الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الأسرة والمجتمع » الأسرة

لغـة الطفل بين الفطرة والاكتساب دراسة في الفكر اللغوي

د. حامد أحمد الشنبري

 

أحد وجوه أهمية موضوع الاكتساب اللغوي أنه يساعدنا على تلافي ومعالجة ما قد يحدث من خلل في هذه العملية الدقيقة، وهي الاكتساب اللغوي عند الأطفال بوجه عام، وعند متعلمي لغة من اللغات لغير أبنائها.

وقد أضحى ضرورياً الربط بين الفكر اللغوي العربي، الذي يذخر بالدراسات الجادة حول هـذا الموضوع وغـيره من الدراسات التي نسميها الآن مجـازاً دراسات علم اللغة الحديث، وسيتضح من خلال دراستنا هـذه أن لعلماء العربية إشعاعات نيرة على الفكر اللغوي العالمي، وقد جاءت دراساتهم وفـق أحدث المناهج العلمية التي نعرفها الآن.

إننا لا نبالغ في موقفنا فنزعم أن القدماء قد أتوا بكل شيء، وأن في تراثهم ما يغنينا عن الإطلاع على الثقافات اللغوية المعاصرة، ذلك أن أحد الأمرين لا يغني عن الآخر، ونستطيع القول ونحن مطمئنون إن كلا النوعين من الدراسات يكمل أحدهما الآخر ويتضافر معه.

فالألسنية من حيث هي علم اللغة، ليست في المقابل، بعيدة كل البعد عن الفكر اللغوي العربي، فالتراث اللغوي العربي قد أولى اللغة أكثر اهتماماتـه، وقد عُرف عن اللغويين الأوائل إلمامهم بعلم المنطق وعلم الرياضيات مما أضفى على منهجيتهم دقة وموضوعية. فالخليل بن أحمد على سبيل المثال لا الحصر عالم في الرياضيات وعالم لغوي في الوقت نفسه، وقد انطبعت تحاليله بمنهجية علمية واضحة وظاهرة، وهذا يذكرنا بعالم اللغة المعاصر ناؤم تشومسكي الذي كان عالماً رياضياً، ثم استهواه البحث اللغوي التجريدي، وكذلك علي حلمي موسى الذي يعد من أبرز علماء الفيزياء، وفي الوقت نفسه هـو أول من أدخل علم اللغة الإحصائي إلى عالم الدراسات اللغوية العربية المعاصر.

ولعل من أهم القضايا اللغوية التي اهتمت بها الدراسات الألسنية الحديثة، ولها جذور في الفكر اللغوي العربي، مسألة اكتساب اللغة وتوليدها عند الطفل، فهذه المسألة قد تناولها علماء قدامى ومحدثون عرب وغربيون. وسنعرض فيما يلي بإيجاز لأحدث الآراء في الفكر اللغوي الغربي في هذا المجال المتمثلة في النظرية الفطرية، أو ما يعرف بنظرية تحليل المعلومات، وما يربطها من صلة بعملية اكتساب اللغة في التراث اللغوي العربي.

النظرية الفطرية (نظرية تشومسكي)

تعددت مسميات نظرية تشومسكي عند الباحثين العرب، فمنهم من أطلق عليها نظرية تحليل المعلومات (1) والنظرية العقلية النفسية (2)، وقد يطلق عليها البعض النظرية التوليدية التحويلية (3). وكلها تدور حول ما أطلق عليه تشومسكي مصطلح (Competence) الكفاية اللغوية، أي تلك القدرة أو الموهبة الفطرية التي منحها الله للإنسان، فاستطاع عن طريقها أن ينتج ما لا يحصى من المفردات والتركيبات اللغـوية.

لذا فإننا نميل إلى تسميتها بالنظرية الفطرية، لكون ذلك أقـرب إلى واقعها وأكثر اختصاراً من المصطلحات السابقة.

معنى الفطرة اللغوية:

يقصد بالفطرة اللغوية تلك الملكة التي منحها الله للإنسان فاستطاع عن طريقها انتاج وتوليد اللغة.

حيث حاول تشومسكي أن يفسر عملية اكتساب اللغة عند الطفل من خلال ما أسماه ((تحليل المعلومات))، ويقصد بذلك أن ذهن الطفل يقوم باختزال المعلومات وتحليلها والقياس عليها، ومن ثم يستطيع من خلال سماعه لعدد محدود من الجمل توليد ما لا يحصى منها، وهذه المقدرة التي حباها الله للإنسان دون سائر الحيوان لا يختص بها جنس دون جنس، ولا أقوام دون آخرين، ومن ثم فإنها تأخذ طابع العالمية.

أسس النظرية الفطرية:

ينظر تشومسكي ومن سار على نهجه للغة على أنها عبارة عن ملكة أو مهارة مفتوحة النهايات، وكل من يستطيع استخدامها يمكنه أن ينتج ويفهم جملا لم يسبق له استخدامها، أو سماعها من قبل، ويستطيع الطفل من خلال إتقانه للقواعد التي تحكم بناء لغته أن يولد تراكيب لغوية خاصة به، وأن يفهم كلام الآخرين (4). ووفقاً لذلك تقوم هذه النظرية على ثلاثة أسس أو اتجاهات (5)، وهي:

الأساس الأول: إن كل الطفل في هذا العالم يستطيع بما حباه الله من قدرة فطرية أن يكوِّن مجموعة من الافتراضات متزايدة في التعقيد، كما أن لديه جهازاً عقليًّا خاصاً يميز بالفطرة الأمور العامة التي تحكم أنظمة اللغات، أي أنه يتمكن من معرفة ما هو داخل في لغته، وما هو خارج عنها.

الأساس الثاني: يقتصر عمل الطفل في مراحل توليده المبكرة للغة على تحديد الإطار العام للغته وتمييزه من بين سائر الأنظمة اللغوية، أو ما يطلق عليه اللغة الكلية. وهنا نستطيع القول بأن الطفل قد تمكن من الانتقال من مرحلة " Langage " إلى مرحلة " Langue " وفقاً لمصطلح دي سوسير، أي أنه ينتقل بذلك من اللغة الإنسانية إلى لغته المعينة، وليتم عملية الانتقال تلك يعتمد الطفل على ثلاثة نظمٍ، هي:

أولاً: النظم الأساسية، ويقصد بها مجموعة العناصر اللغـوية التي يستخدمها الطفل على نحو مضطرد، وذلك مثل مجموعة الأسماء والأفعـال والأدوات التي تشكل الثـروة اللغـوية أو ما يعـرف بالكنز اللغـوي.

ثانياً: النظم الشكلية، وهي مجموعة القوانين والخواص العامة والمشتركة في سائر اللغات، وذلك مثل قوانين المماثلة والمخالفة، وغير ذلك من القوى التي تعمل بصورة دائمة وعامة في جميع اللغات كتكوين الجملة من الفعل والفاعل، أو من الفعل والفاعل والمفعول.

فمثل هذه القواعد العامة يمكن أن يطبقها الأطفال على اللغة التي يسمعونها، وعلى ذلك فإنهم يقومون بتجريد الملامح التي يرتبط بها بناء مقدرتهم وكفاء تهم النحوية (6).

ثالثاً: النظم الإجرائية، ويراد بها مجموعة القواعد العامة التي ترتب كيفية تنفيذ وتطبيق القوانين السابقة، كما تقوم بتنظيم العلاقة بين المستويات اللغوية، مثل المستوى الصوتي، والمستوى الصرفي والنحوي والدلالي. وتتناول هذه النظم الإجـرائية كيفية الربط بين القـوانين بعضها ببعض، كما تنظم كيفية العلاقـة بين النظم اللغـوية المختلفة.

الأساس الثالث:

يتمثل هذا الأساس في أن كل طفل يستطيع بصورة طبيعية أن يميز بين بنيتين مختلفين للغة هما: البنية العميقة، والبنية السطحية، كما أنه يلم بالقواعد التي تحول البنية العميقة المخزونة ذهنياً إلى تجسيد أدنى، أي تركيب سطحي. وهذا يساعد الطفل على تكوين فرضيات عقلية، أو ذهنية يستخلصها من الكلام الذي يسمعه، والذي يتألف ((عادة)) من خليط غير مفهوم من الأصوات، ويبدأ بتعديل هذه الفرضيات تدريجيا (7).

وقد استفاد تشومسكي من أفكار فلاسفة القرنين السابع والثامن عشر أمثال "ديكارت" الذي رأى أن للإنسان قدرات فريدة لا يمكن تفسيرها آليا (حتى)، وإن صلح هذا التفسير أحياناً في ميدان الوظائف الحيوية والسلوكية للإنسان.

وأظهر هذه القدرات وأعظمها في نظره هي اللغة الإنسانية التي لا تحدها أية ارتباطات أو قوالب تعبيرية ثابتة، نتيجة لمؤثرات خارجية أو حالات فسيولوجية، ومن ثم فهي صورة للعقل البشري باعتباره أداة عامة صالحة لكي تلائم كل الحوادث والاحتمالات (8).

وقد انتقد تشومسكي بعض علماء اللغة المحدثين من قبله أمثال دي سوسير "Desaussur" وهوكت "Hokett" وغيرهما، ممن لم يلتفت إلى ملاحظات "دي كارت" حول العقل واللغة، أو هؤلاء الذين رأى أنهم قد فشلوا في فهم هذه الملاحظات، وخاصة بلومفيلد "Bolmfield" الذي نسب الجانب الإبـداعي إلى نظرية القيـاس في اللغـة، مما يدل على أنه لم يدرك العلاقـة بين العقـل واللغة على نحو صحيح (9).

ومن ثم فقد صاغ "تشومسكي" هذه الأفكار صياغة جديدة عندما رأى أن للإنسان قدرة عقلية فريدة تعد عطاء للفطرة، وتتمثل في الجانب الإبداعي للعقل البشري الذي تعده اللغة أعظم معطياته (10).

تطور نظرية تشومسكي:

يعتبر ما قال به تشومسكي في نظريته الحديثة التي أسماها الإبداع أو الابتكار امتداداً لنظريته السابقة، النظرية الفطرية، يقول بعض الباحثين: «لقد أضاف تشومسكي ما أسماه بنظرية الإبداع والابتكار، ويراد بها تلك الصفة النفسية التي تتوافر عند من يتكلم لغـة معينة ويستطيع استخدامها بيسر وسهولة، وبناء على هذه النظرية الجديدة، فإن الطفل يكتسب لغـة الأم عـن وعي وإدراك حتى في سن مبكرة جدًّا، وأنه حالما يستوعب القواعـد المختلفة التي تعتمد عليها اللغة تتكون عنده القدرة على الإبداع والابتكار، التي تمكنه من توليد الجمل المختلفة التي يريدها في الوقت والظرف المناسبين» (11).

ووفقاً لما ذهب إليه تشومسكي من أن الطفل لا يولد وذهنه صفحة بيضاء، بل يولد مزوداً بقـدرة خاصة تمكنه من تعلم اللغة، ويحاول أن يضع ما يسمعه من ألفاظ اللغة التي يعـيش بين أهلها في القوالب العامـة. ومن ثم فالطفل لا يكون عنصراً يقتصر دوره على التلقي والأخذ والتقليد، وإنما يمثل عنصراً إيجابياً يستخدم قدراته العقلية (الإبداعية) أثناء اكتسابه للغـة (12)، وتوليد نماذجها المختلفة.

ملامح نظرية تشومسكي (الإبداع والابتكار):

لقد كان من أهم الملامح لهذه النظرية (الإبداع والابتكار) الأخذ بمبدأ التمييز بين كل من القدرة، والأداء الفعلي (13).

وهذا يذكرنا بما صنعه دي سوسيرعندما فرق بين اللغة Langue والكلام Parole.

تقـول "J.Green" والإشكالية الأساسية في هذه التفرقـة أنه قد لا يكون هناك دائماً توافق دقيق بين المتعلم وقوانين اللغة (14).

وأهم مقومات هذه اللغة أو القدرة هي معرفة الفرد بالقواعد الصرفية والنحوية التي تربط المفردات بعضها ببعض في الجملة بالإضافة إلى معرفة قواعد التحويل، وهي التي تعمل على تحويل البنيات العميقة للجملة إلى الشكل الخارجي للأداء (السطحي) الذي يعبر عنه بأصوات الكلام، ومن ثمّ يكون المقصود بالأداء هو الأصوات اللغوية المنطوقة بالفعل (15).

موقف اللغويين الغربيين من آراء تشومسكي

التوليدية والتحويلية:

لقد امتدح كثير من الغربيين جهود تشومسكي في اللغة بوجه عام على سبيل المثال ما قاله بالمر "Palmer" إنّ نظرية تشومسكي هي أكثر النظريات اللغـوية أثـراً في الوقت الراهن، ولا تسمح لأي دارسٍ جادٍّ بإغفالها. وقال "Robins": لعل أهم تغيير في اتجاه اللسانيات الوصفية والنظرية الذي حدث في السنوات الأخيرة هو الذي وقـع على يد تشومسكي منذ أن ظهر كتابه الأول عن هذه النظريـة عام 1957م (16).

ورغماً من ذلك المديح، فلم تعدم هذه النظرية من ينتقدها ويصفها بأنها نظرية جدّ معقّدة وشبه رياضية (17).

وقد لاقت افتراضات تشومسكي والآراء التي ذهب إليها في هذه النظرية نقداً من قبل علماء النفس اللغوي، الذين ذهبوا إلى أنه باستثناء عموميات قليلة في التركيب اللغوي، فإنه ليس هناك وجود واضحٌ أو واسع لهذه الافتراضات، والشيء الوحيد الذي أقره هؤلاء هو أن الكائن البشري لديه استعداد بيولوجي (فطري) للتفاعل مع البنية (التركيب اللغوي) على أسس شكلية وليست عقلية بحتة (18).

الفكر اللغوي العربي وتوليد الطفل للغة

يرى كثير من اللغويين المحدثين أن علماء العربية القدامى قد ألمحوا لكثير من المسائل اللغوية التي اشتملتها آراء تشومسكي فيما يخص توليد اللغة خاصة فيما يتعلق بالتمييز بين البنيتين العميقة والسطحية من ناحية (19)، والفرق بين القدرة والآراء من ناحية أخرى، بيد أن مثل هذه الإشارات لم تلق ما هي حقيقة به من الاهتمام والتطوير من قبل اللغويين المتأخرين. وسنعرض هنا لبعض تلك الآراء عند ابن خلدون من القدامى، ومحمد خلف الله أحمد من المحدثين (20)؛ لأن كل منهما كان يُعنى باكتساب الطفل للغة وتوليده لها.

رأي ابن خلدون:

تتولد معرفة اللغة عند الطفل فيما يراه العلامة ابن خلدون عن طريق ملكة أو صفة راسخة تقترب من مفهوم الكفاية اللغوية عند أصحاب الفكر التوليدي. يقول ابن خلدون في مقدمته: «يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيُلقَّنُها أولاً ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقّنُها كذلك، ثم لا يزال سماعُهُم لذلك يتجدد في كل لحظةٍ ومن كل متكلمٍ، واستعمالُه يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكةً وصفة راسخةً، ويكون كأحدهم، هكذا تصيَّرت الألسُـنُ واللغات من جيل إلى جيل وتعلَّمها العَجَمُ والأطفال» (21).

ويعلق أحد الباحثين على ما ذكره ابن خلدون قائلاً: «إن الملكة اللسانية بذلك هي الأساس في لغة المنشأ حيث يترعرع الإنسان، وهي بالتالي تكون تامة في اللغة الأم، ويصعب على الإنسان اكتساب ملكة لسانية أخرى تكون تامة وراسخة مضافة إلى ملكته اللسانية الراسخة التي اكتسبها من البيئة التي ترعرع فيها، وتقتصر هذه الملكة الراسخة على لغـة المجتمع الذي يولد فيه الطفل (أي اللغـة الأم)، ولا علاقـة لها بالجنس أو العرق، بل تتكون عند الطفل خلال نموه في المجتمع الذي يتكلمها» (22).

ويشير ابن خلدون إلى العلاقة القائمة بين الملكة اللسانية وبين صناعة العربية، فيقول: «ذلك أن صناعة العربية هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة، فهو علم بكيفية لا نفس كيفية».

ومن الواضح هنا أن ابن خلدون يميز بين الملكة اللسانية الفطرية وبين صناعة العربية المكتسبة بالتعلم. وهذا التمييز يقـارب إلى حد كبير ما قـام بـه تشومسكي من التفـرقـة بين "Competence" أي الكفايـة، و "Performance" الأداء، حيث إن هذه الكفاية اللغوية أو الملكة اللسانية لا تعدو أن تكون أمراً ذهنياً يتولـد منه الكـلام، إذ هي معرفة ضمنية بالقواعد التي تنتج الجمل، أما الأداء الكلامي أو الاستعمال الفعلي فإنما يتمثل تطبيقاً واستعمالاً آلياً لهذه المعرفة الضمنية بالقواعد أثناء عملية توليد الكلام، وهو يتم عبر قواعد الكفاية اللغوية. وبالموازنة بين مفهوم الملكة اللسانية عند ابن خلدون والكفاية اللغوية عند تشومسكي، نجد أن ابن خلدون في نظرته إلى الملكة اللسـانية، قد اقترب من مفهوم الكفايـة اللغوية عند تشومسكي؛ لأن الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون هي في نهايـة المطاف المقدرة على صناعة العربية، إذ يكفي اللجوء إلى قوانينها لكي يصوغ العربي الكلام العربي الصحيح، كما أن الكفاية اللغـوية في نظريـة تشومسكي هي المقـدرة على تكلم اللغـة أو كتابتها. ومما لا يصح إغفاله هنا هو أن ابن خلدون يركز على صناعة اللغة أو كتابتها في حين أن النظرية التوليدية لتشومسكي تركز على الأداء الكلامي بصورة عامة (23).

لقد أدرك ابن خلدون أيضا دور العملية الإبداعية حين أشار إلى أنّ سماع الطفل يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم، «واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم» (24).

تظهر مجالات الإبداع هنا من خلال تنوع الكلام وتجدده حتى تُمكِّن مقدرة الإبداع أو الابتكار الطفل من توليد أنماط اللغة بصورة متجددة، وفي ظروف ومواقف متجددة أيضا عن أفكار لا حصر لها؛ لأن ملكة الإبداع تولد ما لا يحصى من الجمل للتعبير عمّا لا يحصى من الأفكار من خلال القدرة على استخدام النظام التقليدي المعتمد على الكفاءة والمقدرة الذهنية.

ويمكن تلخيص عملية اكتساب وتوليد الطفل للغة عند ابن خلدون على النحو التالي:

أولاً: يسمع الطفل مجموعة متجددة من تراكيب اللغة.

ثانياً: يحاول أن يتكلم على نحو إبداعي.

ثالثاً: يمارس هذا التكلم.

رابعاً: تتكرر عملية الممارسة والتكرار، فيؤدي ذلك بالتالي إلى ملكة اكتساب اللغة وتوليد أنماطها المختلفة.

وهكذا يتضح لنا كيفية مقدرة الطفل على توليد لغة بيئته التي يترعرع فيها بالاسـتناد إلى مقدراته الفطريـة، وأن ابن خلدون قد مهد الطريق أمام المفاهـيم اللغوية التي أكدتها الدراسات اللغويـة النفسية الحديثة من خلال آراء تشومسكي، وقد أكدت على ذلك الدراسة التي قام بها أحد الباحـثين بعنوان (25):

Ibn Khalduun and Not Chomesky، The True Orginator Of The Theory of Language Faculty.

رأي الدكتور/محمد خلف الله أحمد:

يعد الدكتور محمد خلف الله من رواد المدرسة النفسية اللغوية العرب، وقد تناول مسألـة اكتساب اللغة عند الطفل في دراستين هامتين، هما:

الأولى: كتابه "الطفل من المهد إلى سن الرشد" 1939م.

والأخرى: مقاله عن "الطفل واللغة القومية" 1970م، ودراسته الأخيرة هذه انتهى فيها إلى «أن الطفل يتعلم لغته القومية بسهولة ويسر، وهو بلا تجارب أو معارف سابقة» (26).

وقد أكد على أن من أهم مظاهر المقدرة النحوية عند الطفل القدرة على التعبير اللغوي، واستعمال أجزاء الكلام، وهو بهذا يكون قد استبعد دور الأسرة في تعليم الطفل لغته القومية (27).

ويقتصر دور الأسرة في نظره على تسهيل عملية اكتساب اللغـة من خلال عرض نماذج لها دون تلقين منه أو تقليد من الطفل. وهذا يعني الابتكار والتجربة من قبل الطفل من ناحية، وهو من – ناحية أخرى – يفسر استمرار الأخطاء اللغـوية التي تسمع من الطفل في محاولته الدائبة لتنمية ملكته الفطريـة خاصة فيما يتصل بالنظام النحوي، فكل ذلك يتحقق من خلال المادة اللغـوية المسموعة التي يتعرض لها الطفل.

لهذا كله يرفض كل من تشومسكي وخلف الله مبدأ التقليد في اكتساب اللغة من منطلق أن التسليم به يُحوِّل الطفل إلى ببغاء لا عقل لـه، كما يرفضان أيضا المذهب السلوكي؛ لأنه يساوي بين السلوك الإنساني، والسلوك الحيواني. وينزع عن الإنسان السمة الوحيـدة التي تميز بها الإنسان وهي العـقل، كما يتمثل في اللغة والتي بدونها لا تتحقق إنسانية الإنسان (28)، ولا يمكن موافقة الدكتور/ خلف الله في كل ما ذهب إليه من الاستبعاد التام لدور الأسرة في اكتساب اللغة؛ لأن الدراسات النفسية التي قام بها كل من برنشطاين "Bernstein"، وبورديو "Bourdien"، وباسرون "Passeron" تؤكد على دور الأسرة في اكتساب اللغة لدى الطفل، وتبين كيف أن الفوارق اللغوية الموجودة بين الأسر تحدد الفوارق أمام النجاح المدرسي وتثبيت التباينات الاجتماعية، ففي أسرة ذات قاموس لغوي ضعيف، أو يقل فيها الكلام تكون قدرة الطفل على النمو الفكري والتوليد اللغوي بطـيئة، حيث يمتنع الطفل عن إلقاء الكلمات، ويتعمد الصمت في بعض الحالات الشيء الذي يؤدي إلى حالات نفسية مقلقة (29).

والحقيقة التي لا مراء فيها أن للأسرة في المدينة والقرية والحاضرة والبادية دوراً كبيراً في عملية إسماع الطفل بصفة متكررة لألفاظ وعبارات اللغة، بيد أن هذا لم يكن ليعطي أثره الفعال دون أن يكون لدى الطفل الملكة اللسانية أو الكفاية اللغوية، التي تساعده على فهم وتوليد جمل شبيهة أولاً، ثم متجددة ثانياً. ومن هذا المنطلق فإنه لا تناقض بين ما تقوم به الأسرة من تعليم وتلقين، وما تنهض به الملكة اللغوية، وإنما كلاهما يتضافر مع الآخر، وذلك وفقاً لبيئة الطفل الاجتماعية، والتي تنشأ عنها فروق لغوية مهمة يتميز بها كلٌّ حسب الموطن الذي نشأ وترعرع فيه، تؤثر في كمية وكيفية اكتسابه للغة، وبالتالي فإن على مخططي البرامج التعليمية مراعاة التنوع في المادة اللغوية المقدمة للطفل حتى تتلاءم مع هذه الفروق، كما أن على دور التعليم المختلفة التقليل من آثار هذه الفروق –ماأمكن– وخاصة فيما يتعلق باختلاف البيئات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، حيث يمكن تدبير رحلات منظمة تكتمل عن طريقها خبرات الأطفال الريفين بذهابهم إلى المناطق الحضرية والتجول فيها وبالعكس بالنسبة لأطفال المدن الذين تنقصهم الألفاظ المتعلقة بحياة الزراعة والرعي، وما يتعلق بها. ومن الوسائل المساعدة في التغلب على مشكلة الفروق الفردية اللغوية ما تقوم به وسائل الإعلام، وخاصة المرئية منها، إذ بإمكانها تقديم برامج تتكامل مع بعضها وتلائم أصحاب البيئات المختلفة، ولا يجب أن نغفل دور الآباء والأمهات في معالجة ما قد يلاحظ لدى أبنائهم من نقص للمقدرة اللغوية وكونهم الأقدر على تقويم أداء أبنائهم وصقل مقدرتهم اللغوية، يساعدهم على ذلك تعاون مثمر بينهم والمعلمين. كما أن على وزارات التربية و التعليم و الإعلام والصحة و الخدمة الاجتماعية العمل سوياً على وضع برنامج للطفل العربي يظهر قدرته على اكتساب اللغة والتعلم كماً وكيفاً، آخذاً في الاعتبار نسب الذكاء عند الأطفال والواقع الثقافي والحضاري في الوطن العربي.

هـذا وبالله التوفيق.

 

المصدر: ورقة مقدمة في المؤتمر الدولي الذي عقد في جامعة الدول العربية في القاهرة حول لغة الطفل العربي في عصر العولمة- 1428

--------------

الهوامش:

1) تطور لغة الطفل لأحمد أبو عرقوب، ص 39.

2) لغة الطفل في ضوء مناهج البحث اللغوي الحديث للدكتور / حسام البهنساوي، ص97.

3) الألسنية ولغة الطفل العربي لجورج كلاس، ص 144.

4) لغة الطفل في ضوء مناهج البحث اللغوي الحديث، ص 100.

5) انظر الألسنية ولغة الطفل العربي، ص 144.

6) انظر علم اللغة العام، دي سوسير ترجمة يوئيل يوسف عزيز، ص 24، وكذلك النمو المعرفي النظرية والتطبيق لتيريز ترجمة عادل عبدالله محمد، ص 89.

7) انظر الألسنية ولغة الطفل العربي، ص 145-146، وقارن بتطور لغة الطفل، ص 40.

8) اللغة والطفل، دراسة في ضوء علم اللغة النفسي للدكتور/ حلمي خليل، ص 87.

9) Chomesky، N،Cartesian Linguistics، p:12، وقارن بالمرجع السابق، ص 88.

10) السابق: P: 3 - 5.

11) Chomesky، N، Aspects of Theory of Syntax p. 59، وانظر علم اللغة النفسي لجرين ترجمة مصطفى التوني، ص 121.

12) علم اللغة النفسي لجرين ترجمة مصطفى التوني، ص 121.

13) H. g widdowson، linguistics، p 24- 26

14) انظر علم اللغة النفسي لجرين ترجمة مصطفى التوني، ص 121.

15) انظر علم اللغة النفسي، د/ عبدالمجيد سيد أحمد منصور، ص 139.

16) انظر النظرية الأمريكية في اللغة تشومسكي 1986 للدكتور/ ابن رشد المعتمد، ص 9-10

17) السابق، ص10.

18) انظر تطور لغة الطفل لأبي عرقوب، ص 40.

19) انظر في الموازنة بين جهود تشومسكي وعبد القاهر الجرجاني، تعليم النحو بين النظرية والتطبيق د / تمام حسان، مجلة المناهل عدد 7 عام 1976، ص 112 فما بعدها. وانظر أيضا مفهوم البنية العميقة بين تشومسكي والنحو العربي، مجلة اللسان العربي، ص 5، العـدد 34.

20) يعد الدكتور/ محمد خلف الله – رحمه الله – من الرواد الأوائل للمدرسة النفسية في دراسة اللغة والأدب، ومن أوائل من كتب حول اكتساب الطفل اللغة. انظر اللغة والطفل، دراسة في ضوء علم اللغة للدكتور/ حلمي خليل، ص 8.

21) مقدمة ابن خلدون، ص 1071.

22) بتصرف من: الملكة اللسانية في مقدمة ابن خلدون، د/ ميشال زكريا، 29.

23) الملكة اللسانية في مقدمة ابن خلدون، ص 24.

24) مقدمة ابن خلدون، ص 1071.

25) انظر نتائج هذه الدراسة وتفصيل أكثر حول هذا الموضوع في كتابنا لغة الطفل.

26) انظر بحوث ودراسات في العربية وآدابها مقال د/ محمد خلف الله أحمد بعنوان: الطفل واللغة القومية، ص 255.

27) اللغة والطفل دراسة في ضوء علم اللغة النفسي، ص 90.

28) السابق، ص91.

29) انظر إشكالية التواصل داخل الأسرة المغربية للأستاذة / عائشة بالعربي، بحث منشور في مجلة جمعية موظفي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ص 79 – 90.

 
د. حامد أحمد الشنبري
تاريخ النشر:2010-06-10 الساعة 13:46:24
التعليقات:0
مرات القراءة: 3184
مرات الطباعة: 748
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan