوية، هذا القسم هو موضع الإشكال في الحقيقة، وقد اختلف فيه العلماء المعاصرون على قولين مشهورين:

 

القول الأول: أنه يجوز الدخول في هذه الشركات والاكتتاب فيها وتداول أسهمها بشرط أن يتخلص المساهم من الربا بعد حصوله على الأرباح، وذلك بأن يتخلص من الربا إن عرف مقداره فإن لم يعرف مقداره فأكثر ما قيل أنه يتخلص من نصف الربح، وأبرز من قال بهذا القول الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - وفتواه في هذا مكتوبة ومحررة، على أنه قال: الورع عدم الدخول في هذه الشركات، ولكن إذا لم يسلك المسلم سبيل الورع ودخل فيها فعليه أن يتخلص من نسبة الربا إن عرف مقداره فإن لم يعرف مقداره تخلص من نصف الربح.

 

وعلى هذا القول عامة الهيئات الشرعية في البنوك، فهم على هذا القول، على خلاف بينهم في تحديد نسبة الربا التي يجوز معها الدخول في تلك الشركات، وأكثر ما قيل: ثلاثين في المائة، وإنما حددوا بهذا التحديد أخذا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: الثلث والثلث كثير.

 

قالوا: فالثلث ثلاثة وثلاثين في المائة، وثلث وهذا هو الحد الكثير، وما كان أقل من ثلاثة وثلاثين يعتبر قليلا، فقالوا: ما دامت القروض الربوية في الشركة لا تزيد على ثلاثين في المائة فيجوز الدخول فيها مع التخلص من الربا، وبعضهم قال: حددها بعشرة في المائة وبعضهم حددها بخمسة في المائة لكن أكثر ما قيل هو ثلاثون في المائة.

 

 

 

والقول الثاني في المسألة: أنه لا يجوز الدخول في هذه الشركات مطلقا، ولو كانت نسبة التعامل بالربا واحد في المائة، فيحرم الدخول في هذه الشركات، يحرم الاكتتاب فيها ويحرم تداول أسهمها - بيعا وشراء - أو نحو ذلك، وهذا القول قال به أكثر العلماء المعاصرين، وإنما قلت أكثر العلماء المعاصرين لأن أحد إخواننا المشايخ قد عمل استبانة لمعرفة آراء العلماء المعاصرين في هذه المسألة فوجد أن أكثر العلماء على هذا القول، وعلى هذا القول أيضا مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وسوف أنقل لكم نص القرار بعد قليل إن شاء الله، مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي برئاسة سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز - رحمه الله - يعني صدر هذا القرار لما كان الشيخ عبد العزيز بن باز هو الرئيس لهذا المجمع، وأيضا ذهب لهذا القول مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، فإذًا اتفق المجمعان على هذا القول، وأيضا ذهب لهذا القول اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز - رحمه الله -.

 

إذًا هذان قولان مشهوران في هذه المسألة الشائكة في الحقيقة وبعض العلماء المعاصرين توقف في هذه المسألة نظرا لقوة الخلاف فيها.

 

فنعرض الآن لأدلة كل قول ثم نبين إن شاء الله - تعالى -القول الراجح فيها.

 

ينبني يا إخوان يعني على هذه المسألة حكم الصناديق الاستثمارية، إذا قلنا بالجواز جازت الصناديق الاستثمارية الشرعية -التي تسمى الشرعية الآن، وإذا قلنا بالتحريم قلنا بتحريم جميع الصناديق الاستثمارية يعني هي مسألة مؤثرة في مسائل أخرى، لها أثر في مسائل أخرى فنريد الآن أن نذكر أدلة كل قول ومناقشتها ثم نبين القول الراجح في المسألة.

 

 

 

أدلة القول الأول: القائلون بالجواز أدلتهم ترجع إلى دليلين في الحقيقة:

 

الدليل الأول: هو الاستدلال ببعض القواعد التي ذكرها الفقهاء، والتي تدل على أنه يغتفر في القليل ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا، وأنه إذا اختلط الحلال والحرام، وكان الحرام محرما لكسبه لم يحرم الجميع، فاستدلوا بهذه القواعد يعني منها: يثبت تبعا مالا يثبت استقلالا، فقالوا هذه القروض الربوية تدخل تبعا والحكم للأكثر، وهو يعني تعاملات الشركة في الأصل أنها مباحة: زراعية، صناعية، تجارية وقالوا أنه عند الفقهاء قاعدة وهي: أنه إذا اختلط المال الحلال بالمال الحرام وكان الحرام محرما لكسبه لم يحرم الجميع، وقالوا أيضا هنا قاعدة أخرى عند الفقهاء وهي: للأكثر حكم الكل. ونحو ذلك من القواعد، فقالوا: هذه القواعد تدل على أن المعول عليه هو الأكثر والمعول عليه هو الأغلب، قالوا: ومما يدل على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعامل مع اليهود وهم أكالون للسحت، وقد اختلط مالهم الحلال بمالهم الحرام ومع ذلك كان يقبل الهدية منهم بل قبل دعوتهم للوليمة، وذلك لأنه قد اختلط المال الحلال بالمال الحرام، فيكون الحكم إذًا للأكثر.

 

الدليل الثاني لهم: هو التبرير بالواقع، فقالوا: إن هذه الشركات المساهمة تقوم بأعمال عظيمة في المجتمعات فمثلا الكهرباء تعتمد على هذه الشركات شركات مساهمة، الإسمنت كذلك تقوم به شركات مساهمة، كثير من الصناعات التي يحتاج لها الناس تقوم بها شركات مساهمة، كثير من أمور التجارة التي يحتاج لها الناس تقوم بها شركات مساهمة، قالوا: فلو منعنا الناس من الدخول في هذه الشركات وقلنا: إنه يحرم الدخول فيها لتعطلت مصالح الناس، فالناس يحتاجون للكهرباء مثلا إذا قلنا أنه يحرم الدخول فيها انهارت هذه الشركات، ولحق الضرر بهؤلاء الناس، وهكذا الإسمنت مثلا يقوم على شركات مساهمة، فإذا قلنا بتحريم الدخول فيها انهارت هذه الشركات ولحق الناس الضرر، فإذًا المجتمع بحاجة لمثل هذه الشركات والواقع أن هذه الشركات تتعامل في جملتها بالربا، والذي لا يتعامل بالربا منها قليل جدا، إن لم يكن نادرا بالنسبة لمجموع الشركات، فنظروا هذه النظرة فقالوا: إن عموم البلوى يقتضي هو أن نقول بجواز الدخول فيها مع وجوب التخلص من نسبة الربا، بعد الحصول على الأرباح، هذه إذًا هي عمدة ما استدل به أصحاب هذا القول.

 

دليلهم الأول الاستدلال ببعض القواعد الفقهية: للأكثر حكم الكل، يثبت تبعا مالا يثبت استقلالا، إلى آخره. دليلهم الثاني: التبرير بالواقع وحاجة الأمة إلى هذه الشركات.

 

وأما أصحاب القول الثاني: القائلون بأنه لا يجوز الدخول في مثل هذه الشركات مطلقا فقالوا: إن المساهم يعتبر أحد ملاك هذه الشركة ودخوله في هذه الشركة يتضمن في الحقيقة مالا وعملا، فجميع أعمال الشركة تنسب إليه، لأن السهم في الحقيقة يمثل جزءا مشاعا من الشركة فالمساهم أحد ملاك هذه الشركة، فتنسب إليه جميع أعمال الشركة ومنها الإقراض أو الاقتراض بالربا، فيكون هذا المساهم قد تعامل بالربا بالوكالة، هو صحيح أنه لم يتعامل بالربا مباشرة لكنه تعامل بالربا بالوكالة، بأن وكل من يقوم عنه بجميع أعمال الشركة وهو مجلس الإدارة ومن ذلك الإقراض والاقتراض بالربا.

 

هذا هو ما استند إليه أصحاب هذا القول، فقالوا: إن جميع أعمال الشركة تنسب للمساهمين ومنها التعاملات الربوية، فتنسب إليك أنت أيها المساهم هذه التعاملات الربوية شئت أم أبيت، قالوا: ونجد أن الشريعة قد شددت في شأن الربا فلعن النبي - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه قالوا فإذا كان كاتب الربا وشاهد الربا ملعون فكيف بمن يتعامل بالربا بطريق الوكالة.

 

إذًا هذه وجهة أصحاب هذا القول، وعند الموازنة بين هذه الأدلة نجد أن أدلة القول الأول الحقيقة يمكن أن تناقش، فاستدلالهم بالقواعد التي ذكرها الفقهاء من أن للأكثر حكم الكل، وأنه إذا اختلط المال الحلال بالحرام وكان الحرام حراما لكسبه لم يحرم الجميع، وأنه يثبت تبعا مالا يثبت استقلالا. إلى غير ذلك مما ذكره الفقهاء من قواعد، هذه القواعد لا تنطبق على هذه المسألة في الحقيقة، لماذا؟ لأن هذه القواعد إنما تنطبق على ما إذا اختلط المال الحلال بالمال الحرام، بينما الشركات المساهمة تتضمن مالا وعملا ليس فقط مالا، مالا وعملا، ولئن اغتفرنا في مسألة المال فتبقي مسألة العمل، فأنت عندما تساهم في شركة من الشركات هناك مال وعمل منسوبان لك، المال قد بذلته والعمل منسوب لك أيضا، لكن بالوكالة وهو يقوم به مجلس الإدارة، فأنت ينسب لك مال وعمل، فلئن أخذنا بهذه القواعد وقلنا إنه يغتفر في القليل بالنسبة للمال فتبقي عندنا الإشكالية بالنسبة للعمل، فإذًا هذه القواعد إنما تنطبق على اختلاط مال حلال بمال حرام فقط، أما الشركات المساهمة لا تنطبق عليها هذه القواعد؛ لأنها تتضمن مالا وعملا، تنطبق هذه الشركات على إنسان اختلطت أمواله فيها حلال وحرام، فيجوز أن تبيع وتشتري منه وأن تقبل دعوته وتقبل هديته، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع اليهود لكن الشركات المساهمة هي ليست اختلاط مال بمال فقط، ولكنها تتضمن مالا وعملا، فيكون الاستدلال بهذه القواعد إذًا غير صحيح.

 

وأما التبرير بحاجة الأمة إلى مثل هذه الشركات فهو غير صحيح، أرأيت لو تجرأ الناس على التعامل بالربا هل نقول بأنه يجوز التعامل بالربا لكون الناس قد احتاجوا له وتجرءوا عليه ونحو ذلك؟ ثم أيضا إن هذه الشركات المساهمة لم تتعين في الحقيقة طريقا للكسب، هناك طرق أخرى للكسب، وهناك طرق أخرى للاستثمار وطرق أخرى للنهوض بالاقتصاد، ثم أيضا إنه لا يقطع بارتفاع الحاجة من جراء ارتكاب هذا المحظور، فقد يساهم الإنسان بشركة مشبوهة فيخسر، ومن شروط استباحة المحظور عند الفقهاء أن يقطع بارتفاع الظلام، ثم أيضا أن معظم أسهم الشركات المساهمة إنما يملكها كبار المستثمرين وهم المتحكمون فيها، فتبقى نسبة من يزعم حاجتهم قليلة بالنسبة لأولئك، ثم قبل هذا كله إن الربا محرم قليله وكثيره، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبرر للناس التعاملات الربوية باسم الحاجة أو الضرورة، فالتبرير بالحاجة أو بالواقع غير مناسب واستدلال في غير محله، بل إن هذه الفتاوى في الحقيقة أو هذا الرأي في الحقيقة هو من أسباب استمرار تلك الشركات على هذه التعاملات، فيجدون من يفتيهم من يفتي المساهمين بجواز الدخول مع التخلص من الربا، فتستمر تلك الشركات في هذه التعاملات المحرمة.

 

فإذًا عرفنا وجهة أصحاب هذا القول وهو أنها ترجع إلى أمرين إلى قواعد وناقشناها وقلنا إن هذه القواعد لا تنطبق على الشركات المساهمة، الثاني: التبرير بالواقع وحاجة الأمة قلنا أيضا: إن هذا استدلال غير صحيح لأن الربا محرم قليله وكثيره، وحاجة الأمة أولا أنها غير مقطوع بها. ثانيا: حتى لو افترضنا أن هناك حاجة فإن الربا أمره عند الله - تعالى -عظيم جدا، ولا يمكن أن تكون الحاجة مبررة للدخول في هذه التعاملات الربوية.

 

وأما أصحاب القول الثاني الذين قالوا: بأنه لا يجوز الدخول في هذه الشركات، فدليلهم في الحقيقة قوي جدا وكما سمعتم هم قالوا: إن الشريك يملك جزءا من هذه الشركة شاء أم أبى وتنسب إليه جميع أعمال هذه الشركة ومنها التعاملات الربوية.

 

والذي يظهر والله - تعالى -أعلم أن الرأي الراجح في هذه المسألة هو القول الثاني، وهو أنه يحرم الدخول في الشركات المساهمة إذا كانت تتعامل بالربا ولو بنسبة واحد بالمائة، وذلك لقوة ما استدلوا به ولعدم وجود دليل صحيح يبرر أو يبيح الدخول في هذه الشركات التي تتعامل صراحة بالربا، وتعلن هذا صراحة في قوائمها المالية وتتجرأ على الربا الذي هو حرب لله ورسوله، وأنقل فيما يأتي قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - أنقل نص هذا القرار، وهو في الحقيقة قرار مهم؛ لأن هذا المجمع يمثل كبار علماء العالم الإسلامي، وهو أقوى من مجمع منظمة المؤتمر، فهو يمثل في الحقيقة كبار علماء العالم الإسلامي ليس خاصا بعلماء المملكة، وهذا القرار موجود في مجلة المجمع، ولكنه لم يبرز في الحقيقة بل إن القول الثاني لم يبرز، ولذلك فالقول الآن المعروف عند الناس هو أنه يجوز الدخول مع التخلص من الربا مع أن القول الثاني هو الأقرب للنصوص والقواعد الشرعية.

 

ولكنه كما ذكرت لم يبرز هذا القول.

 

قرار المجمع الفقهي القرار الرابع بشأن حكم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا، نص القرار:

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

 

فإن مجلس المجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة والتي بدأت يوم السبت العشرين من شهر شعبان 1415للهجرة قد نظر في هذا الموضوع وقرر ما يلي:

 

1- بما أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة، فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مباحة أمر جائز شرعا. وهذا أشرنا إليه.

 

ثانيا: لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم كالتعامل بالربا أو تصنيع المحرمات أو المتاجرة فيها. وهذا أيضا أشرنا إليه.

 

ثالثا: -هذا هو القسم الثالث للشركات الذي هو موضع الإشكال- يقول: لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا وكان المشتري عالما بذلك.

 

رابعا: إذا اشترى شخص وهو لا يعلم أن الشركة تتعامل بالربا ثم علم فالواجب عليه الخروج منها، والتحريم في ذلك واضح.

 

هكذا نص قرار المجمع. يقول: والتحريم في ذلك واضح؛ لعموم الأدلة من الكتاب والسنة في تحريم الربا؛ ولأن شراء أسهم الشركات التي تتعامل بالربا مع علم المشتري بذلك يعني اشتراك المشتري نفسه في التعامل بالربا؛ لأن السهم يمثل جزءا شائعا من رأس مال الشركة، والمساهم يملك حصة شائعة في موجودات الشركة.

 

فكل مال تقرضه الشركة بفائدة أو تقترضه بفائدة فللمساهم نصيب منه، لأن الذين يباشرون الإقراض والاقتراض بالفائدة يقومون بهذا العمل نيابة عنه وبتوكيل منه، والتوكيل بعمل محرم لا يجوز، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

هذا هو نص قرار المجمع أيها الإخوة، وهو كما ترون قرار قوي ومختصر وعبارته مركزة.

 

وهذا هو الذي ندين لله - تعالى -به، وهو الذي تقتضيه الأدلة والنصوص الشرعية؛ لأن الربا كما ذكرنا في درس الأمس أمره عند الله - عز وجل - عظيم جدا، وقد توعد الله - تعالى -وآذن بالحرب من تعامل بالربا، حتى إنه أعظم من الزنا وأعظم من شرب الخمر وهو من أكبر الكبائر ومحرم في جميع الأديان السماوية قليله وكثيره، وقد جاء في السنن عند أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد بسند حسن أو صحيح عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن بيع الرطب بالتمر وقال - عليه الصلاة والسلام -: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذًا بيع الرطب بالتمر يعني مع التقابض ومع التماثل بالكيل أو الوزن مع ذلك لا يجوز، يعني لو أردت أن تبيع كيلو تمر بكيلو رطب مع التقابض لا يجوز، مع أنه تحقق الشرطان التقابض والتماثل هذا كيلو وهذا كيلو ومع ذلك لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا الرطب سوف ينقص إذا يبس، فهو تفاوت يسير بل يسير جدا، ومع ذلك منع منه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فما الذي يبيح الدخول في الشركات تصل نسبة القروض الربوية فيها إلى ثلاثين في المائة، إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - منع من بيع الرطب بالتمر مع أن التفاوت يسير جدا فما الذي يبيح الدخول في شركات تتعامل بالربا إلى نسبة ثلاثين بالمائة، بل تصل القروض إلى ملايين أحيانا، بل وصل في إحدى الشركات الكبيرة إلى مليارات، وصلت القروض الربوية إلى مليارات.

 

ثم إننا إذا نظرنا إلى مقاصد الشريعة نجد أن من مقاصد الشريعة تضييق المسالك الفضية للربا وسد جميع الذرائع المفضية للربا، ولذلك يحرم بيع العينة حتى لو حصل من غير مواطأة، العينة معناها أن يبيع شخص سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل منه نقدا، لو حصل هذا من غير مواطأة، نقول: حرام. لماذا؟ سدا للذريعة.

وأيضا يحرم بيعتان في بيعة، والصحيح أنه هو بيع العينة، وسلف وبيع والقرض الذي جر نفعا، كل هذا سدا لذريعة الربا.

وإذا كان الفقهاء يمنعون من الإسهام في المعصية بطريق غير مباشر فيمنعون من بيع السلاح وقت الفتنة، ويمنعون من بيع العنب لمن يتخذه خمرا ونحو ذلك؛ فلأن يقال بمنع الإسهام في المعصية بطريق مباشر من باب أولى.

فيمنع من الإسهام في الشركات المساهمة المشهورة بالربا؛ لأنها في الحقيقة قد تجرأت على هذا الأمر العظيم وهو الربا، وقد استخفت بأوامر الله ورسوله ومستمرة على هذا العمل، ولذلك فإذا أشيع مثل هذا القول بأنه لا يجوز الدخول في هذه الشركات فإن هذا سيكون أكبر رادع هذه الشركات لكي لا تتعامل بالربا.

ولهذا نقول: إن القول الصحيح في هذه المسألة هو أنه يحرم الدخول في جميع الشركات التي تتعامل بالربا ولو بنسبة واحد بالمائة.

وكما ذكرت في بداية هذا الدرس قد كان في السابق لا يكاد يوجد ولا شركة واحدة لا تتعامل بالربا، وهذا الذي دفع أصحاب القول الأول لأن يقولوا بالجواز؛ لأنهم قالوا: إن هذا الواقع المرير للأمة الإسلامية يجعلنا نعيد النظر ونجتهد ونقول بجواز الدخول في هذه الشركات مع وجوب التخلص من نسبة الربا.

وبعض أصحاب هذا القول قال: إنني أقول بهذا القول لفترة مؤقتة لحين أن توجد شركات لا تتعامل بالربا، وقد وجد ولله الحمد الآن مجموعة من هذه الشركات، وجد الآن ما يسمى بالشركات النقية وهي قرابة اثنتين وعشرين شركة.

وهذه الشركات يعيني صنفها بعض الإخوة بناء على دراسة القوائم المالية للشركات، فوجدوا أن القوائم المالية لهذه الشركات قد خلت من التعامل بالربا فسموا هذه الشركات بالشركات النقية، ولكن أيضا أشير هنا إلى أن هذه الشركات النقية التي تبلغ قرابة إحدى أو ثنتين وعشرين شركة نقاوتها نسبية، يعني ما في شركة نقية مائة بالمائة ما تجد شركة نقية الآن مائة بالمائة، إنما هذه الشركات نقاوتها نسبية؛ ومعنى ذلك يعني أن هذه الشركات ليست نقية نقاء كاملا، وذلك لأن أولا: الحكم عليها بأنها نقية إنما ذلك من خلال دراسة قوائمها المالية لسنة واحدة فقط أو سنتين وليس لجميع نشاطات الشركة من بدايتها، بل كانت كما ذكرت جميع الشركات تقريبا تتعامل بالقروض الربوية، فالحكم عليها بأنها نقية إنما كان بدراسة قوائمها المالية في سنة أو سنتين فقط.

الأمر الثاني: أن الحكم بأنها نقية إنما هو صادر من قراءة هذه القوائم المعلنة، ولا يعلن عن تعاملاتها في الباطن، ومعلوم كثرة الحيل عند الناس خاصة فيما يتعلق بالأمور المالية.

الأمر الثالث: أن هذه الشركات النقية تملك الحقيقة أسهما لشركات غير نقية، فإذًا يعني لا نستطيع أن نقطع بأنها نقية مائة بالمائة.

الأمر الرابع: أن هذه الشركات التي قيل إنها نقية لا نستطيع أن نضمن أنها لن تتعامل بالربا مستقبلا؛ لأنها تجرأت على الربا في الماضي فلا يبعد أن تتجرأ على الربا في المستقبل أو بطريق غير معلن، ولذلك يعني نقاوتها نسبية، ولكن بكل حال لا شك أنها أخف من الشركات التي تعلن صراحة أنها تتعامل بالربا، ولكن ينبغي أيضا كما ذكرت أن يعلم بأن هذه الشركات النقية نقاوتها في الحقيقة نسبية، ولهذا لا تكاد تجد شركة نقية مائة بالمائة، ولهذا إذا استنصحني أحد الناس وقال: أنا أريد تعاملا بعيد عن الشبهة أقول له: دع جميع الشركات المساهمة، لا يكاد الآن يوجد شركة مساهمة نقية مائة بالمائة، وقد يوجد ذلك في المستقبل ونرجو أن يتحقق ذلك لكن نتكلم عن الوضع في الوقت الحاضر، ولهذا من أراد البعد عن الشبهة يبتعد عن هذه الشركة، لكن من قال: أنا آخذ بالظاهر وأتعامل مع هذه الشركات التي ظهر منها الآن من خلال دراسة قوائمها المالية أنها نقية، فنرجو ألا يكون عليه حرج، ولكن إذا أراد أن يبتعد عن الشبهة مطلقا فعليه أن يبتعد عن جميع هذه الشركات؛ لأنها في الأصل الحقيقة هذه الشركات المساهمة كما ذكرت انتقلت لنا في الأصل من الغرب، وهي في أصلها وفي نظرتها وفي جذورها تنظر نظرة رأسمالية وهو أنه لا بد من تحريك رأس المال ولا بد من الإقراض أو الاقتراض بالربا.

وبعدما عرضنا لهذه المسألة أقول أيها الإخوة: إن القول الثاني رغم أنه هو القول الأقرب للنصوص والقواعد إلا أنه لم يبرز للناس بشكل واضح، ولذلك لأبرز هذا القول وأشيع، فإن هذا في الحقيقة سيكون أكبر رادع لمجالس إدارة الشركات التي تتعامل بالربا، والواقع أن القائمين على تلك الشركات يفعلون ذلك إما جهلا أو تساهلا، وعلى كلا التقديرين فهم مخطئون بهذا خطأ عظيما، ومرتكبون لجرم كبير، ولهذا فإن الذي ينبغي أن تقاطع هذه الشركات التي تتعامل بالربا حتى تصحح الوضع القائم، وفي ظني أن المجتمع يستطيع أن يضغط على هذه الشركات، فإذا رأت تلك الشركات أن المجتمع قد قاطع هذه الشركات لكونها تتعامل بالربا واتجه للشركات النقية، فإنها سوف تبدأ في مراجعة حساباتها، وتتخلص من الربا حتى تكسب الناس وتكسب المساهمين.

كما أن المجتمع لما ضغط على البنوك فانكب الناس على البنوك الإسلامية وقل إقبالهم على البنوك التقليدية أو الربوية كان ذلك حافزا ودافعا لهذه البنوك لأن تبدأ في مراجعة حساباتها، فأنشأت هيئات شرعية وبدأت في استبعاد الكثير من التعاملات المحرمة بل إن بعض هذه البنوك الآن في طريقها للتحول لأن تكون بنوكا إسلامية، بل قال بعض العلماء: إنه ربما بعد بضع سنوات تتحول جميع البنوك الموجودة إلى بنوك إسلامية. والسبب في هذا هو ضغط المجتمع على تلك البنوك فالمجتمع إذا قاطع تلك الشركات التي تتعامل بالربا فإن هذا في الحقيقة هو أكبر رادع يردع هذه الشركات عن التعامل بالربا، أما أن نقول ندخل في هذه الشركات مع التخلص من الربا فهذا في الحقيقة يجعل هذه الشركات تستمر في هذا الطريق وتتجرأ على الربا، هذا ما يتعلق بالشركات المساهمة.

المصدر – موقع المختار الاسلامي

 

 

 
سعد بن تركي الخثلان
تاريخ النشر:2012-09-03 الساعة 02:02:23
التعليقات:0
مرات القراءة: 2945
مرات الطباعة: 576
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan