الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » المشهد الثقافي » فنون وإعلام

القواسم المشتركة بين الصحافة الإسلامية والتقليدية

السنوسي محمد السنوسي

 

 

في عصر السموات المفتوحة فضائيًّا واجتماعيًّا، وفي ظل الثورة الإعلامية التي تتواصل على مدار اللحظة الواحدة، وبعد الربيع العربي والآفاق التي انفتحت بسببه بلا حدود..يصبح من الضروري أن نُطل على واقع الصحافة الإسلامية، ونراجع مسيرتها، ونستشرف دورها والآمال المعلقة عليها في ترسيخِ القيم، ونشرِ الوعي، والإسهامِ الفعَّال في تكوين الرأي العام وتوجيهه نحو قضايا الحق والخير والجمال.
ولعل من المناسب في هذه التوطئة أن نشير إلى أن «الصحافة الإسلامية» ظُلمت كثيرًا، حتى من بعض أبنائها ومحبيها! حين حسبوها مجرد نشرة فكرية ثقافية، يتبادلون فيها هموم الدعوة والدعاة، ويثقلون كاهلها بالمفردات والاصطلاحات المتخصصة، واللغة الدسمة الثرية، والتراكيب البلاغية(1)، فكانت النتيجة أن ظلت سوق «الصحافة الإسلامية» مقصورة على أبنائها، لا تتواصل مع الجمهور الواسع.
إن مصطلح «الصحافة» يشمل نوعين من المطبوعات..الجريدة (اليومية) والمجلة (الأسبوعية والشهرية والفصلية) وكل إصدار من هذه الإصدارات له سماته وخصائصه في الشكل والمضمون(2)، ولذلك فالحديث عن الصحافة هكذا في عمومها- كما في هذه الورقة- هو حديث لاشك أنه ينزع إلى الإجمال، والخطوط العامة في الملاحظات والمقترحات.
والحديث عن«الصحافة الإسلامية»ومفهومها وسماتها وأهدافها وما يتصل بها يأتي في سياق أعم وهو ما يعرف بالدعوة إلى أسلمة العلوم الاجتماعية والإنسانية، أو توجيهها إسلاميًّا(3)، وهي الدعوة التي جاءت لتؤكد خصوصيةَ العقل المسلم، وقدرتَه على التعامل مع المنجزات الإنسانية والحضارية من زاويته هو، التي تتقاطع مع الجهد الإنساني المتراكم ولا تذوب فيه.
ولذلك فـ«الصحافة الإسلامية»ليست مغايرة بالكلية لنظيرتها التقليدية، بل بينهما مساحات كبيرة من التلاقي والتقاطع والقواسم، كما هو عنوان هذه الورقة البحثية.
بقيت إشارة أخيرة، وهي أنني أظن أن المقصود من عنوان هذه الورقة«القواسم المشتركة بين الصحافة الإسلامية والتقليدية»لا يتوجه إلى القواسم القائمة فعليًّا بينهما فحسب، بل إلى ما يجب أن تكون عليه أيضًا تلك القواسم، بحثًا عن طرق النهوض بالصحافة الإسلامية وتفعيل دورها في مخاطبة الرأي العام والتواصل معه، وعن المجالات والأساليب التي يمكن أن تستفيدها من نظيرتها التقليدية، وغير ذلك مما ستلقي هذه الورقة بإيجاز الضوءَ عليه.
ولا يفوتني في ختام هذه التوطئة أن أتقدم بالشكر الجزيل لوزارة الأوقاف الكويتية، ولمجلة«الوعي الإسلامي»التي هي بحقٍ نموذجٌ للصحافة الإسلامية الراقية على طرح ومناقشة هذا الموضوع المهم في مضمونه وتوقيته، وآفاقه التي تلقي على«الصحافة الإسلامية»والمشتغلين بها المزيدَ من الأعباء نحو تطوير الذات، والأخذ بزمام المبادرة.
أولًا: المضمون والماهية
إذا نظرنا إلى الصحافة كمطبوعة بين أيدينا ومنتج نهائي لمراحل متعددة، تحريرية وفنية ومالية وإدارية، فسنجد أنها تتكون من ثلاثة أمور رئيسية:
1-«مضمون ومحتوى»من السياسة والأدب والدين والفكر والثقافة والاقتصاد والرياضة...
2-«قوالب وأنماط تحريرية»صُب فيها هذا المضمون من خبر وتعليق وتحقيق وحوار وتقرير ومقالات رأي.
3-«شكل وإخراج فني»يوظف الصورة والكاريكاتير وطريقة رسم الصفحة بوجه عام بشكل يريح العين، ويوجد صلة نفسية من النظرة الأولى بين القارئ والجريدة أو المجلة، فمضمون الصحافة هو الأفكار التي تتصل بحميع نشاطات الحياة، لأن الصحافة تتماس بشكل مباشر مع كل مجالات الحياة، وكل ما يشغل بال الإنسان.
وهنا يتفق الباحث مع ما ذهب إليه د.شعيب الغباشي من أن«الصحافة الإسلامية صحافة عامة، بكل ما تحمل كلمة«عامة»من معنى»(4)، أي تتعرض«الصحافة الإسلامية»-أو هكذا يجب أن تكون-لكل القضايا، وتتناول جميع المجالات.
فأحد القواسم المشتركة بين«الصحافة الإسلامية»ونظيرتها التقليدية، يتمثل في«مضمون»كلتيهما الذي يشتبك مع كل مجالات الحياة، وفي«القوالب والأنماط التحريرية»التي يصب فيها هذا المضمون، كما أشرنا توًّا.
لكن الواقع يشهد أن«الصحافة الإسلامية»بشكل عام عندها قصور كبير في هذا الجانب، حيث يغلب عليها الدوران في فلك«الإسلاميات»بالمعنى الدقيق للكلمة، ولا تتعرض إلا نادرًا لباقي مضامين الصحافة، حتى إن بعض الصحف الإسلامية ليس بها صفحات عن النشاط الرياضي، وبالطبع هذا القصور ينسحب من باب أولى على الاهتمام بالنشاط الفني ومتابعة ما تنتجه السينما والتلفزيون والمسرح!
ولعل هذا راجع إلى عدم وضوح مفهوم«الصحافة الإسلامية»بالقدر الكافي عند من يشتغلون بها، إذ إن معظمهم من الدعاة والكتاب الإسلاميين، وليسوا ممن درسوا الصحافة بشكل أكاديمي وعلمي، أو ممن مارسوا العمل الصحفي بشكل مهني محترف، فعدم التخصص هذا يمثل إحدى المشكلات الرئيسة للصحافة الإسلامية التي تتفرع عنها مشكلات أخرى كثيرة.
ويشرح د.شعيب الغباشي مفهوم «الصحافة الإسلامية»- من حيث هي عامة في مضمونها كما أشرنا- فيقول:«نعني بالصحافة الإسلامية تلك الصحف(جرائد أو مجلات)التي يصدرها ويحررها مسلمون متمسكون بعقيدة الإسلام، ملتزمون بقيمه وأخلاقه ومبادئه في واقع حياتهم، ويمتهنون مهنة العمل الصحفي عن جدارة وتجرد، ويؤمنون بأن الإسلام كلمة الله الباقية الخالدة التي تستوعب كل شؤون الحياة، وينطلقون من هذه الرؤية الشاملة للإسلام لمعالجة كل القضايا الحياتية، مستخدمين كافة التقنيات العلمية، ومواكبين لكل تقدم وتطور علمي في العمل الإعلامي عامة والصحفي خاصة، مستعينين بالمتخصصين في كافة المجالات، ويقوم بإدارة هذا العمل أناس على درجة عالية من الكفاية والأمانة والخبرة بطبيعة العمل الصحفي، مستخدمين اللغة التي تتناسب مع الجمهور المستهدف، ودورية الصدور الملائمة والحجم الذي ينسجم مع هذه الأهداف»(5).
ومع وضوح هذا التعريف لمفهوم«الصحافة الإسلامية»، وتأكيده أنها تعالج جميع القضايا الحياتية، فإننا يجب أن نعترف أن«الصحافة الإسلامية»غلب عليها الجانب الفكري كثيرًا..وأن مفهوم «الصحافة الإسلامية» صار عند البعض مرادفًا للمقالات التي تتصل بالتفسير والحديث والفقه والتاريخ الإسلامي، وتُكتب بلغة متخصصة جدًّا، وكأنما نحن بصدد كتاب علمي وليس صحيفة سيّارة!
وقد لمس د.محمد فتحي عثمان- وهو أحد الرواد المشتغلين بالصحافة الإسلامية- جانبًا من هذه الإشكالية حينما وُجه إليه سؤال يقول:«من الملاحظ أن المؤسسات الصحفية الإسلامية تكاد تكون قليلة الخبرة، وتكاد لا تمتلك الحرفة، وهي أوراق فكرية أكثر منها مؤسسات حرفية، كيف يمكن أن تجمع«الصحافة الإسلامية»بين الخبرة الصحفية والأداء الفكري؟»، فأجاب قائلًا:«لا بد أن نُكون لنا جيلًا من الصحفيين الإسلاميين الذين يكونون إسلاميين حقًّا، وصحفيين حقًّا، ولا يمكن، لمجرد أن يكونوا إسلاميين، أن يتحولوا بالضرورة إلى صحفيين، لأن الصحافة الآن صارت مهنة لها مطالبها التكنولوجية، ولها خبراتها التي لا يمكن تحصيلها إلا بالتخصص، شأن أي مهنة أخرى»(6).
وفي هذا الصدد لا بد أن نفرق بين«الصحافة الإسلامية»و«الصحافة الدينية»(7)، فالثانية هي التي تهتم بأمور الدين بالمعنى المتخصص الضيق للكلمة، وتتابع أنشطة وزارة الأوقاف والمؤتمرات الإسلامية، وتقدم الفتاوى ومختلف العلوم الإسلامية للقارئ العام.
أما مفهوم الصحافة الإسلامية، فيمتد حسب مفهوم الإسلام نفسه، الذي يشمل كل ما يتصل بحركة الإنسان، حتى الفنون والرياضة.
ثانيًا:الهدف والغاية
تأتي أهداف الصحافة ووظائفها والغاية منها كقاسم مشترك آخر يجمع بين «الصحافة الإسلامية»ونظيرتها التقليدية، وتدور أهداف الصحافة بوجه عام حول خمسة أهداف رئيسية(8):الإخبار والإعلام، الشرح والتفسير، تكوين الرأي العام، الإعلان والتسويق، الترفيه والتسلية.
ويمكن أن نجمل الحديث عن هذه الأهداف في عدة نقاط:
•تقديم«الخبر»هو الهدف الأساسي من العمل الصحفي، وكلما كانت الصحافة أميل إلى الخبر منها إلى الرأي، كانت أقرب إلى الموضوعية والصدق، ومن ثم أقرب إلى الإقناع بغير الطرق الدعائية الفجة.
• الخبر الجيد يقدم الإجابة عن الأسئلة الستة(9):
1-من(Who)الشخص أو الجهة التي تتناولها المعلومة الإخبارية؟ 2-ماذا(What)حدث؟ 3-أين(Where)وقع الحدث؟ 4-متى(When)حدث؟ 5-لماذا(why)حدث؟ 6-كيف(How)وقع؟
•الانحياز للفكرة الإسلامية لا يعني عدم الموضوعية في تقديم الخبر والرأي والتحليل، ولا تلوين هذه الأمور بقناعاتنا الشخصية، فالموضوعية، خاصة تجاه المخالفين، تقدم«الصحافة الإسلامية»بصورة أفضل وأكثر إقناعًا لدى جمهور القراء الباحثين عن الحقيقة، لا الوصاية(10).
•تكوين الرأي العام والتأثير فيه من خلال العمل الصحفي لا يكون بإلقاء المواعظ المكتوبة بطريقة مباشرة، وكأنَّ الكاتب تقمص دور الخطيب والداعية، بل من خلال إتقان العمل الصحفي، تحريرًا وإخراجًا.
بمعنى آخر، يجب أن نوظف الصحافة في نشر الفكرة الإسلامية، دون الإخلال بطبيعة العمل الصحفي ومقتضياته، بحيث تكون الصحافة هي الإطار والفكرة الإسلامية هي المضمون، ودون أن نخلط بين«العمل الصحفي»و"العمل الوعظي".
•رغم التطورات السريعة والمتلاحقة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، إلا أن الصحافة مازال لها بريقها كوسيلة إعلام وتوجيه فيما يتصل بالرأي العام، وهذا يرجع لسحر الكلمة المطبوعة، ولقدرة فنون العمل الصحفي على إبهار القارئ وجذبه والتأثير عليه، حتى إننا نرى أنه خلال الأحداث الكبرى ترتفع أعداد توزيع الصحف، رغم أن الناس تابعوا الحدث حين وقوعه لحظة بلحظة، فالجمهور مازال يتعلق بالكلمة المكتوبة، وينتظر منها أن تقدم له الشرح والتحليل والتفسير والكواليس ومسار تطور الأحداث(11).
ويؤسفني أن أقول إن قطاعًا من الحركة الإسلامية مازال ينظر للصحافة نظرة ازدراء، ويغفل عن دورها كإحدى أدوات التغيير والتوجيه..وقد يكتفي في نشر أفكاره ورؤاه بالمنبر، والاحتكاك المباشر مع الجمهور! ولا يتعامل مع الصحافة إلا من خلال نفي الشائعات، وتكذيب ما يُقال عنه! ولو أنصف مع نفسه وواقعه لأخذ بزمام المبادرة بإصدار صحيفة أو وسيلة إعلامية محترفة، يعبر بها عن أفكاره وأطروحاته.
•اعتبار«الترفيه والتسلية»من أهداف الصحافة، ليس من قبيل الاختيار، بل هو هدف أساسي، لأن الصحافة ليست عملًا فكريًّا محضًا، وليس مطلوبًا منها أن تقدم وجبة دسمة مثقلة بالمفاهيم والمصطلحات، بل هي تقدم المعرفة مثلما تقدم المتعة، وتشبع عقل القارئ كما تُروِّح عن نفسه.
•من المهم أن نشير إلى أن«الإعلانات»تشكل نسبة كبيرة من مصادر دخل وتمويل الصحف، وقدّر البعض هذه النسبة بنحو 60%، قابلة للزيادة(12)، ومن المعلوم أن صناعة الصحافة كعمل متكامل لا تستطيع أن تفي بتكاليفها دون إعلانات، وهذا الأمر يفسح المجال للمال السياسي- سواء من قبل الأنظمة الحاكمة أو أصحاب المصالح الاقتصادية أو الفكرية-للضغط على«الصحافة الإسلامية»من خلال التحكم في سوق الإعلانات.
ولذلك نلاحظ أن«الصحافة الإسلامية»أقل من حيث نشر الإعلانات، مما يثقل كاهل المؤسسات الإسلامية الراعية لهذه الصحافة، وهنا لابد أن يقوم رجال الأعمال من أبناء الحركة الإسلامية بدورهم في دعم صناعة الصحافة الإسلامية، ومن الممكن أن نفعِّل(نظام الوقف)في هذا المجال(13).
ثالثًا: التحرير والأسلوب
يمثل التحرير الصحفي ركنًا رئيسيًّا من أركان العمل الصحفي، وهو فن تحويل الأحداث، والأفكار والقضايا الإنسانية والخبرات ومظاهر الكون والحياة إلى مادة صحفية مطبوعة ومفهومة، سواء عند صاحب الثقافة العالية أو المتوسطة، أو عند رجل الشارع الذي يقرأ ليفهم ويعرف، فالأساس في التحرير الصحفي هو الإفهام أولًا، والتعريف بما يجري من حول القارئ ثانيًا، وجذب القارئ ودفعه للقراءة ثالثًا، ثم التأثير والإقناع والإرشاد والتوجيه رابعًا(14).
وإذا كان التحرير الصحفي يختلف عن أنواع الكتابة الأخرى، مثل الكتابة البحثية الأكاديمية أو الأدبية بفنونها(شعرًا وقصة ورواية ومسرحًا)، أو الكتابة العلمية الطبيعية فإن التحرير الصحفي نفسه يختلف، ويتحدد تبعًا لأمرين رئيسيين:
-دورية الصحافة(يومية أو أسبوعية أو شهرية).
-وظيفتها والغرض منها(إخبارية أو فكرية أو أدبية).
فأسلوب تحرير الصحف يختلف عن تحرير المجلات، وهو في الصحافة اليومية غير الأسبوعية، وفي الصحافة الإخبارية يختلف عن الفكرية الثقافية، وعن الأدبية...وهكذا(15).
فإذا كانت الجريدة اليومية يناسبها سهولة التعبير، والجملة القصيرة المباشرة، والبساطة في استخدام المفردات والتراكيب فلا مانع في المجلة الثقافية، الأسبوعة أو الشهرية، من اللغة الْجَزْلة، والتعبير المجازي، والجمل الطويلة نسبيًّا ذات الإيقاع الموسيقي، بشرط أن يكون ذلك في تناغم وتناسق دون إغراب أو شذوذ، ومن الممكن مع ذلك أن تتوزع مقالات المجلة الواحدة على مستويات متفاوتة في التعبير والفصاحة، بحيث تناسب الأذواق والأفهام المتعددة، ويجد فيها كل قارئ ما يناسبه.
ويمكن ملاحظة أن تحرير«الصحافة الإسلامية»بوجه عام، يغلب عليه أمران:
-أنه أسلوب وعظي، يخاطب القلب والوجدان أكثر مما يخاطب العقل والمنطق.
-أن لغته ومفرداته تميل إلى التراث، وتحتاج إلى قدر من الثقافة الإسلامية حتى يمكن التعامل معها.
وأتصور أن السبب في هذا هو طبيعة«الصحافة الإسلامية»نفسها، من حيث إنها تعالج في جزء كبير منها موضوعات إسلامية، من التفسير والحديث والفقه وغيرها...إضافة إلى أن غالب من يقومون على تحرير هذه الصحافة هم من الدعاة، وليسوا صحفيين متخصصين، كما أشرنا من قبل.
لكن من المهم أن ندرك أنه لكي تنجح«الصحافة الإسلامية»- حسب مفهومها الشامل الذي تتبناه هذه الورقة- في التواصل مع عدد أكبر من القراء، ومع شرائح متعددة ثقافيًّا، فإن عليها أن تطور من لغتها وأسلوبها التحريري، شأن الصحافة التقليدية، وإلا فإنها ستظل محصورة في شريحة معينة(16).
ولما كان من الصعوبة أن يكون كل صحفي له أسلوب تحريري سلس وجذاب عرفت الصحافة ضمن أقسامها«قسم الديسك»، أو الصحفي«الديسك مان»deskman، وهو الصحفي المختص بالمراجعة التحريرية لعمل زملائه من الصحفيين في أي قسم من أقسام الجريدة أو المجلة، بحيث يتأكد«الديسك مان»من دقته المعلوماتية، وسلامته اللغوية، ومناسبته للسياسة التحريرية، وجدارته المهنية(17)، كما يقوم بصياغة جزئية أو كلية للموضوع، ووضع العناوين الفرعية والرئيسية له...إلى غير ذلك، مما يجعل الجريدة أو المجلة ذات أسلوب تحريري مميز وجذاب.
رابعًا:الشكل والإخراج
الإخراج الصحفي هو تحويل المادة المكتوبة من أخبار ومقالات وتحقيقات وصور وإعلانات إلى مادة مقروءة، ويتأتى ذلك بترتيب المادة الصحفية وتوزيعها على الصفحات، وكذلك داخل الصفحة الواحدة، بصورة تحقق الهدف الأول من الإخراج، وهو جعل المادة الصحفية مادة مقروءة ومعبرة، في شكل متناسق وتصميم جيد، يريح عين القارئ ويلفت نظره إلى المهم من الأخبار أو الموضوعات.
والمخرج الصحفي-طبقًا لذلك-هو صحفي وفنان، يتمتع بحاسة صحفية مرهفة، وقدرة كبيرة على الابتكار، وهو يشكل حلقة الاتصال بين أقسام التحرير وأقسام المطبعة(18).
وهناك عدة أمور يجب أن نأخذها في الاعتبار في هذا الصدد، وهي تمثل قاسمًا مشتركًا آخرَ بين«الصحافة الإسلامية»والتقليدية:
-الشكل في الصحافة لا يقل أهميةً عن المضمون.
-إخراج الجريدة يختلف عن المجلة، من حيث الألوان المستخدمة، وحجم العناوين، وتقسيم الصفحات، ويرجع ذلك بصفة أساسية لاختلاف مساحة الصفحة في كل منهما.
-يجب أن تكون الألوان مريحة للعين، لا باهتة ولا صارخة.
-ضرورة توفير مساحات بيضاء في الصفحة، وعدم زَحْمِها بالكلمات.
-من أولويات الإخراج الصحفي إعطاء هوية مميزة للمطبوعة عن منافساتها، بحيث تبدو مختلفة ومميزة- لكن لا تخرج عن المألوف، فتبدو شاذة-ولا يتحقق ذلك إلا من خلال الثبات النسبي في الإخراج، واستخدام نفس الحروف في عناوين الأخبار ومتونها، ولا يعني الثبات هنا الجمود وعدم التغيير، فالإخراج الصحفي يسعى دائمًا إلى التجديد والابتعاد عن الركود والملل، مع الاحتفاظ بشخصية المطبوعة(19).
-تُعد الصور والرسومات بأنواعها المختلفة مكونًا أساسيًّا من مكونات الإخراج الصحفي، وتتحدد قيمتها بقدرتها على إحداث الاستجابة المؤثرة لدى المتلقي، كما تتحدد قيمتها أيضًا بأهمية الشخصية أو الحدث الذي تتحدث عنه، كما أن قيمة الصورة لابد أن تساوي قيمة الخبر المصاحبة له، وصدر الصفحة هو المكان الأنسب لنشر الصور، مع إمكانية نشرها في النصف الأسفل إذا توافر عدد كبير منها(20).
خلاصات
في نقاط موجزة نستطيع أن نذكر أبرز ما خلصت إليه الورقة:
رغم التطورات المتلاحقة غير المسبوقة في عالم الاتصالات والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي فإن الصحافة مازالت تحتفظ بمكانتها في نشر المعرفة، وتبادل الآراء، والتأثير في الرأي العام.
الصحافة من أهم وسائل الدعوة الإسلامية، إلى جانب المنبر والتعامل المباشر مع الجماهير، وغير ذلك من وسائل الاتصال والإقناع.
مفهوم«الصحافة الإسلامية»مفهوم عام يمتد بامتدادِ المفاهيم الإسلامية، وشمولِها لنشاطات الحياة كافة، فهي تتعرض لكل القضايا، وتتناول جميع المجالات.
«الصحافة الإسلامية»تكاد تتطابق مع نظيرتها التقليدية من حيث المضمون والماهية، والهدف والغاية، والتحرير والأسلوب، والشكل والإخراج، وتزيد عليها أنها إسلاميةُ الغاية والوجهة.
في ظل عقود من اضطهاد الحركات الإسلامية وخنق صوتها الإعلامي، لم تُتح للصحافة الإسلامية الإمكاناتُ والخبرات التي حظيت بها نظيرتُها التقليدية-الليبرالية واليسارية-التي كانت بوقًا للأنظمة الديكتاتورية.
يجب أن نوظف الصحافة في نشر الفكرة الإسلامية، دون الإخلال بطبيعة العمل الصحفي ومقتضياته، بحيث تكون الصحافة هي الإطار، والفكرة الإسلامية هي المضمون؛ ودون أن نخلط بين«العمل الصحفي»و«العمل الوعظي».
لابد أن يقوم رجال الأعمال من أبناء الحركة الإسلامية بدورهم في دعم صناعة«الصحافة الإسلامية»للتغلب على مشكلة التمويل، وقلة الإعلانات..ومن الممكن أن نفعِّل نظام الوقف في هذا المجال.
لكي تنجح«الصحافة الإسلامية»في التواصل مع عدد أكبر من القراء فإن عليها أن تطور من لغتها، وأسلوبها التحريري، وشكلها الإخراجي، شأن الصحافة التقليدية.
الصحافة عمومًا كما تهتم بالمضمون والأسلوب التحريري تهتم بالشكل وطريقة الإخراج لتتحقق المعرفة مع المتعة.
المصدر- مجلة الوعي الاسلامي
 
السنوسي محمد السنوسي
تاريخ النشر:2013-04-25 الساعة 14:19:18
التعليقات:0
مرات القراءة: 2596
مرات الطباعة: 571
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan