الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات فقهية

حقوق الأسرة في الفقه الإسلامي.. البناء النظري

د. حميد مسرار

 

لا خلاف  في أهمية الأسرة ومهمتها الأساسية في بناء المجتمع، فهي المحضن الذي يتولى صيانة الأطفال وفي ظله تُتلقى مشاعر الحب والرحمة والتكافل، وهي الخلية الأولى التي بصلاحها يصلح المجتمع وبفسادها يفسد، ولكي تقوم بواجبها الحضاري أسسها الإسلام على أسس ثابتة وركائز متينة، ومن هذه الركائز منظومة حقوقها، فهي صمام الأمان للحفاظ على الأسرة واستقرارها، ونظرًا لأهميتها اتخذها أرباب الفكر الحداثي مدخلا لتصويب السهام لها مما جعلها محط تشكيك خاصة مع وجود مسوغات ذلك وتعسف كثير من الناس في استعمالها. إذن أظن أن التأسيس لبناء نظري لحقوق الأسرة- يستمد أصالته من نظرية الحق في الفقه الإسلامي- أصبح مطلبًا ملحًّا للرد على كل المعاندين في أحقيتها لمعالجة الواقع المعيش، إن الممحص في فلسفة الحق يجده يرتكز على ركائز ثلاثة وهي: الحق منحة من الله، الحق وسيلة لتحقيق مصلحة شرعية، الحق بين سلطة الفرد وسلطان الدولة.

الحق في الفقه الإسلامي منحة من الله وليس وليد العقل أو الطبيعة، فالحكم الشرعي سواء أكان منصوصًا عليه أم مستنبطًا دلالة عن طريق الاجتهاد هو أساس الحق ومصدره، وبناء عليه يمكن بيان آثار ذلك في مجال الحقوق من خلال العناصر الآتية: 

أ‌- البعد التعبدي في حقوق الأسرة.

ب‌- البعد القيمي والأخلاقي في حقوق الأسرة.

ج- البعد المصدري في حقوق الأسرة.

البعد التعبدي في حقوق الأسرة

تتأسس حقوق الأسرة على بعد عقدي تعبدي، فقد وصف الله عز وجل العقد الذي تقوم عليه الأسرة بالميثاق الغليظ تنبيهًا على خطورته ودعوة للاستجابة لمستلزماته، قال تعالى: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء: 21).

ومن مستلزماته الحقوق المتبادلة بين أفرادها، لذا دعا الشرع إلى الالتزام والوفاء بها استجابة لندائه ورجاء في ثوابه، وحذر من الاعتداء عليها والتعسف فيها.

إن حضور الجانب العقدي في حقوق الأسرة يحدو بالمكلف إلى الاستسلام الطوعي لها، استسلامًا مؤسسًا على العلم نابعًا من الرضا والحب راجيًا الثواب والجزاء الأخروي، وحضوره يجعلنا في منأى عن إشكالات عدة تعاني منها الأسر اليوم والتي تتجلى في عدم مراقبة الله عز وجل في أداء الحقوق مما قد ينجم عنه التعسف في استعمالها وابتغاؤها في غير المصلحة التي شرعت لها.

البعد القيمي في حقوق الأسرة

لقد أحاط الإسلام الأسرة بسياج من القيم الأخلاقية لتسهم في بناء وتنمية معاني التضحية والعطاء والإخلاص في العلاقات الأسرية فهي تحيي قيم الإسلام وتعبر عن مكانة الفضيلة في المعاملات الإنسانية (1)، لذا فهو ينظر لحقوق الأسرة نظرة مغايرة، لا تقوم على فكرة «الصاع» حيث ينصرف هدف الأفراد إلى المطالبة بالحقوق فقط، بل تقوم على التسامح والإيثار وتجعل من السمو الخلقي ركنًا ركينًا في بنائها.

 

البعد المصدري في حقوق الأسرة

ينطلق الفقه الإسلامي من اعتبار مصادر الحقوق هي نفسها مصادر الأحكام الشرعية، ليبقى التساؤل معلقا حول إمكانية الاجتهاد فيها؟ وللإجابة عنه نقول: إن الاجتهاد في حقوق الأسرة ينقسم إلى قسمين:

- الاجتهاد فيما لا نص فيه، وهو اجتهاد ينطلق من المقاصد العامة للشريعة الإسلامية والقواعد الكلية للأسرة، ويعتمد آليات الاستنباط المعروفة في الفقه الإسلامي.

- اجتهاد فيما فيه نص حقوقي، وهو بدورة ينقسم إلى قسمين:

- اجتهاد في فهم النص، ويكون في النص ظني الدلالة والثبوت أو ظني أحدهما، أما القطعي فلا مجال للاجتهاد فيه، وادعاء ذلك هو من قبيل هدم الثوابت التي تبنى عليها الأسرة.

- اجتهاد في تنزيله على الواقع، ويلاحظ أن نظرية التعسف رسمت طريقه واعتمدت آلياته، فقد بنت نظريتها على النظر في المآلات ودفع الأضرار واعتبار المقاصد. وكل ذلك من  مسالك الاجتهاد التنزيلي.

وسائل لتحقيق مصالح الأسرة الشرعية

من الأسس التي يقوم عليها الحق في الفقه الإسلامي، اعتباره وسيلة لتحقيق مصلحة شرعية، لذا فالنظر لحقوق الأسرة بهذا المنظور وأنها وسائل لتحقيق مصالح الأسرة يطرح علينا إشكاليتين، أما الأولى فاعتبار حقوق الأسرة وسائل يطرح علينا الإشكالية التالية: هل حقوق الأسرة ثابتة أم متغيرة؟ وأما الثانية فاعتبار غاية حقوق الأسرة المصلحة الشرعية يطرح علينا التساؤل الآتي: ما ضوابط هذه المصالح المرجوة من منح الحقوق؟

حقوق الأسرة بين الثابث والمتغير

يتبين للممحص في حقوق الأسرة أن منها ما هو ثابت ومنها ما هو متغير، فالثابت منها هو الذي لا يخضع للتغيير بتغير الزمان والمكان والظروف ومن أمثلة ذلك: حق التوارث والعدد والنفقة وغيرها، أما المتغير منها فهو الذي يخضع لظروف الزمان والمكان، ويختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والظروف، فهي حقوق اجتهادية لم يرد فيها نص قطعي، الغاية منها بلوغ المقاصد التي من أجلها شرعت، ومن أمثلتها مقدار النفقة والمهر...

ضوابط المصلحة في حقوق الأسرة

حرص التشريع الإسلامي على ربط الأحكام بمقاصدها، فضمن بذلك ديمومتها واستجابتها لجميع الحوادث المستجدة.

ولما كانت حقوق الأسرة تستمد مشروعيتها من الحكم الشرعي فهي بذلك تسمى لبلوغ المقاصد والمصالح التي رسمها الشرع، والمتتبع للمصلحة في الشريعة الإسلامية يتضح له أنها ليست على وزان واحد، فمنها الضرورية والحاجية والتحسينية، ومنها المعتبرة والمتغيبة، ومنها الخاصة والعامة، لذا فمعالجة حقوق الأسرة يجب أن يتأسس على هذه التقسيمات والمراتب، وذلك من خلال إعمال فقه الموازنات، فتقدم المصلحة الضرورية على غيرها، والعامة على الخاصة والمعتبرة على ما سواها.

والمتأمل في مقاصد الأسرة يتبين له شموليتها لجميع مصالح الناس أفرادًا وجماعات، فضمنت بذلك للفرد مصالحه داخل الأسرة سكينة وتزكية ومودة ورحمة، وللجماعة مصالحها تأهيلًا للنشأ وتقوية للروابط الاجتماعية وامتدادًا لأواصر التكافل والتعاون، لذا فالخطاب الحقوقي الأسري هو خطاب يوازن بين مصالح الفرد والجماعة، بل يجعل مصلحة الجماعة أولى من مصلحة الفرد إذا تعارضتا.

إن ما يدّعى اليوم من ضرورة تجاوز النصوص لصالح المصلحة الواقعية هو هدم للأسرة وثوابتها، فنخلص إذن إلى أن المصلحة المقصودة والتي هي غاية حقوق الأسرة هي تلك المصالح المنضبطة بضوابط الشرع وليس من تقدير العقل أو الواقع.

حقوق الأسرة بين سلطة الفرد وسلطان الدولة

منح الشرع للأفراد حقوقًا داخل الأسرة، وأمرهم باستعمالها وفق ما يحقق مصالحها وجعل للدولة حق التدخل في حالة التعسف في استعمالها ليبقى السؤال مطروحا عن مدى حرية الفرد في استعمال حقوقه الأسرية ومدى تدخل الدولة في تقييدها.

سلطة الفرد في استعمال حقوق الأسرة

تتميز حقوق الأسرة عن غيرها بأنها حقوق غيرية أو وظيفية غايتها تحقيق مصلحة الأسرة، لذا فالشرع حينما أناط الحقوق ببعض الأفراد دون بعض قيدها بضابطين:

الأول: تحقيق مصلحة الأسرة

ذلك بأن منح الحقوق لبعض الأفراد دون بعض غايته تحقيق مصلحة الأسرة، وكل استعمال لا يروم ذلك يعتبر لاغيًا، فحق التأديب على سبيل المثال حق للأب على طفله، لذا فهو مأمور برعاية الأصلح له. يقول الإمام الشاطبي: إن الأب في طفله أو الوصي في يتيمه أو الكافل فيمن يكفله مأمور برعاية الأصلح له (2).

 

فإذا ما استعمله بشكل يؤدي إلى الإيذاء والإيلام فقد تعسف فيه يقول فتحي الدريني: فهو حق لم يتقرر ميزة للأب لتمكينه من استغلال أولاده في مصلحته الشخصية وإلا كان متعسفا ومنصرفا عن غايته التي من أجلها منح هذه السلطة وإنما تقرر من أجل مصلحة الأولاد أنفسهم (3).

الثاني: عدم الإضرار

إن استعمال الحقوق بنية الإضرار هو عين التعسف، لذا فقد نهى الشرع عنه وحذر منه، وبما أن مجال الأسرة من أكثر المجالات التي قد يظهر فيها ذلك نتيجة للاحتكاك اليومي ونقص الوازع الديني، فقد نهت كثير من الآيات عن استعمال الحقوق فيها بنية الإضرار. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ} (البقرة: 232).

فإذا كانت الولاية حقًّا شرعيًّا منحها الله تعالى لأقارب المرأة المؤهلين لذلك، فإن منع موليته من الزواج ممن ترغب فيه يعتبر إضرارًا عظيمًا بها، لذا جاز لها أن ترفع أمرها للسلطان ليدرأ عنها ذلك.

سلطة الدولة في تقييد حقوق الأسرة

إن تضارب المصالح بين أفراد الأسرة قد يجعل تدخل ولي الأمر أمرًا ملزمًا بغرض التوفيق والموازنة، وقد يؤول الأمر إلى التقييد والحد من بعض الصلاحيات، وذلك لتحقيق استقرار الأسرة واستمرارها، وتأسيسًا على ذلك نقول:

إن من حق ولي الأمر تقييد المباح من الحقوق بشروط أهمها:

 

1- أن تكون الحالة الملجئة حقيقية وليست مفتعلة.

2- ألا يكون هناك طريق أو مخرج يحقق المراد غير هذا التقييد أو الالتزام، فإن كان ثم طريق آخر أو مخرج غيره لم يجز اللجوء إليه.

3- أن تكون المصلحة عامة.

خلاصة القول

إن حقوق الأسرة في الفقه الإسلامي تستمد أصالتها وأساسها الفكري من نظرية الحق بل تتأسس نظريًّا على ركائزه الثلاثة وهي: الحق منحة الله، الحق وسيلة لتحقيق مصلحة شرعية، استعمال الحق بين سلطة الفرد وسلطان الدولة.

إن الانطلاق من هذه الركائز الثلاثة في معالجة حقوق الأسرة له نتائج مهمة تتجلى في:

- حضور الجانب العقدي والأخلاقي في حقوق الأسرة، وهو أمر له مزايا عديدة من أبرزها مراقبة الله عز وجل في استعمالها مما يعني تجنب التعسف في استعمالها.

- يجوز الاجتهاد في فهم النص الحقوقي ظني الدلالة والثبوت أو ظني أحدهما، أما القطعي فلا مجال للاجتهاد فيه.

- يجوز الاجتهاد في تنزيل النص الحقوقي على الواقع، ويلاحظ أن نظرية التعسف قد رسمت طريقه واعتمدت آلياته من النظر في الآلات ودفع الأضرار واعتماد المقاصد.

- حقوق الأسرة منها ما هو ثابت ومنها ما هو متغير.

- المصالح المرجوة من الحقوق الأسرية هي مصالح شرعية مفيدة بضوابط شرعية وليست مصالح عقلية واقعية.

- استعمال الفرد لحقوقه الأسرية مقيد بضابطين، وهما تحقيق مصلحة الأسرة وعدم الإضرار، لذا فكل استعمال لها يخالف مصلحة الأسرة ويروم الإضرار هو عين التعسف.

- لا يجوز للدولة تقييد الحقوق الأسرية إذا كانت ثابتة بنصوص قطعية، ويجوز لها تقييد المباح منها بشروط تضمن التنزيل الأسلم للأحكام على الواقع وبلوغ مقاصدها الشرعية.

الهوامش

1- الميادين: مجلة الدراسات العلمية في حقوق المعرفة الحقوقية والسياسية والقانونية والاقتصادية بوجدة فاروق النبهان ص 74، مقال تحت عنوان: أهمية مراعاة القيم الإسلامية في قوانين الأحوال الشخصية.

2- الاعتصام للشاطبي، تحقيق سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة دون طبعة 2003.

3- الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، فتحي الدريني،  ص173.

المصدر- مجلة الوعي الاسلامي

 

 
د. حميد مسرار
تاريخ النشر:2012-09-22 الساعة 02:00:00
التعليقات:1
مرات القراءة: 3059
مرات الطباعة: 632
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan