الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » الفقه السياسي

ترشيد حوار القوى السياسية والرئاسة

أ. جعفر الطلحاوي

 

أولا: الحوار فريضة شرعية وضرورة بشرية

قد حفل القرآن الكريم بعشرات النصوص حول الحوار تأمر به وتحض عليه وتنوه بقيمته وتقدم نماذج من الحوار منها:حوار الله تعالى مع الملائكة، حوار الله تعالى مع ابليس،حوار الله تعالى مع الرسل عليهم السلام،حوار الله تعالى مع الناس حوارات الانسان مع الجماد(حوار الإنسان مع أعضائه يوم القيامة)حوارات الأنبياء مع بعض المخلوقات (الهدهد،النمل)،حوارات الأنبياء والمرسلين عليهم السلام مع أقوامهم وأممهم،هذا وحوار الله تعالى مع بعض مخلوقاته ليس الا لبيان أهمية الحوار في تجلية الحق للقاصر فهمه عنه،ولوضوح هذه الحوارات في القرآن الكريم نكتفى بهذه الإشارة إليها،والإحالة إلى الكتاب العزيز لمطالعتها .ونذكر نموذجا واحدا وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ"
وفى السنة النبوية عشرات الأمثلة يتبين من خلالها أنه صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على الحوار حتى في أحلك الظروف وفي المواقف التي تستدعي أناة وترويا،ونذكر هنا نموذجا واحدا هو ما كان يوم الحديبية لما كتب الصلح ورأى بعض المسلمين فيها إجحافا،كيوم الحديبية،قال عمر بن الخطاب فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت:
-ألست نبي الله حقا؟
-قال:بلى
-قلت:ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟!
-قال:بلى
-قلت:فلم نعطى الدنية في ديننا إذا؟!
-قال:إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري
- قلت:أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟!
-قال:بلى.فأخبرتك أنا نأتيه العام؟!
- قال:قلت لا
-قال:فإنك آتيه ومطوف به
-قال:فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟
-قال:بلى
-قلت:ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟
-قال:بلى
-قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذاً؟
-قال:أيها الرجل،إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق
-قلت:أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟
-قال: بلى.أفأخبرك أنك تأتيه العام؟
-قلت:لا
-قال:فإنك آتيه ومطوف به
قال الزهري قال عمر فعملت لذلك أعمالا
وفى حياة الصحابة وعصر الخلافة الراشدة عشرات الأمثلة يتبين من خلالها أنهم رضي الله عنهم قد انتهجوا هذا النهج في حياتهم امتثالا لهدي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه،الذي بُني على ما أسَّسَّه القرآن الكريم من هذه المنهجية،وفى ذكر مثال واحد نطوي فيه الزمن طيا لعهود الصديق والفاروق وذي النورين حتى نقطف هذا النموذج من عصر آخر الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب رضي الله عنه،حين أذن لحبر الأمة وترجمان القرآن الكريم ابن عمه عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما في حوار المعارضين الخارجين عليه
قال ابن عباس–رضي الله عنهما-:لما اعتزلت الحرورية وكانوا على حدتهم قلت لعلي يا أمير المؤمنين أخِّر الصلاة لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم قال:إني أتخوفهم عليك قلت كلا إن شاء الله فلبست أحسن ما قدرت عليه من هذه اليمانية ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة.
فدخلت على قوم لم أر قوما أشد اجتهادا منهم أيديهم كأنها ثفن الابل ووجوههم معلنة من آثار السجود فدخلت فقالوا:
- مرحبا بك يا ابن عباس/لا تحدثوه
- قال بعضهم لنحدثنه قال:
-قلت أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه وأول من آمن به وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه.
-قالوا:ننقم عليه ثلاثا
-قلت:ما هن؟
-قالوا:أولهن أنه حكم الرجال في دين الله وقد قال الله تعالى إن الحكم إلا لله
-قلت:وماذا قالوا قاتل ولم يَسْب ولم يغنم لئن كانوا كفارا لقد حلت أموالهم وإن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم
- قال:قلت وماذا
- قالوا:ومحى نفسه من أمير المؤمنين
-قال:قلت أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم وحدثتكم من سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ما لا تنكرون أترجعون
- قالوا:نعم
-قال:قلت أما قولكم إنه حكم الرجال في دين الله فإنه تعالى يقول:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}،إلى قوله:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}وقال في المرأة وزوجها{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا}أنشدكم الله أفحكم الرجال في دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات البين أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم
- قالوا:اللهم في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم
- قال:أخرجت من هذه؟
- قالوا:نعم
-وأما قولكم:إنه قتل ولم يسب ولم يغنم أتسبون أمكم أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها إن قلتم نعم فقد كفرتم وإن زعمتم إنها ليست بأمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام إن الله تبارك وتعالى يقول:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} وأنتم تترددون بين ضلالتين فاختاروا أيهما شئتم أخرجت من هذه؟ .
- قالوا:اللهم نعم
-وأما قولكم:محا نفسه من أمير المؤمنين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشا يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتابا فقال:اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقالوا:والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب يا علي محمد بن عبد الله
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفضل من علي أخرجت من هذه؟!
- قالوا:اللهم نعم
فرجع منهم عشرون ألفا وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا"،وختاما الحوار شرعه الله تعالى حتى بين المختلفين عقائديا،"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ""وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"بين المختلفين أسريا "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ"
ثانيا : أهمية الحوار
من المقدمة السابقة نرى أن الحوار فريضة شرعية وضرورة بشرية،مطلب شرعي يتم من خلاله فهم كل من المتحاورين منطلقات بعضهم ومسوغات مواقفهم الحوار مهم جداً لتحقيق التقارب والتجانس بين مختلف القوى السياسية فى الأمة،بذلك تُصْقَل الملكات وتُوضَّح المشكلات ونتقدم خطوة إلى الأمام.
الحوار له دور مهم في اكتشاف الحق كما أنه مهم في اكتشاف فهم المخالف بما يعين على توجيهه أو تصحيحه
يقول الحافظ الذهبي:"إنما وضعت المناظرة–الحوار-لكشف الحقِّ،وإفادةِ العالِم الأذكى العلمَ لمن دونه،وتنبيهِ الأغفلَ الأضعفَ"
وهو مهم لإزالة أو تقليل كثير من صور البغي والعدوان بين المتخالفين،وهو مهم لرسم سياسة التعاون،به يتم التنسيق المثمر،ثم هو في النهاية صورة من صور النصيحة التي يجب أن يبذلها المسلمون والمواطنون لبعضهم ولولاتهم وأئمتهم
عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،قَالَ:«الدِّينُ النَّصِيحَةُ»قُلْنَا:لِمَنْ؟ قَالَ:"لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ"
هو سبيل لتوسيع المدارك،وليس ثمَّة مجال إلى توسيع المدارك غير الحوار الفكري الصحيح
هو طريق لاشتراك الجميع في توجه الأمر إليهم بطلب الحق والصواب والعمل به؛وهذا لا يتم على النحو المأمول إلا بالحوار
الإنسان مهما بلغ من العلم فهو في حاجة إلى أن يستنير برأي غيره،وليس بمقدور المتصدر للرأي وصناعة القرارـمهما علا قدرهـ أن يوفَّق للصواب منفرداً في كل حين وآن،فلا عصمة إلا لنبي،والكمال لله تعالى وحده سبحانه،وهذا ينطبق على المجموعة أو الجماعة أو التنظيم كما ينطبق على الفرد؛ من هنا كان للحوار ضرورته في إشراك الغير في الرأي والنظر طلباً للحق ووصولاً إلى الصواب.وفى الحديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة"وعليه ففي الاجتماع للحوار،وبتلاقح الأفكار،وتبادل الآراء،يحفظ الله تعالى الأمة من الضلال
قد يوجد عند أحد طرفي الحوار ما لا يوجد عند الطرف الآخر،في قضية من القضايا،والحكمة ضالة المؤمن وهو أحق الناس أنى وجدها في موطأ مالك لما قتل ابن خيري رجلاً وجده مع زوجته،رفع الأمر إلى معاوية فأشكل ذلك عليه فكتب إلى أبي موسى أن يسأل له علياً فكتب إليه علي بالجواب.–رضي الله عنهم أجمعين-
من خلال الحوار يتم الاتفاق على منهج عام في تحليل الأحداث،وترتيب العلاقات بينهم والعلاقات مع غيرهم،وما الذي يجب تقديمه وما الذي يجب تأخيره؟وما المفاسد التي يجب أن تُدْرَأ أولاً؟وما المصالح التي تُمنح الأولوية في السعي لتحقيقها؟وما المساحات التي يجب التقارب فيها؟ وما القضايا التي لا بأس أن يختلفوا فيها؟
من أجل اختصار المسافة بين صواب المصيب وخطأ المخطئ وتقليص نقاط التباين،مع تصحيح القصد بابتغاء وجه الله تعالى.
من أجل إيجاد حل وسط يرضي كافة الأطراف أو يتوافقون عليه فرضا الناس غاية لا تُدرك
الحوار للبحث والتنقيب من أجل الاستقصاء والاستقراء في تنويع الرؤى والتصورات المتاحة، وذلك من أجل الوصول إلى نتائج أفضل وأمكن،ولو في حوارات تالية، لا يعني الحوار ولا يهدف إلى أن يكون الجميع نسخة واحدة،وإنما يكفي اتفاقهم على قاسم مشترك أعظم يلتقون عليه فيكونون أمة واحدة في الغاية والهدف وفي الفكر والشعور،وفي السمات المميزة لهم
الحوار يعنى الاعتراف بأن الخلاف سنة من سنن الله في خلقه،وهو سبيل للتعارف والتعرُّف على الأمور محل الاتفاق ومن ثَمَّ يتوجب العمل بهذا المتفق أو الذي وقع التوافق عليه،حيث يُصبح فريضة من فرائض الدين لتحقيق مفهوم الأمة الواحدة، والرجوع إلى الأصول وعدم الجدل في الفروع،والانطلاق من نقاط الاتفاق لا نقاط الاختلاف،والانطلاق من المقاصد لا من الوسائل
الواجب على أهل العلم النصح للأمة والسعي إلى الاجتماع ونبذ الفرقة؛لأن الاجتماع سبيل النصر بينما الفرقة سبيل الفشل وذهاب القوة{وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}
الحوار يراد منه إيصال الحق وإقامة الحجة على المخالف ودفعُ الشبهة والفاسد من القول والرأي.فهو تعاون من المُتناظرين على معرفة الحقيقة والتَّوصُّل إليها،ليكشف كل طرف ما خفي على صاحبه منها
للتحاور والتشاور والتقارب فيما بينها،لتجاوز سوء الفهم القائم هنا وهناك،وللتخلص من الخلاف المفتعل والمتوهم،ولبلورة الأصول الجامعة للعمل ففي التقارب روح المودة وعود المخالف إلى الحق،ولا شك أن الحوار والنصح من أسباب الوصول إلى ذلك بل إنه سبيل لترسيخ التقارب والإيناس وكسر الحواجز،ولا سيما إذا ما روعي أدب الخلاف والإنصاف في التعامل مع الأفراد والجماعات
فليس من سبيل إلى ذلك إلا الحوار
ثالثا: قواعد ومنطلقات إثمار الحوار
ومن القواعد الضرورية لإثمار الحوار وللإفادة منه
إتاحة الفرصة لكافة ذوى الكفاءات والكفايات في كافة المجالات؛ليدلوا بدلوهم في نهضة الوطن، تفعيل دور العلماء في قيادة الأمة،وتفعيل دور المؤسسات الثقافية والعلمية والتعليمية والإعلامية ؛وإشاعة الحديث عن المصلحة العامة مصلحة الإسلام والمسلمين،مصلحة الوطن والمواطن،وتطهير القلوب من الحزبية والحسد وحب الرئاسة
مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ
أَيْ:لَيْسَ ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ جِنْسِ الْغَنَمِ بِأَشَدَّ إِفْسَادًا لِتِلْكَ الْغَنَمِ مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالْجَاهِ،فَإِنَّ إِفْسَادَهُ لِدِينِ الْمَرْءِ أَشَدُّ مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ الْجَائِعَيْنِ لِجَمَاعَةٍ مِنْ الْغَنَمِ إِذَا أُرْسِلَا فِيهَا ,أَمَّا الْمَالُ فَإِفْسَادُهُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْقُدْرَةِ,يُحَرِّكُ دَاعِيَةَ الشَّهَوَاتِ,وَيَجُرُّ إِلَى التَّنَعُّمِ فِي الْمُبَاحَاتِ,فَيَصِيرُ التَّنَعُّمُ مَأْلُوفًا،وَرُبَّمَا يَشْتَدُّ أَنْسُهُ بِالْمَالِ وَيَعْجِزُ عَنْ كَسْبِ الْحَلَالِ,َيَقْتَحِمُ فِي الشُّبُهَاتِ,مَعَ أَنَّهَا مُلْهِيَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى،وَهَذِهِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا أَحَدٌ ,وَأَمَّا الْجَاهُ ,فَيَكْفِي بِهِ إِفْسَادًا أَنَّ الْمَالَ يُبْذَلُ لِلْجَاهِ ,وَلَا يُبْذَلُ الْجَاهُ لِلْمَالِ ,وَهُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، فَيَخُوضُ فِي الْمُرَاءَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ وَالنِّفَاقِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ،فَهُوَ أَفْسَدُ وَأَفْسَدُ.
ومقصود الحديث أن حب المال والجاه أكثر فساداً للدين من إفساد الذئبين للغنم لأن ذلك يستجر صاحبه إلى ما هو مذموم شرعاً
إذا قام الحوار في جو من الاحترام المتبادل والنقاش العلمي الموضوعي الهادف،والبحث عن الحق دون اتباع الهوى أو تعصب للرأي فإنه سيثمر بإذن الله تعالى
وليكن الجميع على ذكر أنهم جميعا مستهدَفون بقيادة أمريكا في حربها للإسلام تحت مسمى الحرب على الإرهاب،-لا إيمانا بنظرية المؤامرة ولكنه الواقع الذي يشهده العيان-وليس أمام العاملين لهذا الوطن-على كافة الأصعدة،ومهما اختلف انتماؤهم-إلا أن يتكاتفوا ويوحدوا صفوفهم،ويجمعوا كلمتهم؛ويضعوا الكفوف في الكفوف،ويُقوي بعضهم ظهر بعض،ويشدوا أزر بعضهم؛كي يقفوا أمام هذه الهجمة الشرسة التي تسعى لسحق الأمة الإسلامية كي لا تقوم لها قائمة–فضلا عن الأمة العربية،وإلا بقيت دولنا أشتاتاً متفرقين حيث يسهل ضربهم،وفي ذلك خسارة كبيرة لعالمنا العربي وأمتنا الإسلامية.وقد ورد النهي عن الاختلاف والتشرذم في قال تعالى"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا"
وبقوله تعالى:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}
وحُقَّ لسيدنا علي–رضي الله عنه–أن يقول عن تقدم غير المسلمين وغلبتهم للمسلمين،"يُدَالَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ بِصَلَاحِهِمْ فِي أَرْضِهِمْ،وَفَسَادِكُمْ فِي أَرْضِكُمْ،وَبِأَدَائِهِمُ الْأَمَانَةَ وَخِيَانَتِكُمْ،وَبِطَوَاعِيَّتِهِمْ إِمَامَهُمْ، وَمَعْصِيَتِكُمْ لَهُ،وَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ،وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ"
الهدف المشترك الأبرز هو المستقبل بمختلف جوانب تحدياته،والعمل على إقرار الحريات المشروعة وتحقيق الاستقلال الكامل والتام؛استقلال الإرادة والقرار في دول عالمنا العربي و الإسلامي في المواقف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجهادية والأمنية والجوانب الثقافية والعلمية،انطلاقا من عقائدنا وقيمنا ومثلنا العليا،ومن الهدف المشترك أيضا قضايا التنمية،ومواجهة الاجتياح الإمبريالي الظالم وفى مقدمة الأهداف المشتركة إعادة روح النهضة والسبق والاستعلاء العلمي في مجالات العلوم والشؤون التي تخلف فيها العالم الإسلامي،لهذه العقود البائسة من حكم هذه الطغمة الطاغية وأيضاً إعادة العدل والحرية والحق والكرامة،
العدو مشترك من الأنظمة العلمانية والقومية الفاسدة تستهدفهم جميعاً وأيضا من العدو المشترك الصليبيون والشيوعيون واليهود الذين يستهدفون الجميع
ومن منطلقات نجاح هذا الحوار الاقتناع بأن نجاح الغير نجاح للجميع؛لأن فيه تحقيقاً للكفاية وإزالة للحرج لما لم يؤدَّ ولم يتم إنجازه بعدُ بفعل القصور،أو بسبب تجاوز سنن الله في التغيير الذي يتطلب عدم القفز على الزمن فالداء العضال الذي استشرى لعقود وتمكن ما كان لجسم الأمة أن يبرأ منه بين عشية وضحاها،كما أن منطلقات نجاح هذا الحوار الاقتناع بأن إخفاقه زيادة في العبء.ومنها كذلك التجرد من الأنانية؛لأن الفرد–وكذا أي شريحة من شرائح المجتمع-مهما عظمت قدرته إلا أنها تبقى محدودة،وكذلك الابتعاد عن حب الزعامة؛لأنها تعمي البصيرة عن إمكانات الآخرين ويكون من أسوأ نتائجها دفن طاقات وإمكانات لو أُخرجت من تحت التراب وتم تعهدها وسقيها ؛لأثمرت بذرتها نتاجاً كبيراً،ومن لم تُؤهله صناديق الاقتراع إلى الصدارة والرئاسة؛فلتخلص منه النيَّة ولْيتطهر صدره من الإحنة،ولْيبسط يده متعاونا على البر والتقوى-لا على الإثم والعدوان-وليستوي عنده موقعه في العمل لهذا الوطن،وليكن المهم لديه أن يَرَى الله تعالى ورسوله والمؤمنون من نفسه خيرا،"وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"إضافة إلى خفض الجناح ومعالجة مواطن الضعف والقصور في الآخر بدلاً من إقصائه
مع القناعة التامة بأن الساحة تتسع لجميع العاملين،فبناء الوطن يحتاج إلى كل العاملين؛مع اختلاف التخصصات والقدرات والمواهب،وما يعجز عنه البعض ويقعد عنه فكره وتصوره،قد لا يُعْجِز الآخرين؛وعندئذ تنصبُّ الجهود كلها لتحقيق هدف منشود وغاية واحدة
وأياً ما كان الأمر؛فإنه لا يوجد مسوِّغ شرعي لأحد في التباعد والتجافي وعدم الائتلاف مع إخوانه الباقين، ورغم العواطف المشحونة بأمل النجاح،فإن العواطف وحدها لا تغني عن وجود خطة واضحة يُسار عليها لتحقيق المراد؛ إذ التقارب والحوار عمل،والعمل لكي ينجح ويحقق المراد منه لا بد له من خطة واضحة قابلة للتحقيق فإن لم نستطع بلوغ القمة في التوحد فلا أقل من أن نكون أقرب إلى القمة بخطوة
وجوب شعور قادة الحركات والأحزاب العاملة في الساحة-ذات التوجه الدينى وغيره-بأهمية الحوار والتقارب وضرورته،وجعله خطة استراتيجية تلتقي عليه كل فصائلها وأساليبها وأدبياتها وليس هبَّة عاجلة أو حماسة فاترة أو رغبة طارئة
استمرار الحديث عن التقارب والتعاون والحوار في مختلف وسائل الإعلام لدى الحركات والأحزاب وعقد المنتديات وإعداد الأبحاث حوله،ونشر المقالات،وتوزيع المطويات،التي تعمق هذا المفهوم والسبيل لإعلاء مصلحة الوطن، والوقوف صفًا واحدًا أمام دعوات وقنوات تعميق الفرقة بين الحركات والأحزاب العاملة في الساحة لصالح الوطن ونهضته،والرد على أصحابها وتحذير الاتباع من الاستجابة لها؛ لأننا جميعا في سفينة واحدة
البعد عن الطنطنة الإعلامية،والشنشنة الفضائية البعيدة عن الموضوعية،والتشويش على مائدة الحوار فإن ذلك لا يُقوي حجة،ولا يجلب دليلاً،ولا يُقيم برهاناً، بل إن الصوت العالي،لم يعل في الغالب إلا لضعف حجته وقلة بضاعته،فيسترعورته بالصراخ،ويواري ضعفه بالعويل،وهدوء الصوت عنوان العقل والاتزان والفكر المنظم والنقد الموضوعي والثقة الواثقة
القناعة بأنه لا يجوز شرعاً تفرق العاملين للإسلام،فضلا عن العاملين للأوطان،قد نختلف في الوسائل والأساليب،لكن الغايات والأهداف لا مساومة عليها،قد نختلف في التصورات والأفكار المُوصِّلة للغايات المشتركة والأهداف الجامعة، لكن تبقى الصدور على صفائها،والقلوب على نقائها،فاختلاف الرأي لا يُفسد للود قضية.لمراعاة التوجيه القرآني الذي يقول الله عز وجل فيه:{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}وقال:{وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}فهذا هو الأصل.{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}وإلا نزغ الشيطان بين أبناء الوطن الوحيد،والعقيدة الواحدة، كما قال تعالى"وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا"
ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير،وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بني قريظة:»لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدركتهم العصر في الطريق فقال قوم:لا نصلي إلا في بني قريظة وفاتتهم العصر.وقال قوم:لم يُرِدْ منا تأخير الصلاة فصلوا في الطريق فلم يعب واحداً من الطائفتين"أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر"
علي رضي الله عنه يقول لعمر بن طلحة بن عبيد الله،وكان بينه وبين طلحة خلاف يوم الجمل:(إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله عز وجل فيهم:{وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}
والأئمة من بعدهم كانوا على نفس النهج،من المرونة وسعة الأفق ورجاحة العقل،وبعد النظر بحيث لا يُفسد اختلاف الرأي للود قضيَّة،ولا يحمل الاختلاف أحدا على أن يتجاوز حدوده أو أن يخرج عن اللياقة في التعامل
صلى الشافعي الصبح في مسجد أبي حنيفة فلم يقنت ولم يجهر ببسم الله تأدباً مع أبي حنيفة رحمهما الله"قال القرطبي:"كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة أهل المدينة من المالكية وإن كانوا لا يقرأون البسملة لا سراً ولا جهراً وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ فصلى خلفه أبو يوسف ولم يُعد"
إذا ما تخلقنا بمثل هذه الأخلاق،واهتدينا بمثل هذا الهدي"أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ" في تعبدنا لله تعالى،فما ارتضيناه في ديننا من مثل هذه الآفاق،جدير بأن تستقيم عليه أمور دنيانا،"رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا"
يقول سفيان:"إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه"
يقول سفيان:"إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه"
ويقول يونس الصدفي:"ما رأيت أعقل من الشافعي،ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا ولقيته فأخذ بيدي ثم قال:يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة"
قال الذهبي:"هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه،فما زال النظراء يختلفون"
وأنا أقول:لمسلمي أرض الكنانة،أم الدنيا،على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية "ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة"كما أقول لغير المسلمين من أبناء مصر"ألا يستقيم أن نكون مواطنين وإن لم نتفق في مسألة"
وقال محمد بن أحمد الفنجار:"كان لابن سلام مصنفات في كل باب من العلم،وكان بينه وبين أبي حفص أحمد بن حفص الفقيه مودة وأخوة مع تخالفهما في المذهب"
قال النووي:"ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً"
 
قلت:وإذا لم يكن حق الاعتراض لأصحاب السلطة التشريعية ويُمثلها (المفتى )في هذا النص،كما أنه قد سُلب حق الاعتراض من أصحاب السلطة التنفيذية ويُمثلها القاضي فى نص الإمام النووي فمن له حق الاعتراض إذًا ممن كان دونهم ؟؟!!من الإعلاميين وغيرهم وغيرهم...الذين يشوشون الأفكار،ويُبلبلون الرأي العام، وغيرهم وغيرهم ...
وسئل القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به فقال:إن قرأت فلك في رجال من أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة،وإذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله أسوة".
ألا فليسعنا في دنيانا ما يسعنا في ديننا،ما دامت الغاية واحدة،ومادام الكل عامل على رعاية المصلحة العامة، وعن أنس قال:(إنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كنا نسافر،فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا المتم ومنا المقصر،فلم يعب الصائم على المفطر،ولا المفطر على الصائم،ولا المقصر على المتم،ولا المتم على المقصر)
لاحظ هذا الاختلاف كان في قضايا دينية،يسوغ الاختلاف فيها أو الاختلاف فيها معتبر،-بعيدا عن الأصول التي لا يسوغ الاختلاف فيها -ومع ذلك بقيت الألفة والعصمة وأخوة الدين، فهلَّا تأدبنا بمثل هذه الآداب،وارتفعنا إلى هذه القيم والقامات،وخاصة أن الأمور الدنيوية فيها مجال لتشعب الآراء،وإنما تبقى مصلحة الوطن هي الضابط الغالب،الذي ينزل عليه الجميع،فلا قداسة إلا لنصوص الوحي المعصوم،وما كان اتباع الرسول صلوات الله وسلامه عليه فيه واجبا
 
رابعا : محاذير على مائدة الحوار
احتكار الوطنية والعمل والحق والهدى عند فريق واحد بحيث ينظر إلى ما سواه على أنه ضلال أو انحراف
عدم فصل المبادئ عن الأشخاص."لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ" "فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ"
عدم الإخلاص والعصبية الحزبية المقيتة،وتغليب المصالح الشخصية أو الحزبية على المصلحة الوطنية العامة
ولهذا يقول الغزالي أبو حامد–رحمه الله تعالى-:التعاون على طلب الحق من الدين،ولكن له شروط وعلامات، منها:أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد معاونه،ويرى رفيقه معيناً لا خصماً،ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهره له.
وفي ذمّ التعصب ولو كان للحق،يقول الغزالي:(إن التعصّب من آفات علماء السوء،فإنهم يُبالغون في التعصّب للحقّ،وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار،فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، وتتوفر بواعثهم على طلب نُصرة الباطل،ويقوى غرضهم في التمسك بما نُسبوا إليه.ولو جاؤوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة،لا في معرض التعصب والتحقير لأنجحوا فيه، ولكن لمّا كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع،ولا يستميل الأتْباع مثلُ التعصّب واللعن والتّهم للخصوم،اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم)
 
ولهذا يقول الشافعي رحمه الله:ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق،أو يسدد،أو يعان،وتكون عليه رعاية الله وحفظه،وما ناظرني أحد فباليت أظهرت الحجة على لساني أو لسانه.لهذا يقول ابن عقيل:وليقبل كل واحد منهما من صاحبه الحجة،فإنه أنبل لقدره،وأعون على إدراك الحق،وسلوك سبيل الصدق، والشافعي رضي الله عنه وأرضاه يقول:ما ناظرت أحداً فقبل مني حجة إلا عظم في عيني،ولا ردها إلا سقط من عيني)؟؟؟.أي سمو هذا؟ وأي أخلاق هذه؟ وأي أريحية هذه ؟أولئك آبائي فجئني بمثلهم
استهداف القول الواحد ولا سيما في القضايا التي تتشعب فيها وللآراء فيها مجال (فليس من شرط الحوار الناجح أن ينتهي إلى قول واحد ولا سيما في القضايا الوطنية،أما الكلام في القضايا الدينية فلا اجتهاد مع النص،وليس بعد قول الله تتعالى قول وليس بعد حديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه حديث،ولهذا كان ابن قدامة رحمه الله يقول:وكان بعضهم يعذر كل من خالفه في المسائل الاجتهادية،ولا يكلفه أن يوافقه فهمه ولكن الحوار يكون فاشلاً إذا انتهى إلى نزاع وقطيعة وتدابر ومكايدة وتجهيل وتخطية
والحذر كل الحذر من أن يؤدي الاختلاف في الرأي وفى الأموراليومية والدنيوية إلى جفوة وفتنة بين المختلفين لأن هذا منهى عنه عند الاختلاف في الأحكام الدينية الفرعية فما بالك إذا كانت الأمور محل الاختلاف دنيوية،يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "فلا يكون فتنة وفرقة مع وجود الاجتهاد السائغ"
ولله در الشاعر حين قال:
في الرأي تضطغن العقول وليس تضطغن الصدور
 
قال القرطبي–رحمه الله تعالى-:(..وما زال الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متآلفون)-يقول الإمام أحمد بن حنبل:":"ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن مندة ولا من هو أكبر منهما،والله هو هادي الخلق إلى الحق وهو أرحم الراحمين فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة"
وبمثل هذا يقول الذهبي–رحمه الله تعالى–..ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه وبدعناه لقل من يسلم من الأئمة معنا"
وفى موضع آخر بعين الإنصاف–للمعارض-يقول الذهبي رحمه الله تعالى"إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلله ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه،نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه،ونرجو له التوبة من ذلك".فهل اعتبرنا بهذا الميزان،واعتمدناه في تعاملنا مع ذوى الرأي الآخر،إذا كان هذا التساهل والتسامح في أمور الدين فأولى به أن يكون في أمور الدنيا وما تُساس به الرعية
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله:يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا".وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية،مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين...ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة"
 
إن مما يُشتِّت القُوَى،ويُبعثر الجهود،ويُبدد الطاقات،ويُضَيِّق السبيل على إمكانية التقارب،ويُضيِّع الأوطان، الولاءات الحزبية الضيقة التي تُقزِّم وتقعد دون المصلحة العامة،وكذا الولاءات الخارجية المشبوهة، والثبات على المواقف غير الناصحة لمصلحة الأمة، وكذا الجمود على المواقف الباعثة على الشكوك أو التي تحوم حولها الشبه، والتي تبعث الريبة في القلوب،وكذا استباق الحوار بقرارات –تجعل من الحوار–حرثا في البحر–إن هذا الجمود ومثل تلك القرارات تُعتبر عقبة كئود يصعب اقتحامها وتجاوزها قال تعالى:"وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ""قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ"
خامسا:عندما يغيب الحوار
وعندما يغيب الحوار تتحول الأمور إلى الهواجس والظنون والشكوك والتصدعات وهذا هو الخطر؛كما أن في غياب الحوار المباشر يكون البديل التنافر والتناحر ويقع الاحتراب والكر والفر،والملاسنات عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية،وتُستنفذ الطاقات،وتذهب الأوقات سدى،ونُستهلك في معارك جزئية جانبية تهدم ولا تبنى،تُدمر ولا تُعمر،تٌبدد ولا تصون، كما تقع الملاحقات عبر الشوارع والحارات وربما كان مدخلا لإبليس الذي يريد أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء،والمواجهة المباشرة عبر الحوار،فيه تُفلح الحجة بالحجة، ويُدفع الرأي بالرأي،وتبقى الأوطان بمنأى عن سفك الدماء،وإزهاق الأرواح،وتعميق الجراح،وإبقاء لخط الرجعة،وتفويت الفرصة على المتربصين بالأمة في الداخل والخارج،والذين لا يودون أن يُنزَّل عليكم من خير من ربكم،ولا يريدون للأوضاع استقرارا .
 
قال العلامة ابن حزم -رحمه الله-:(ولا غيظ أغيظ على الكفار والمبطلين من هتك أقوالهم بالحجة الصادعة وقد تهزم العساكر الكبار والحجة الصحيحة لا تغلب أبدا فهي أدعى إلى الحق وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمة وأفاضل الصحابة الذين لا نظير لهم إنما أسلموا بقيام البراهين على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم عندهم فكانوا أفضل ممن أسلم بالغلبة بلا خلاف من أحد من المسلمين وأول ما أمر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو له الناس بالحجة البالغة بلا قتال فلما قامت الحجة وعاندوا الحق أطلق الله تعالى السيف حينئذ وقال تعالى {قل فلله لحجة لبالغة فلو شآء لهداكم أجمعين}وقال تعالى {بل نقذف بلحق على لباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم لويل مما تصفون}
في غياب الحوار في الدولة تتعطل مصالحها ويلحق الضرر بشعوبها ويجعلها تتحمل جهوداً وتكاليف زائدة يمكن الاستغناء عنها وتوفيرها أو استخدامها في المصالح والاحتياجات
فالحوار يزيل هذه الآثار والأضرار،وإنما تكون الغاية من الحوار إماإظهار حجة،أو إثبات حق،أو دفع شبهة،أو رد باطل
«وَقَالَ الْمُزَنِيُّ رحمه الله:لَا تَعْدُو الْمُنَاظَرَةُ إِحْدَى ثَلَاثٍ إِمَّا تَثْبِيتٌ لِمَا فِي يَدِهِ أَوِ انْتِقَالٌ مِنْ خَطَأٍ كَانَ عَلَيْهِ أَوِ ارْتِيَابٌ فَلَا يُقَدَّمُ مِنَ الدِّينِ عَلَى شَكٍّ، قَالَ:وَكَيْفَ يُنْكِرُ الْمُنَاظَرَةَ مَنْ لَمْ يَنْظُرْ فِيمَا بِهِ يَرُدُّهَا "
سادسا:نختلف ولكن لا نُخالف
الاختلاف يكون في حالة المغايرة في الفهم الواقع من تفاوت وجهات النظر،في قضية من القضايا وعليه قوله تعالى:{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ}،ولم يقل سبحانه:خالفوا فيه.
ومنه قوله تعالى:{فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ}،فجعله عز وجل اختلافا لا مخالفة.
وقوله تعالى:{وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ}، ولم يقل سبحانه: تخالفون فيه.
وقصة سليمان وداود عليهما السلام في قضية الحرث،الواردة في سورة الأنبياء فقد كان ما بينهما اختلافا وليس مخالفة،للأب رأيه،وللإبن رأيه في هذه القضية لإرضاء الخصوم،وحسم مادة النزاع،وإصلاح ذات البين فهذا اختلاف وليس خلافا، قال تعالى:{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا}.هذا الاختلاف يقع ويحدث ولكن بعد الالتقاء والتحاور وتبادل الرأي،وما يُصار إليه من توجه لا تُحمد المخالفة،فكلمة خالف تستعمل في حالة العصيان الواقع عن قصد كمن يخالف الأوامر،قال تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ}،ولم يقل سبحانه:يختلفون في أمره،وابن نوح عليه السلام خالف نوحا لما قال له فيما يحكيه تعالى عنه إذ قال لابنه:{يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ}{قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي}،فكان مخالفا ولهذا قال هود عليه السلام "وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ"لاحظ قوله "وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ"ولم يقل"أختلف معكم"إن المخالفة تعنى العصيان،تعنى التمرد،تعنى لي الذراع، تعنى"ما أريكم إلا ما أرى"ولا سيما في المسائل التي فيها مجال للرأي والاجتهاد .ففى المخالفة بعد ما يُصار إلى توجه، تصاب الحياة بنوع من الشلل،وتتوقف عجلة الإنتاج،وتتعطل المصالح،ونزداد تأخرا،وتعم الفوضي والاضطراب .هذا وبالله التوفيق ومنه وحده العصمة من الزلل والخطأ والخلل في القول والعمل
هوامش:
البقرة : 30 -33
صحيح البخاري 2 / 978 (2581)
المائدة: 95
المائدة: 95
الأحزاب: 6
رواه الطبراني وأحمد ببعضه ورجالهما رجال الصحيح [مجمع الزوائد 6 / 239 - 241
آل عمران : 64
العنكبوت: 46
المجادلة: 1
فيض القدير: 1 - 209
صحيح مسلم كِتَابُ الْإِيمَانَبَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ سنن أبى داود كِتَاب الْأَدَبِ بَابٌ فِي النَّصِيحَةِ
الموطأ ح1447
الأنفال: 46
صحيح الجامع حديث رقم: 5620
تحفة الأحوذي-(ج 6/ص 162)(2)(ت)2376,(حم)15822,صَحِيح الْجَامِع: 5620، صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 1710
 آل عمران: 103
آل عمران: 105
 التوبة: 105
الإسراء:53
النحل:125
البقرة:83
الإسراء:53
الحجر:47].[رواه الحاكم ح5613،والبيهقي في السنن ح16491
طبقات الحنفية 1/ 433
الجامع لأحكام القرآن،القرطبي، 23/ 375
الأنعام
الفقيه والمتفقه 2/ 69
الفقيه والمتفقه 2/ 69
سير أعلام النبلاء 10/ 16 - 17
سير أعلام النبلاء10/ 630
شرح النووي على صحيح مسلم 2/ 24
التمهيد، ابن عبد البر 11/ 54
البيهقي في السنن ح5225
يونس: 41
الشعراء: 216
الاستقامة 1/ 31
تفسير القثرطبي : 1 / 151
سير أعلام النبلاء 14/ 40
سير أعلام النبلاء 14/ 374
سير أعلام النبلاء 5/ 271
النساء: 59
مجموع الفتاوى (24/ 173)
الأعراف: 132
يونس: 53
الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (1/ 25)
جامع بيانا لعلم فضله (2/ 972)
النحل: 64
البقرة: 213
الزخرف: 63
الأنبياء الآية 79
النور:63
هود :42
هود: 43
المصدر- صحيفة الشرق القطرية
 
 
أ. جعفر الطلحاوي
تاريخ النشر:2013-02-03 الساعة 13:35:27
التعليقات:0
مرات القراءة: 2471
مرات الطباعة: 524
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan