الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » تيارات و شخصيات » حركات وأحزاب

«الإخوان» والدولة

د. أنور أبو طه

 

كانت وطأة انهيار "الخلافة" العثمانية شديدة على العقل الإسلامي، إذ للمرة الأولى يدخل ساحة التفكير في الإسلام، وحفظ أحكامه، بعيداً عن ظل "الخلافة"، أو أي نموذج لحكم سياسي إسلامي. ودخلت التيارات الفكرية في سجال حادٍّ حول سبل إعادة إحياء "حكم الإسلام" في نظام سياسي، وكانت المعارك الفكرية حول هذا الموضوع تأخذ ثلاثة اتجاهات:

الأول: الاتجاه الفقهي، الذي أصرّ على الدعوة إلى نموذج "الخلافة" التاريخي.

والثاني: الاتجاه العلماني، الذي لم يكن يرى من حاجة إلى تدخُّل الدين ورجالاته وفقهائه في المسألة السياسية، تأسيساً على نموذج الحكم العلماني الذي قدمته التجربة الأوروبية الحديثة.

والثالث: الاتجاه التوفيقي الذي سعى للجمع بين فضائل "الخلافة" وفوائد النظم الليبرالية الحديثة.

على المستوى الإسلامي لم يكن سجال المسألة السياسية وعلاقتها بالدين في عصر "النهضة" يأخذ بعداً نضاليّاً، وبقي سجالاً فكريّاً يحمله مفكرون وعلماء مسلمون، وبعض الجمعيات والتجمعات الإسلامية التقليدية.

يعتبر تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر على يد حسن البنّا ، تحولاً تاريخيّاً هامّاً في مسيرة الفكر الإسلامي الذي انتقل من طور اتَّخذ فيه الشكل الفقهي المؤسَّسي، والجَمْعيَّاتي الدعوي، إلى طور من النضاليّة والتسييس المباشر، عُرف لاحقاً "بالحركية الإسلامية"، والذي امتد تأثيره على التفكر الإسلامي بالدين ودوره بشكل عام، وعلى علاقة الدين بالمجال السياسي بشكل خاص. بل يمكننا الجزم أن ولادة جماعة الإخوان المسلمين كانت في صلْب ظهورها رد فعل على غياب النظام السياسي الإسلامي، وتتويجاً عمليّاً ذا مَنْحى نضالي لدفاعات الفكر الإسلامي منذ عصر النهضة ضد الفكر "التغريبي".

وحسن البنّا في فكره السياسي لم يكن امتداداً خالصاً للاتجاه السلفي التقليدي لعصر النهضة، وعَلَمه البارز الشيخ محمد رشيد رضا، الداعي إلى نظام الخلافة بمَتْنِه النصوصي وصورته التاريخية. إن البنّا، وبقدر وفائه للسياق الفكري الإسلامي الداعي لإعادة إحياء نظام الإسلام السياسي، إلا أنه أضاف تصوّراً جديداً يمكن اعتباره تطويراً للسجال في المسألة السياسية، ونقلها إلى مستوى جديد أَدخل العقلَ الإسلامي في مساحات التفكُّر الفعَّال، كما أَدخل تعديلاً هامّاً في مفهوم "الجماعة المسلمة"، التي عصفت بها التحولات في دول ما بعد الاستقلال، وتحديداً مفارقات التفارق والتحوُّل بين مفهومي "المجتمع الإسلامي"، و"الجماعة المسلمة".

كما أن ولادة جماعة الإخوان المسلمين تؤكد ما ذهب إليه بعض الباحثين، من أن دعوة علي عبد الرازق إلى فصل الدين عن الدولة لم تُوهن تيار الدمج أو تعزِّز تيار الفصل، بل إن تيار الوصل بين الدين والدولة هو الذي أخذ يتجَذَّر ويكبُر، وكانت جماعة الإخوان هي العنوان الأبرز على قوة هذا التيار وانتشاره. وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين"كبرى الحركات الإسلامية"في العالم العربي، وقد تميزت «بريادتها وتأثيرها غير المحدود في الحركات الإسلامية بكل فصائلها وتياراتها، وقد تختلف درجة التأثير أو طرائقه، ولكن لا بد من أن نجد في أي حركة إسلامية صلةً مّا بالإخوان». ولذلك سنبدأ أولى مقارباتنا لجماعة الإخوان المسلمين، ونص مؤسسها ومؤشرها الأول حسب البنّا، وعلى الرغم من قلّة نتاجاته الكتابية، إلا أنه ترك فيها ما اعتبر نصوصاً مفتاحية لرؤيته ورؤية "الإخوان المسلمين" لصورة ومفهوم الدولة في الإسلام. تلك الرؤى التي ساهمت بشكل تأسيسي في العصر الحديث في جدل الدين والدولة لدى عموم الحركات وعموم المفكرين.

ما هي رؤية حسن البنّا لنظام الحكم في الإسلام؟ وموقع الشأن السياسي منه؟ وما الأسس الدينية لهذه الرؤية؟ وما هي رهاناتها العملية التي ترومها جماعة الإخوان المسلمين؟.

ينطلق حسن البنّا، في تصوّره لموقعيّه السلطة من الدين، من فهمه لطبيعة الإسلام نفسه، باعتباره نظاماً شاملاً يتسع لكل شؤون الحياة، الأمر الذي دفعه إلى جعله الأصل الأول من أصوله العشرين، قائلاً: «الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً فهو دين ووطن، أو حكومة وأمة. وهو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة. وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء. وهو مادة وثروة، أو كسب وغنى. وهو جهاد ودعوة، أو جيش وفكرة. كما هو عقيدة صادقة وعبادة».

وفي المؤتمر الخامس لجماعة الإخوان كرر حسن البنّا هذا المعنى، حيث تحدَّث عن حقيقة دعوة "الإخوان المسلمين"، مصححاً صورة البعض عن الجماعة، قائلاً: «من الناس من يتصور الإخوان المسلمين جماعة وعظية وإرشادية، ومنهم من يتصور الإخوان المسلمين طريقة صوفية...، ومنهم من يظنهم جماعة فقهية». مخطِّئاً هذا التصور، مؤكداً أن حقيقة الإسلام الذي يؤمن به أشمل وأعم من كل تلك التصورات الجزئية لأن «أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة، تنظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة، وإن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول الناحية العبادية، أو الروحية دون غيرها من النواحي، مخطئون في هذا الظن، فالإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف، والقرآن الكريم ينطلق بذلك كله، ويعتبره من لب الإسلام، ومن صميمه». مستدلاً بالمرجعية القرآنية بحشده للآيات التي تفيد وتثبت أن الإسلام تضمن الحكم والقضاء والسياسية، كما تضمن شأن التجارة، وكذلك الجهاد والقتال والغزو، وغيرها من الآداب العامة، وشؤون الاجتماع العام.

ويختتم البنّا: «وهكذا اتصل الإخوان بكتاب الله واستلهموه، واسترشدوه، فأيقنوا أن الإسلام هو هذا المعنى الشامل، وأنه يجب أن يهيمن على كل شؤون الحياة».

والأمة إن لم تكن متمثِّله لهذا التصور الشامل الذي يقدمه البنّا هي «أمة ناقصة الإسلام».

وجوب الدولة

وانطلاقاً من شمولية الإسلام، اعتبر البنّا أن علاقة الدين بالسياسة هي بمثابة "الأصل الأساسي" الذي تمَّ تضييعه، بل هو أول الأخطاء التي تمَّ الوقوع بها من قبل المشرّعين «وأول خطئنا أننا نسينا هذا الأصل، ففصلنا الدين عن السياسة عمليّاً».

ويردّ البنّا على دعاوى الفصل قائلاً: «فمن ظن أن الدين لا يعرض للسياسة، أو أن السياسة ليست من مباحثه، فقد ظلم نفسه، أو ظلم علمه بهذا الإسلام». مستشهداً بالمرجعية الفقهية وتحديداً بقول الإمام الغزالي: «اعلم أن الشريعة أصل والملك حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع». مشيراً بهذا الاستشهاد إلى أن سبب ضياع الدين هو زوال سلطته السياسية، وهذا الدليل يتعزّز بالمرجعية النصية الحديْثِيّة لدى البنّا باستحضاره الأحاديث النبوية الحاثّة على وجوب تأمير أمير على كل جماعة، ذلك لأن الإسلام «لا يقر الفوضى، ولا يدع الجماعة المسلمة بلا إمام».

ومع اعتماد البنّا المرجعيتين الفقهية والنصيّة في بيان آرائه إلا أننا نقع على نص للبنا لجهة موقعية السلطة من الإسلام، نصّاً مهمّاً فارق فيه الاتجاه التقليدي والشائع لدى فقهاء وعلماء أهل السنة والجماعة قديماً وحديثاً، من أن الحكم والسياسة من الأمور الفرعية والفقهية وذلك حيث أدرج "الحكم" في مباحث الاعتقاد وأصول الدين (إذ أن اعتبار مباحث السياسة ونظم الحكم فيما عُرف في مصنفات القدماء بالإمامة، أو الولاية، أو الخلافة، من الفروع لا الأصول، والفقهيات لا العقائد، هي نقطة التقاء وموضع اتفاق كل التيارات الفكرية والمذاهب العقدية الإسلامية باستثناء الشيعة، فالشيعة الأمامية وحدهم الذين قالوا: "إن الإمامة هي من أصول الدين وأركانه")، حيث يقول: «والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر».

ومذهب البنّا في أصالة "السلطة" في الإسلام كانت له نتائج خطيرة على الفكر الحركي الإسلامي كله، وتأسيساً أوليّاً لقداسة السلطة، ووضع بذور فكرة "الحاكمية" التي تبنّتها كافة تيارات وجماعات السلفيّة الحركية لاحقاً، التي اعتبرت أن الدولة الإسلامية مسألة عَقَدِيّة من مسائل أصول الدين، ودلالة ذلك «أن الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر، خطاب البنّا ومن حذا حذوه، لم يكتف بمجرد الدفاع عن علاقة الوصل بين الديني والسياسي في الإسلام، ضد من حاولوا فك الارتباط بينهما، بل ذهب إلى حيث أسبغ طابعاً قدسيّاً على تلك العلاقة لقطع الطريق على أي تساؤل حولها، متقاطعاً مع الموقف الفقهي الشيعي في مسألة الإمامة وأصوليتها الدينية في الإسلام».

ومما تقدَّم، هل يمكن اعتبار البنّا مؤسساً لنظرية "الحاكمية" التي طوّرتها "السلفية الجهادية"؟

 إنها مسألة تحتاج إلى مزيد من البحث. ولكن ما يمكن أن نذهب إليه أنه فتح بذلك مجالاً واسعاً للبناء على ما قرّره، فقد ذهب كثيرون من بعده ـ نهلوا منه أو اطلعوا على ما خطّه ـ مذهبه في عَقَدِيّة المسألة السياسية وأصالتها في بنية الفكر الإسلامي.

وبعد ما رفع البنّا المسألة السياسية إلى مصاف المسائل العقدية، ونقلها من مجال الفقه العام أو الفقه السياسي إلى علم الكلام والأصول، فقد قام البنّا وفي سياق التأسيس لأصالة الدولة في الاجتماع العام للمسلمين إلى إنزال "الحكم"، و"نظام الحكم"، و"الحكومة"، منزلة الضرورة الاجتماعية، لأن الإسلام يعتبرها «قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي الذي جاء به إلى الناس، فهو [الإسلام] لا يقول بالفوضى، ولا يدع الجماعة المسلمة بغير إمام».

كما أن الحاجة إلى الدولة بحسب البنّا، هي الحؤول دون الوقوع في الفوضى، وفُرْقة الجماعة، فالدولة هي التي تحول دون ذلك، وتفرض النظام، وتوحِّد الجماعة، وهي «حاجة عبَّر عنها القدماء بوجوب اتقاء "الفتنة"، وحياطة وحدة الجماعة بأسباب الحماية والصوّن، واستمر المحدثون يرددونها بمفردات مختلفة الشكل، نظيرة المعنى».

وصلة الإسلام كدين بالسياسة والحكم وفق ما تقدم، هي صلة وثيقة. ولتأكيد هذا المعنى يستعيد البنّا مقالة أبو حامد الغزالي الذي يقول فيها: «اعلم أن الشريعة أصل، والملك حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع». ليفيد من هذه الاستعارة أن الإسلام بلا سلطة سياسية معرض للضياع، وذهاب أثره في الحياة، وأن السلطة هي بمثابة الحارس الحامي للدين، والذي تقر سلطانه، وتنفّذ أحكامه. وفي المقابل فإن سلطة بلا أصل لهما من قواعد العدل والإنصاف ورفع الظلم مآلها إلى الهدم والزوال.

ولذلك فإن الأصل لدى البنّا هو الوصل بين الإسلام والسياسة نظريّاً وعمليّاً، مخطِّئاً كل الداعين إلى الفصل بينهما على أي مستوى، معتبراً أن دعوى الفصل/العلمانية «أول الوهن وأصل الفساد».

وهذه الصلة التي خُطَّت تحت عنوان "الإسلام دين ودولة"، غَدَت شعاراً للجماعة، وثابتاً مسلَّماً به في كتابات "الإخوان المسلمين"، ولا يغادر موقفهم، وحجاجهم في المسألة، وما أوجزه حسن البنّا. وكان أكثر من وسّع في الشرح منهم عبد القادر عودة، ويوسف القرضاوي. يقول عبد القادر عودة: «الإسلام ليس ديناً فحسب، وإنما هو دين ودولة، وفي طبيعة الإسلام أن تكون له دولة...، فكل أمر في القرآن والسنة يقتضي تنفيذه قيام حكم إسلامي ودولة إسلامية تقوم على أمر الله...، إذ إن الإسلام لا يمكن أن يقوم على وجهه الصحيح في ظل دولة غير إسلامية...، إنما يقوم الإسلام على وجهه الصحيح في ظل دولة تقوم على مبادئ الإسلام، وتتقيّد بحدوده».

ويقول القرضاوي في ذلك يقول: «إن تاريخ الفكر الإسلامي في عصوره المختلفة، لم يعرف أحداً من رجاله، من أي طائفة كانت، من المتكلمين، أو الفقهاء، أو الأثريين، أو المتصوفة، أو حتى من الفلاسفة، نادى بفصل العقيدة عن الشريعة، أو الدين عن الدولة، أو الرسالة عن الحكم». ويقول: «والإسلام ـ كما شرعه الله، وكما بلّغه رسوله ـ لا بد أن يكون سياسيّاً، لأن شريعته شريعة شاملة، والفقه الإسلامي تناول الحياة كلها، من أدب قضاء الحاجة إلى بناء الدولة، واختيار الخليفة».

وسواء انطلقت تلك الرؤية من معطى فكري يتعلق بشمولية الإسلام، أو من معطى التدافع الثقافي وازدياد النزعة "التغريبية" العلمانية التي تدعو إلى فصل الدين عن الدولة، إلا أن مَرْكَزَة المسألة السياسية لدى الحركة الإسلامية "الأم"، أدت إلى بروز نزعة التسييس، وإعلاء الشأن السياسي العملي في عموم الفكر الإسلامي وتياراته وحركاته.

والسؤال ما هي صورة النظام السياسي الذي يريده البنّا؟.

 إن أكثر ما يستخدم البنّا للإشارة إلى هذا النظام هو مفردة "الحكم" ومشتقاتها، فيطلق "نظام الحكم"، و"الحكومة في الإسلام"، و"الحكم الإسلامي"، و"مسؤولية الحاكم"، ولا يشيع مصطلح "الدولة الإسلامية"، أو "الخلافة الإسلامية" في متن نصه إلا لِمَاماً. وعليه فإن مفهوم الدولة لديه يقترب من الدولة باعتبارها الحكومة، أي مجموعة القيادات والأفراد الذين يتولون مواقع اتخاذ القرار، وسلطاته في النظام السياسي. وهذا لا يعني نفيه للبعد القانوني والدستوري للدولة، فقد ناقش مسألة الدستور، وله فيها آراء كما سيظهر، وحافظ على نظرته للدولة باعتبارها نظاماً معياريّاً متكاملاً للقيم الإسلامية، منوط بها حمل رسالة الإسلام ودعوته. ولكن البعدين القانوني والمعياري القيمي في تعريف الدولة منوط في نص البنّا "بالحكومة" بشكل أساس، لا بالدولة باعتبارها نظاماً مؤسسيّاً، وجهازاً إداريّاً ينظر إليه ككُليّة متجانسة.

وهذا لا ينفي تناوله لموضوعة "الخلافة" ولكنه تناول الموضوع كإعلان موقف، من موضوع هو محل نظر وجدل بين العلماء، وبعض الاتجاهات.

إن البنّا يعتبر نظام "الخلافة" الإسلامي، هو النظام الأساس في صورة حكم الإسلام السياسي، لأن الخلافة هي «رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها، والاهتمام بها».

وأما الخليفة فهو «مناط كثير من الأحكام في دين الله»، ونصبه واجب على المسلمين، بدليل جملة الأحاديث التي وردت في وجوب نصبه، وتفصيل ما يتعلق به.

وعليه فإن البنّا جعل من «فكرة الخلافة والعمل لإعادتها»، على رأس أولويات الإخوان المسلمين، ولكنـه يستدرك أن الأمر يحتاج إلى «كثير من التمهيدات التي لا بـد منهـا، وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لا بد لها أن تسبقها خطوات»، وأما هذه الخطوات فيفصلها البنّا على النحو التالي:

«لا بد من تعاون تام ثقافي واجتماعي واقتصادي بين الشعوب الإسلامية كلها، يلي ذلك تكوين الأحلاف، والمعاهدات، وعقد المجامع والمؤتمرات بين هذه البلدان...، ثم يلي ذلك تكوين عصبة الأمم الإسلامية، حتى إذا استوثق ذلك للمسلمين، كان عنه الاجتماع على "الإمام" الذي هو واسطة العقد، ومجتمع الشمل، ومهوى الأفئدة، وظل الله في الأرض».

إن حسن البنّا يصف الخلافة ويشير إليها بمفردات "الرمز"، و"الشعيرة"، و"المظهر". مما يفيد أن الوعي بالخلافة هو وعي رمزي ذو طابع تاريخي، ولا يَعِيَها باعتبارها تُجَسِّد عين نظام الإسلام السياسي وشكله الأوحد.

ونلاحظ أيضاً أن تصوره "للخلافة" هو تصور للنموذج التاريخي المتأخر عن عصر الخلافة الراشدة، أقصد النموذج التاريخي المتأخر الذي جمع بين دويلات وإمارات عدة، يعطون الولاء لخليفة المسلمين الرمز، وهو تصور يقاس على نمط الاتحاد الفيدرالي، وليس الاتحاد المركزي. ويتضح ذلك من تصوره لطريق الوصول إلى "الخلافة"، وهو طريق متدرِّج لاتحاد شعوب المسلمين و"أممهم" وصولاً إلى الخلافة الجامعة. ويبدأ ذلك من التعاون، ومن ثم عقد المعاهدات والأحلاف، وصولاً إلى اتفاق على تشكيل عصبة مشتركة للأمم الإسلامية، حتى إذا ما قويت هذه العصبة، اجتمع الجميع على خليفة واحد.

إن أطروحة "عصبة الأمم الإسلامية" باعتبارها تتويجاً لمرحلة ما قبل "الخلافة"، يمكن اعتبارها تراجعاً في حركة الفكر الإسلامي عن فكرة "الجامعة الإسلامية"، التي دعا إليها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، إنقاذاً للخلافة العثمانية من أحوالها المتردية، وحفاظاً على رمزيتها الإسلامية، كعنوان جامع لعموم المسلمين. وتتجاوزها إلى اشتقاق أطروحة خاصة بالمسلمين تناظر "عصبة الأمم المتحدة".

ونلاحظ أن البنّا ينطلق من حس مغرق في واقعيته، ليتمثّل صعوبة ولادة هذا الشكل السياسي (الخلافة)، لينطلق مما هو راهن، من واقع التجزئة، وتوزّع المسلمين بين "أمم"، و"شعوب"، و"حكومات"، "وممالك".

ومع وعيه "بالواجب" الديني، إلا أنه ينطلق إلى الواجب من الممكن الذاتي والموضوعي، بل مارس منهجاً سيكون جوهر توجّه جماعته لاحقاً في كل مواقفها، وتحديداً تجاه المسألة السياسية والعلاقات السياسية، وهو منهج "أداء الواجب في حدود الإمكان"، الذي جعل جماعة الإخوان المسلمين العنوان الأبرز في "التوفيق" و"الجمع" بين الثابت والمتغيّر، والفكرة والمصلحة، والمبدأ والمنفعة، إن لجهة التوازن تارة، أو التفريط في الثابت والفكرة والمبدأ تارة أخرى بحسب المخالفين، أو الإفراط في المتغيِّر والمصلحة والمنفعة في أطوار عدة.

إن لا مركزية الخلافة في وعي البنّا السياسي، وتقدُّم صورة "الحكومة الإسلامية" الحقيقية، والسعي لإقامتها، لا يشير إلى مفارقة جوهرية في الموقف من الشريعة، وإقامة حكم الله، وهو الأمر الذي يشكِّل قوام أية سلطة تنتسب إلى الإسلام أيّاً كان مسمَّاها وشكلها الإداري. «أما على صعيد حدود الولاية، ومجال السلطان، أي ما يمكن أن نعبّر عنه ـ بلغة معاصرة ـ باسم الجغرافيا السياسية للدولة، فثمّة قطيعة حقيقية لا يسع الباحث نكرانها» بين مفهومي "الحكومة الإسلامية"، و"الخلافة الإسلامية"، بل يمكن اعتبار البنّا هو مؤسس مفهوم "الدولة الإسلامية" الحديث، بعد انهيار سلطان "الخلافة" التاريخي في العام 1924م. وليس قول البنّا و"الإخوان" أن مسألة إعادة الخلافة في رأس مناهجهم إلا على سبيل التذكير بالواجب ذو الثقل التاريخي في وعي المسلمين الجمعي لرمزية الخلافة أكثر من كونه هدفاً مركزيّاً، أو استراتيجيّاً "للإخوان" يُبنى عليه برنامج عمل لتحقيق هذا الهدف. ذلك لأن "الإخوان" يريدون حكم الشريعة، وتحقيق واقع يحكمه نظام سياسي "إسلامي" يسهر على حماية المسلمين، ويطبِّق أحكام الإسلام، دون اعتبار يذكر لشكل هذا النظام، أو مسمّاه، وهذا عين ما يصرّح به البنّا من أن المهم هو المضمون، وليس الأسماء أو الأشكال، وتعامله مع الخلافة كشأن رمزي، وفي الوقت ذاته فهي صعبة المنال والتحقق، وطريق إقامتها طويل وشاق.

وأما تصور حسن البنّا لقواعد نظام الحكم في الإسلام فهو يتعلق بمضمون هذا النظام لا بشكله أو مسمّاه، لأن الإسلام - حسب البنّا- لا يتدخل في تفاصيل وجزئيات هذه الحياة، وخصوصاً في الأمور الدنيوية البحتة، وإنما في المسألة السياسية بما هي اشتغال في القيام على الدنيا بما يصلحها «إنما يضع القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشؤون، ويرشد الناس إلى الطريق العملية عليها، والسير في حدودها». ولأن نظام الإسلام «لا يعنيه الأشكال ولا الأسماء متى تحققت هذه القواعد الأساسية التي لا يكون الحكم صالحاً بدونها، ومتى طبقت تطبيقاً يحفظ التوازن بينها ولا يجعل بعضها يطعن على بعض».

وأما هذه القواعد والدعائم التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام كما يراها البنّا فهي ثلاثة:

 «أ ـ مسؤولية الحاكم. 

ب ـ وحدة الأمة.

ج ـ واحترام إرادتها».

ومن هذه الدعائم يتبين أن الدور الأساس داخل النظام السياسي الإسلامي لدى البنّا هو "الأمة"، فهي صاحبة الشرعية، وإليها الأمر، والأمة هنا، هي جمهور الناخبين في القطر الواحد الذي ينصّب الحاكم المسلم. وهذا الرأي يخالف التصّور الفقهي السلطاني من مساواة الخلافة بالخليفة، أي اعتبار الخلافة بمثابة نظام رئاسي، وينتقل البنّا بالنظام السياسي الإسلامي إلى مرتبة النظام المؤسسي بغض النظر عن الفرد أو الحاكم.

  وتقدُّم "الأمة" على الحاكم يتَّضِح بشكل جَلِيّ من خلال تلك الدعائم التي نص عليها كقواعد لنظام الحكم، فدعامة مسؤولية الحاكم يعني بها أن الحاكم «مسئولاً بين يدي الله وبين الناس، وهو أجير لهم وعامل لديهم». معتبراً أن العلاقة بين الحاكم والناس (الأمة/ الشعب) ما هي إلا علاقة "تعاقد" على رعاية المصالح العامة من قبل الحاكم، فإن أحسن فله أجره، وأن أساء فعليه عقابه. وهذا التصوُّر يختلف فيه البنّا عن "التحريريين"، فالنبهاني يضع السلطات المطلقة كلها بيد الخليفة وفاءً بإنفاذ الشريعة وتطبيقها، في حين يسعى "الإخوان" في دولتهم المنشودة إلى سحب الصلاحيات كلها من يد رئيس الدولة منعاً للطغيان أو إمكانه.

ويرى البنّا وفق تصوره لموقع الرئيس من الدولة وعلاقته "بالأمة" أن الإسلام «أفضل وأعدل تفسير لنظرية العقد الاجتماعي» في الفكر الأوروبي، مستنداً وفق هذا الشاهد إلى المرجعية الغربية في أصل العلاقة بين الحاكم والمحكوم على الصعيد السياسي.

وأما الدعامة الثانية التي هي "وحدة الأمة" فذلك «لأن الأخوّة التي جمع الإسلام عليها القلوب أصل من أصول الإيمان، لا يتم إلا بها، ولا يتحقق إلا بوجودها». ولكن هذه الوحدة التي جعلها البنّا أساساً لنظام الحكم لا تحوْل دون حرية الرأي أو الخلاف، فالخلاف في الفروع لا يستوجب الخصومة والبغض، ويمكن حلّه بالدليل وإلا ـ إن لم يجد دليل ـ فإن ولي الأمر هو صاحب القرار الذي يجمع الأمة عليه. وهنا يذهب البنّا مذهب القائلين «أن رأي الإمام يرفع الخلاف»، وأنه عنوان وحدة الأمة ورمزها.

ويكرّس البنّا في دعامة الحكم الثالثة محورية الأمة بنصّه على «احترام إرادة الأمة»، لأن من حق الأمة أن تراقب الحاكم، وتحاسبه، وتعزله، كما من حقها «أن يشاورها، وأن يحترم إرادتها، وأن يأخذ بالصالح من آرائها»، مستشهداً بالمرجعية القرآنية، وآيات الشورى على ذلك. لكن البنّا لم يقرر إلزامية هذه الشورى للحاكم بقوله «وأن يأخذ بالصالح من آرائها»، أي ما يراه هو صالحاً، ويفتح مجالاً ـ بمفهوم المخالفة ـ للحاكم أن يَرُد ما لا يعتبره معبِّراً عن الصلاح والمصلحة وفق رأيه، مع إقراره بأن مشاورة الأمة هو واجب لازم أمر الله به الحاكم.

واستطراداً على هذه الدعامة الثالثة، وضَّح البنّا مفهومه «لاحترام رأي الأمة»، وتحديداً في مسألة الشورى بأن الأمر لا يستدعي وفق التصور الإسلامي استبانة رأي جميع أفراد الأمة في كل نازلة، رافضاً فكرة الاستفتاء العام وفق الاصطلاح الحديث، معتبراً أن الإسلام «اكتفى في الأحوال العادية بأهل الحل والعقد». وهو بذلك يذهب مذهب السنهوري في تحديد مفهوم الناخبين بأهل الحل والعقد. وهذه الفئة وفق البنّا تتشكَّل من ثلاث فئات ينطبق عليهم هذا الوصف، وهم:

«1ـ الفقهاء المجتهدون.

 2ـ أهل الخبرة في الشؤون العامة.

 3ـ من لهم نوع قيادة أو رئاسة في الناس، كزعماء البيوت والأسر وشيوخ القبائل ورؤساء المجموعات».

يتبدى مفهوم القيادة لدى "الإخوان المسلمين" أقرب إلى مفهوم النخبة أو الطليعة. فمبدأ «احترام إرادة الأمة» الذي تحدث عنه البنّا لا يتم تحقيقه بمبدأ انتخاب عام وشامل. وبذلك نرى أن عضوية أهل الحل والعقد محدودة ولا تتطلَّب تطبيق مبدأ الانتخاب، مع أن حسن البنّا يعتبر أن الإسلام لا يرفض مبدأ الانتخاب طالما يؤدي إلى اختيار أهل الحل والعقد إن كان يحول دون ظهور أية جماعة أخرى لتمثيل الأمة نفسها.

وفي الحقيقة أن هذا التوجه الفكري يُعتبر معارضاً لمبدأ الانتخاب لأنه يحدد مسبقاً النتائج التي يجب أن يؤدي إليها مبدأ الانتخاب، وربما يكون منشأ هذا التوجه الرغبة في الحفاظ على "إسلامية" قوانين وأعمال أي جهة تشريعية يتم انتخابها، بشكل مسبق.

وتجدر الإشارة إلى أن جَعْل "الأمة" قاعدة الحكم الإسلامي لدى البنّا، يمثّل تطوراً في موقع "الأمة" التي تُرادِف لديه الشعب أو الجمهور بالمعنى (القومي، والقطري) الحديث، وذلك بتقديم "الأمة" على الحاكم، الذي هو "الخليفة" في النص السلطاني والفقهي، والذي كان يحوز على كل الصلاحيات حتى غدا مالكاً للسلطة و"الأمة" (رعيته) معاً، إلا أنه لم يقدّم "الأمة" على الدولة بل قدّمها على الحاكم، وعند قضية تمثيل "الأمة" جعله فقط في اختيار أهل الحل والعقد، دون الانتخاب الحر الشامل لممثليها، وفي الوظائف قَصَر "نشر الإيمان"، الذي هو "حفظ الدين" والدعوة إليه على الدولة، وهي وظيفة "الأمة". وبشكل عام فإن الفكر الإسلامي الحديث ربط قوام "الأمة" وتحقُّق وجودها التام بالدولة، في حين أن الإسلام عندما جاء بأمة "الأمة" لم يقرنها بحتمية نظامية معينة ومن هنا صارت قيمة عليا ثابتة لا تحبسها أطر سياسية جامدة. وبقاء أمة القرآن هو ببقاء النص المقدّس الذي أنشأها، «أما اختفاء الإمام فهو أمر وإن أضعف وحط من فاعلية الأمة... إلا أنه مع ذلك لا ينفي وجودها».

إن الأمة "كيان حيوي يتمتع بذاتية واستقلالية" بغض النظر عن المظهر النظامي أو المؤسسي له. إن الذي كفل استمرارية الأمة طبيعة التنشئة الإسلامية ذاتها، والأصول المرتبطة بها، حتى وإن كانت العلاقة بين الأمة ككيان جماعي والخلافة كرمز لهذه الجماعة وأداتها التنفيذية، وهي علاقة تدعيم وتكامل، إلا أننا نرى أن الخلافة أو النظام السياسي لا ينشئ الجماعة السياسية التي تتمثل في الأمة، لأن الأمة قائمة وهي الأصل. وهي التي تستطيع أن تفرز الأطر النظامية دون أن تكون حبيستها، وهذا ما يعبر عنه بوصف العلاقة بين الأمة والقرآن، بأن الأمة هي وعاء القرآن، أو على حد تعبير "لوي غاردية" أن الإسلام هو الأمة.

وبالإضافة إلى ارتباط "الأمة" بالإسلام كدين، فهي مرتبطة بتحققها بتجربة الإسلام التاريخية، وهي قائمة وفق جدل العلاقة المتداخلة والمتساندة، بين «المعنى الديني والمعنى الاجتماعي التاريخي للأمة، في التكوين النفسي الثقافي الذي تحمله المجتمعات العربية من تاريخها الطويل، القديم والحديث. فالمعنيان يتداخلان ويتساندان، بحيث أن ما يفتقر إليه المعنى الديني من تجاوب وتطابق في الواقع القائم يوفره بشكل ما المعنى الاجتماعي التاريخي، وأن ما يفتقر إليه هذا الأخير من عمق تراثي ودفع صوفي يقدمه المعنى الديني، بشكل صريح أو ضمني، من هنا الغني الهائل المخزون في لفظ الأمة».

حكومة إسلامية لا دينية

بعد أن بيّنا أن إقامة نظام الحكم الإسلامي كما هو عند البنّا واجب ديني وضرورة اجتماعية طبيعية، نحاول رصد وظائف هذا النظام السياسي الإسلامي، سواء كانت وظائف دنيوية أو دينية.

يؤكد البنّا أن الوعي بطبيعة الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين والبيعة لمرشدها تلتزم فهم أمور عديدة منها، المهام المنوطة بنظام الحكم الإسلامي وواجباته، والذي لا يكون إسلاميّاً بحق إلا إذا حققها، فيقول: «والحكومة الإسلامية...، منفِّذه لأحكام الإسلام وتعاليمه...، ومن واجباتها صيانة الأمن وإنفاذ القانون، ونشر التعليم، وإعداد القوة، وحفظ الصحة، ورعاية المنافع العامة، وتنمية الثروة وحراسة المال، وتقوية الأخلاق، ونشر الدعوة، ومن حقها ـ متى أدت واجبها ـ الولاء، والطاعة، والمساعدة بالنفس والأموال، فإذا قصّرت، فالنصح والإرشاد، ثم الخلع والإبعاد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».

وفي سياق دعوته لإقامة "الدولة الإسلامية" الحرة في مصر، حدد البنّا مهامها، بأن «تعمل بأحكام الإسلام وتطبِّق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القويمة، وتبلغ دعوته الحكيمة للناس»، وفي ندائه للشباب يؤكد سعيه لإقامة "الحكومة الإسلامية"، «التي تقود الشعب إلى المسجد، وتحمل به الناس على هدي الإسلام»، رافضاً الاعتراف بأي نظام حكومي لا يستمد وظيفته من الإسلام.

ويتضح من نص البنّا أن وظيفة الدولة/ الحكومة، وواجباتها يمكن أن نلخّصها بـ"تحقيق الأمن، ونشر الإيمان". والشق الأول من تحقيق الأمن يتعلَّق بشتى الجوانب الدنيوية، من تحقيق التنمية المنشودة، والإصلاح الشامل، ونشر التعليم، وتنفيذ القانون ورعاية المنافع العامة، وغير ذلك من مصالح الاجتماع السياسي الشامل للناس.

والشق الثاني الذي يتكرر في نص البنّا وأسميناه "نشر الإيمان"، ويسميه بنشر الدعوة، والإعداد للجهاد، وكلتا المهمتين لا تتم إلا على أساس الإسلام وهديه وشريعته، ذلك لأن مهمتها الرئيسة هي تطبيق الشريعة، وإقامة العدل، ورفع الظلم.

إن الدولة/الحكومة ـ حسب البنّا ـ هي الدولة التي تشهد على إقامة الشرعية الإلهية، ونشر الدعوة، وعليه فهي دولة رسالة، وهو ما يؤكد أن لها وظيفةً دينيةً خالصةً بالإضافة إلى مهامها الدنيوية، ولكن هل هذه المهمة الدينية تجعلها دولة دينية، أو أنها تمارس سلطتها باسم الله والدين؟.

وتبدو مهمة الدولة في نشر الإسلام وتبليغ دعوته الحكيمة للناس، وهداية الناس جميعاً ـ برأي البنّا ـ شرط من شروط إسلامها الصحيح، وإيمانها الصادق، وإن من واجبها بمقتضى إسلامها «أن تدعو الدنيا باسم الإسلام...، وأن تسوقها سوقاً إليه». وهذه الوظيفة تتجاوز الوظيفة التي نُصَّ عليها في المرجعيتين الفقهية والسلطانية وهي أن من وظيفة الإمامة أو الخلافة «حفظ الدين وسياسة الدنيا به»، ذلك لأن نشر الدعوة وهداية الناس لا يقف عند حدود حفظ الدين، وتطبيق أحكامه، وإنفاذ حدوده، بل تتجاوز ذلك إلى الدعوة لدخول الناس في الدين الإسلامي. وباعتبار دولة البنّا دولة دعوة ورسالة، وحاملة رسالة إلى العالم، يلجأ من خلالها إلى القياس على تجارب غربية ليتساءل: «عجيب أن تجد الشيوعية دولة تهتف بها، وتدعو لها، وتنفق في سبيلها، وتحمل الناس عليها، وأن تجد للفاشستية والنازية أمماً تقدِّسها، وتجاهد لها، وتعتز باتباعها، وتخضع كل النظم الحيوية لتعاليمها...، ولا تجد حكومة إسلامية تقوم بواجب الدعوة إلى الإسلام، الذي جمع محاسن هذه النظم جميعاً وطرح مساوئها، وتقدِّمُه لغيرها من الشعوب كنظام عالمي فيه الحل الصحيح الواضح المريح لكل مشكلاتها»، مؤكداً أن هذه الدعوة إلى الإسلام هي «فريضة لازمة، وأوجبها (الإسلام) على المسلمين شعوباً وجماعات قبل أن تُخْلَق هذه النظم».

والسؤال الذي نطرحه: من المسؤول عن حماية الإسلام، أو «حفظ الدين» بمصطلح التراثيين؟ هل هي الأمة أم الدولة؟، ولماذا لم يَضِعْ الإسلام وحافظ المسلمون على إسلامهم رغم غياب دولتهم؟ إن علاقة الأمة بالدعوة أقوى من علاقة الدول بالدعوات وإن عملت الدول على جلب المنافع ودفع المضار، ولكن البنّا يختزل الأمر في الدولة كممثل شرعي للإسلام، ففي رسالته التي وجهها إلى الملك فاروق الأول وإلى العرب والمسلمين وزعمائهم وقادتهم، في العام 1366 هـ يؤكد على «اعتبار الدولة ممثلة للفكرة وقائمة على حمايتها، ومسئولة عن تحقيق أهدافها في المجتمع الخاص، وبلاغها إلى الناس جمعياً».

ولكن ما سبيل الدولة/ الحكومة إلى القيام بهذه الدعوة، هنا تأتي المسألة الأهم وهي قضية الجهاد، ذلك أن البنّا يعتبر الجهاد والإعداد له من أهم وظائف الدولة، وأما غاية هذا الجهاد فتبدو جليَّة في هذا النص الذي يقول فيه البنّا:

«)وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(، ويوم قرر الإسلام هذا، قرر الطريق العملي إلى حماية هذه الحرية، فافترض الجهاد بالنفس والمال، وجعله فرض كفاية لتأمين الدعوة. وفرض عين على أبناء الأمة كلهم، لرد العدوان عن الوطن، إذا واجهته قوات الغزاة من غير المسلمين»، ويقول في موطن آخر: «نحن نريد...، الدولة التي تقود الدول الإسلامية...، ثم تحمل علم الجهاد ولواء الدعوة إلى الله، حتى تُسعد العالم بتعاليم الإسلام».

وبذلك فإن الجهاد الذي ستغزو به الدولة الإسلامية العالم من جديد، وتفتح أقطار الدنيا هو لنشر الدعوة وحمايتها، ولكن البنّا يوافق في بيان وظيفة الجهاد الرأي القائل أن الجهاد لا يقوم به الأفراد أو الهيئات، بل «الحكومة هي المسئولة عنه أولاً وآخراً...، وهذا واجب الحكومة قطعاً»، ويوافق الاتجاه الفقهي التقليدي في تقسيم الجهاد إلى جهاد هجومي، وهو "فرض كفاية" يقوم به الجيش في الدولة الحديثة، وليس فرضاً على كل الأفراد. وجهاد "فرض عين"، ويتحقق في حال هوجمت الدولة الإسلامية وأراضيها، ويسمى الجهاد الدفاعي.

حرص البنّا في دعوته لنظام الحكم الإسلامي أن ينفي عنه ظلال الحكم الديني الذي مارسته الكنيسة الأوروبية، معتبراً أن مصطلح "رجال الدين" هو مصطلح غربي سرى إلينا تقليداً لهم، وهو من التعبيرات التي «لا تنطبق ولا تتفق مع عُرْفنا، فإنها إن كانت في الغرب خاصة "بالإكليروس"، فإنها في العُرْف الإسلامي تشمل كل مسلم، فالمسلمون جميعاً من أصغرهم لأكبرهم "رجال دين"». ويشير البنّا إلى أن الكنيسة الأوروبية بعدما هُزمت من قبل الدولة القومية في أوروبا تمَّ إلزام رجالها المعابد والأديرة، وحصر عملهم في «نطاق ضيق من شؤون الحياة، لا يخرجون عنه، ولا يتطلَّعون إلى سواه، ولم تُبْق أوروبا على المسيحيين إلا كتراث تاريخي»، وهذا الوصف كما يبدو، وبغض النظر عن مدى دقته، يخالف تصور البنّا لدور "رجال الدين" في الإسلام، أو لطبيعة الإسلام التي تشمل الدين والدنيا.

وتبقى مسألة نفي طبقة "رجال الدين" في الإسلام ليست كافية في ظننا لاستبعاد صفة الدولة الدينية عن نظام حكمه. ولكن ما ينفي ذلك هي طبيعة الحكومة الإسلامية التي نادى بها البنّا والتي اقتربت في شكلها إلى نموذج الحكم النيابي المدني، القائم على وجوب الشورى، وحرية الاختيار، والانتخاب، ونيابة الحاكم عن الأمة، وغيرها من القواعد.

مرجعيات

نلاحظ من تتبع نمط الاستشهاد والحجاج لدى البنّا في نصه السياسي ـ مع قلّة الشاهد ـ، أنه يلجأ إلى الاحتماء بالمرجعية النصيّة، ممثلة بنصّي القرآن الكريم والسنة النبوية، في المرتبة الأولى، وبشكل أساس ومباشر، سواء في عناوين النصوص والمقالات، أو في متن النصوص. وهذا التوجّه ينص عليه البنّا بالقول: «القرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرّف أحكام الإسلام». وذلك دون المرور بالواسطة الفقهية أي المرجعية الفقهية ممثلة بأقوال الفقهاء. وهو الأمر الذي نقع عليه لدى عموم الحركة الإسلامية. إذ نجدها تنهج أسلوب التلقي المباشر من النصوص التأسيسية للدين، لأن النص الحركي الذي أسسه حسن البنّا، واقتفى أثره الإسلاميون، هو في جوهره نص اعتراضي ـ سواء من جهة الأهداف، أو الحراك، أو الموقف ـ على المؤسسة الفقهية التقليدية. وهذا لا يعني بالضرورة إهمال المرجعية الفقهية، بل هي تأتي في مرتبة متأخرة، ويتمُّ الرجوع إليها حال الحاجة إلى استثمارها في تأكيد التوجّه المطلوب تبنيه وإثباته باعتباره موقفاً أو رأياً شرعيّاً، يحمل القدر الكافي من الصواب والحقيقة حتى يتبناه الأتباع. وأولوية المرجعية النصيّة تتمُّ بآلية الاستشهاد المباشر لدى البنّا، دون حاجة في أغلب الأحيان إلى شرحها، أو بيان أوجه تفسيرها. إذ يتمُّ التعامل مع معناها الذي يتلقاه المتبّع أو المتلقي باعتباره معنىً منجزاً وواضحاً. حتى أن البنّا لا يأتي بتفاسير المفسرين لهذه الآيات لأن وضع الدليل النصّي في هذه الحالة في معرض التأويل الظنّي، باختلاف الآراء في تفسيره، يضعف غرض الاستشهاد به، وهو الجزم على ما سبقه أو لحقه من رأي. ويتحول النص هنا بمثابة الشاهد على صدق وشرعية الموقف والرأي المتخذ، وليس العكس، أي يغدو النص متخلفاً عن الرأي لا سابقاً له ومؤسساً لمعناه.

وتَظهر تلك الآلية سواء في مقدمة النصوص أو متنها أو خاتمتها، وبلا تعليق يُذكر على معناها. وسنأخذ نصَّاً تناول فيه البنّا شكل العلاقة المستوجبة على عضو "الجماعة" داخل الاجتماع السياسي للمسلمين، كعينة تحليلية لهذا المنهج.

 يقول البنّا في معرض بيان معنى صفة التجرّد التي هي ركن من أركان البيعة العشرة، لكل شخص يريد أن يلتحق بجماعة الإخوان المسلمين وأن يتّصف بها:

«وأريد بالتجرّد، أن تُخْلِص لفكرتك من ما سواها من المبادئ والأشخاص، لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها. )صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً(. )قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ(. والناس عند الأخ الصادق واحد من ستة أصناف، مسلم مجاهد، أو مسلم قاعد، أو مسلم آثم، أو ذمي معاهد، أو محايد، أو محارب. ولكل حُكْمه في ميزان الإسلام، وفي حدود هذه الأقسام توزن الأشخاص والهيئات ويكون الولاء أو العداء».

في البداية نلاحظ كيف تمَّ وضع الآيات دون شرح لها أو تفسير لمعناها، وواضح أن الغرض المستور من الإتيان بالآيات كشاهد هو إثبات ما تقدم من رأي، وما ألحقه خلف الآيات من رأي سطّره في شرح معنى صفة التجرّد.

وتبدو المشكلة الكبيرة هي مدى مطابقة الشواهد ودلالاتها على المعنى الذي أراده فيما نص عليه. وهو دعوة عضو الإخوان إلى أن يخلص للجماعة ومبادئها، ويقدمها على ما دونها من المبادئ والأشخاص والأفكار والهيئات، بدعوى أنها أسمى وأرفع من غيرها. وما زلنا هنا نتحدث عن دعوة جماعة الإخوان بصفتها جماعة حزبية لديها اجتهاد خاص في مقاربة الإسلام وطبيعته وأهدافه، إلى جوار العديد من الجماعات والأحزاب والدعوات والهيئات. والمقصد نجمله بما نطلق عليه "النقاء الفكري والتنظيمي"، الفكري لجهة المبادئ والقناعات والتصورات، والتنظيمي لجهة العلائق والصلات.

وإذا كانت الآية الأولى التي تمّ الاستشهاد بها تتحدث عن صبغة الله التي هي بتفسير العلماء دين الحنيفية السمحة، دين الفطرة السوية، دين الله الحق والخاتم، الذي هو الإسلام عقائديّاً لا تشريعاً، والذي سار على هديه كل الأنبياء كما في سياق الآيات السابقة على الآية محل الشاهد، من لدن نوح إلى إبراهيم وذريته من الأبناء الآخرين، وصولاً إلى موسى وعيسى. فما هي الصلة بين ما سبق ودعوة الإخوان؟، هل هي صبغة الله؟، أم هي اجتهاد خاص داخل مجتمع المسلمين؟. وهل انتسابها إلى الإسلام ديناً يعطيها تلك الصفة حتى تغدو تمثّل صبغة الله؟. وما الذي يمثله باقي المسلمون والجماعات الإسلامية الأخرى إذاً؟.

إن الآية وفق سياقها تتحدث عن دعوة البعض للمسلمين أن يكونوا يهوداً أو نصارى كي يكونوا مهتدين، والقرآن يؤكد أن هذا قول المشركين، وأن إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً بل حنيفاً مسلماً. وتلك هي صبغة الله. فكيف بجماعة إسلامية لا تقف في مواجهة جبهة من المشركين بل هي في مجتمع إسلامي، يجاورها فيه العديد من الاجتهادات الحزبية الإسلامية الأخرى، وأيّاً كانت درجة إسلام المجتمع، أو صواب وخطأ الاجتهادات الأخرى فإنه لا يُحكم عليه بالشرك، أو أن توضع قواعد الولاء والعداء على أساس ذلك.

وضمن السياق نفسه تأتي الآية الثانية التي أُهملت دونما أي تعليق أو إشارة، لتعزّز المعنى المقصود نفسه من قبل البنّا عن التجرد. تحذِّر الآية ـ وحسب سياقها ـ المسلمين من أن يتخذوا أعداء الله أولياء لهم فيقومون بمودتهم، وهم من كفروا بالله وأخرجوا النبي والمسلمين من ديارهم ويحرصون أن يعود المسلمون كفاراً، وإن ظفروا بهم بطشوا بهم وآذوهم، وهنا يأتي الله جلَّ وعلا بقصة نبيه إبراهيم المؤمن ـ عليه السلام ـ مع أبيه المشرك كنموذج لعدم طاعة أي إنسان ولو كان الأب إذا ما دعا إلى الكفر بالله ومعصيته. وأن العلاقة في هذه الحالة تكون قاعدتها العداوة والبغض للكفر ودعاته.

والسؤال هنا: ما صلة معنى الآية بصفة تجرد العضو "الإخواني"، هل الإخوان يعيشون داخل مجتمع كافر، وهل من أحد يدعوهم إلى الكفر؟. إن البنّا لم يُكمل الآية التي تقول: )إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ(، والتي تأسِّس لعلاقات من الصحبة الحسنة مع أولئك المشركين إذا ما كانوا من الأقرباء كالآباء، ليقدم نموذجاً رائعا في رحمانية الاجتماع الإسلامي، ولا يؤسس للقطيعة التامة. وهو ما أفادته الآية التي تتحدث عن الوالدين الكافرين: )وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا(.

ثم نتساءل ما الأثر النفسي الذي ستتركه تلك الآيات على نفس "الإخواني" ومواقفه تجاه عموم المسلمين داخل المجتمع، وهو مطالب بالتجرد لدعوة الإخوان، ألا يؤسِّس هذا السياق النصي بشواهده للعداوة والبغضاء كما تطالب الآية؟، ولكن، للمسلمين ممن هم ليسوا من "الإخوان"!، وأي عزلة شعورية، واستعلاء تنظيمي وحزبي، وتفاصل علائقي داخل الاجتماع الواحد يؤسِّسه ذلك النص؟!

وإمعاناً في ترسيخ هذا الاستعلاء وتلك القطيعة، يقوم النص بتقسيم عموم الناس داخل المجتمع إلى أصناف ستة، وهو تقسيمٌ على "الإخواني" الإلتزام به، ويحدد علاقته ومواقفه وفقه، وإلا فهو لن يتَّسم بصفة الصدق، ولا يكون جديراً بصفة "الأخ الصادق". وهذه الأصناف تتوزع على المسلمين، ومنهم المجاهد والقاعد والآثم، والذمي، ومنهم المعاهد والمحايد والمحارب. وكي لا نطيل الوقوف عند هذا الشاهد نختم بالتساؤل: كيف يتصرف "الإخواني" تِجاه المسلم المجاهد الصادق البَر، والذي لا ينتمي إلى جماعة الإخوان؟، أو تِجاه جماعة تتَّصف بهذه الصفات وتخالف في الوقت نفسه اجتهادات "الإخوان" في النهج السياسي أو أية قضايا أخرى؟.

المرجعية الأخرى الظاهرة والثاوية في متن نص البنّا هي التاريخية الخاصة بالمرحلة النبوية فالراشدة فالأموية والعباسية، ففي إثبات موجودية أركان نظام الحكم الإسلامي التي ذكرها، من مسؤولية الحاكم ، ووحدة الأمة، واحترام إرادتها، يأتي بالشاهد التاريخي من عهد الخلفاء الراشدين، بسرد أقوالٍ لعمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق، إضافة إلى عهد ولاية عمر بن عبد العزيز تؤكد مسؤوليتهم تجاه الأمة واحترام إرادتها.

والمرجعية الفقهية الخاصة بنتاج الفقهاء، سواء أكان هذا النِّتَاج تبياناً للأحكام المقررة، أو اجتهاداً مذهبيّاً خاصّاً، أو آراءً، وكل ذلك في المسألة السياسية. فيرجع مثلاً إلى أقوال الإمام الغزالي في طبيعة العلاقة بين الشريعة والمُلْك. ويشير إلى ما صنّفه أبو الحسن الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية"، وتقسيمه الوزارات إلى وزارتي تفويض وتنفيذ، ليقرر أن وزارة التنفيذ، التي تكون تابعة لرئيس الدولة، هي عين ما قرره دستور الولايات المتحدة الأمريكية من «تحّمل رئيس الدولة المسؤولية واعتبار الوزارة تابعة له في ذلك». واعتمد ونقل عن فقهاء عديدين من المذاهب كافة كالشافعي، ومالك، والنووي، وابن حزم، والشوكاني، وأبي يعلَى الفراء الحنبلي، والقلقشندى، وأبي يوسف، وأبي عبيد، ويحيى بن أدم، وغيرهم في قضايا عديدة.

والملاحظ أن جُلّ ما يُنقل عن الفقهاء في باب السياسة هي آراء لشكل ومسميات نظام الحكم في الإسلام، وليست أحكاماً شرعية، مستنبطة من الأدلة الأصولية، ضمن آليات الاستنباط المقررة لدي الأصوليين. وهو الأمر ذاته في المسميات التي يتواضع عليها بعض العلماء لبعض الأجهزة أو الهيئات السياسية كـ"أهل الحل والعقد"، أو "مجلس الشورى"، وغير ذلك.

وأما المرجعية الغربية فهي حاضرة في نص البنّا وبارزة، اقتباساً وشاهداً، تعديلاً لها وإضافة عليها وفق ما يرى فيها موافَقَةً للإسلام أو مُخالَفَةً له. ولكن وقبل عرض هذه المرجعية ومثالها، لنقف على رؤية البنّا للغرب والفكر الغربي ونتاجاته.

قدم البنّا في قراءته وتصوره للغرب عدة صور شكّلت لدى عموم الإسلاميين ساحة رحبة لتدافع رؤى مضطربة في الموقف والتقييم.

 فعلى المستوى الأخلاقي هناك الإدانة الواضحة لما عليه الغرب الأوروبي من مدنية مادية مفلسة أخلاقياً في كل مظاهر حياته ونظمه ومناهجه، وهي مادية تجسّد «طريق الشهوات والزخرف». وأن ما أنتجه المجتمع الأوروبي من مظاهر مادية بحته أدت إلى «فساد النفوس، وضعف الأخلاق، والتراخي في محاربة الجرائم». وبذلك فقد أثبتت هذه المدنية عجزها التام عن تأمين المجتمع الإنساني، وإقرار الطمأنينة والسلام، وإسعاد الناس، رغم حقائق العلم والمعرفة، والغنى والثراء.

 وعلى مستوى الموقف من العلاقات السياسية معه، ونزعته الاستعمارية، فقد اتسمت المقاربات بالمنزع النضالي والمقاوم، إذ لم تغب صورة هذا الغرب صاحب السياسات «الجائرة الطامعة»، الذي يظلم ويجور ويطغى. وفي هذا السياق يتمُّ استحضار ما عمد إليه الغرب الاستعماري من نشر موجة حياته المادية بمظاهرها الفاسدة في جميع بلاد المسلمين التي احتلها، في الوقت الذي حال فيه دون الأمم وعناصر الصلاح والقوة، من المعارف والعلوم والصناعات والنظم النافعة، وتمَّ ذلك بالدهاء السياسي والسلطان العسكري. وتمكّنه «من أن يغير قواعد الحكم والقضاء والتعليم، وأن يصبغ النظم السياسية والتشريعية والثقافية بصبغته الخاصة في أقوى بلاد الإسلام (مصر) ». وتمَّ أيضاً استحضار طرق الغزو الغربي للمجتمعات الإسلامية في التعليم والأخلاق والثقافة والفنون وهو «أخطر من الغزو السياسي والعسكري».

أما على المستوى الثقافي والعلمي فإن المقاربات عموماً أسّست للمنازع التوفيقية المضطربة، ورغم أن الغرب أنتج «المبادئ الهدامة»، من النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. إلا أن موجة التقليد الكبيرة للغرب داخل المجتمعات العربية والإسلامية التي رأت إغراء الغرب، سواء في بعض أوجه حياته وثقافته، أو تقدمه العلمي والصناعي دفعت البنّا والإسلاميين من بعده إلى إجراء تسوية ما قوامها "أخذ النافع وترك الضار".

 في الوجه الأول يظهر البنّا في موقفه الأصلي الثابت من أن طريق الإسلام وأصوله وقواعده وحضارته ومدنيته، هي طريق «عزة ومنعه وحق وقوة وبركة واستقامة وثبات وفضيلة ونبل» هو الطريق الذي يجب أن يُسْلَك، وأن توجّه له الأمة حاضراً ومستقبلاً، وأنه لا بد للعالم من السير في هذا الطريق الذي فيه حل لمشاكله. مصرّاً على «أن نبني حياتنا على قواعدنا وأصولنا ولا نأخذ من غيرنا، وفي ذلك أفضل معاني الاستقلال الاجتماعي والحيوي بعد الاستقلال في السياسة». وأن يتمَّ الابتعاد عن طريق الغرب «الجاهلي...، والمتآمر...، والمادي...، والمفلس»، الفاسد والاستعماري الذي لا يدين بدين الحق، بل وأن تُواجهَ موجه التقليد له، وأن تُدك صروح ماديته. وضمن هذا التوجّه الأصلي فإن البنّا لم يَرَ فرقاً ـ كحال الإصلاحية الإسلامية المتأخرة ـ بين السياسات الغربية الظالمة والثقافة الغربية، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة وتصدران عن المصدر نفسه، وبالتالي تملكان الطبيعة العدوانية والمخربة ذاتها.

في الوجه الآخر، نجد تحدي التقليد من أبناء المسلمين للغرب، ودعاوى توفُّر نظمٍ صالحة لدى الغرب وفق ما أشاع بعض المثقفين، دفع البنّا إلى الاستجابة لشيء من التسوية فيقول: «إن الإسلام لا يأبى أن نقتبس النافع وأن نأخذ الحكمة أنى وجدناها»، ولكنه يعود لتردده ليصل نصه مباشرة بالقول: «ولكنه يأبى كل الإباء أن نتشبّه في كل شيء بمن ليسوا من دين الله على شيء، وأن نطرح عقائده وفرائضه وحدوده وأحكامه، لنجري وراء قوم فَتنتهم الدنيا واستهوتهم الشياطين».

من هنا يمكننا قراءة مدى حضور المرجعية الغربية وتحديداً لجهة نُظُمها السياسية في نصّ البنّا، بين الأخذ بها تارة إلى حدود المطابقة، وبين حالات "التوقف والتبين" المتكرر، للقياس على الإسلام ومصالح المسلمين تارة أخرى.

 والمثال الأكثر وضوحاً في هذه المرجعية يتضح في نقاش البنّا لنموذج ونظام الحكم النيابي، إذ نجد «أن حسن البنّا كان إيجابيّاً تجاه مسألة الدستور والخيار السياسي النيابي، ودفع بحركة الإخوان المسلمين إلى المشاركة السياسية في الحياة العامة، بعيداً عن أفكار وخيارات العنف، وخاصة قبل تأسيس "التنظيم الخاص"...، غير أن موقفه الإيجابي ذاك، كان في جملة ما يعتقد أنه من صميم الإسلام، أي أن الدستور والتمثيل النيابي ليسا أفكاراً برّانية عن عقيدة الإسلام وشريعته؛ بل هما من تعاليمه حتى وإن بدا وكأن المسلمين يستقونهما من الغرب».

وتساءل البنّا في سياق بيان حكم الإسلام من النظام النيابي قائلاً: «إننا نقلنا هذا النظام النيابي، الذي تعيش حكومتنا في ظله، عن أوروبا. فإلى أي مدى ينطبق على الإسلام؟ وما الذي أفدناه منه منذ طُبَّق في عهده الأخير في بلادنا».

في البداية يقول إن النظام النيابي يقوم على مسؤولية الحاكم، وسلطة الأمة، واحترام إرادتها، وذلك وفق إقرار "علماء الفقه الدستوري"، وهي ذات الدعائم الثلاثة للحكم الإسلامي التي ذكرها سابقاً. كما يقوم على الحزبية، ولأن الحزبية في اعتقاده كما يقول: عرفاً وليست أصلاً في قيام هذا النظام، وأنه يمكن تطبيقه بدون هذه الحزبية وبدون إخلال بقواعده الأصلية السابقة.

لذلك، وبعدما قرر القرب إلى حد المطابقة بين النظامين يصل إلى نتيجة مفادها أن «ليس في قواعد هذا النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، ... وليس بعيداً عن النظام الإسلامي ولا غريباً عنه».

 ولأن الدستور المصري وُضع وفق هذا النظام النيابي، رأى البنّا «أن القواعد الأساسية التي قام عليها... لا تتنافى مع قواعد الإسلام، وليست بعيدة من النظام الإسلامي ولا غريبة عنه» أيضاً. وأنه لا يعاني إلا من قصور في بعض عباراته وسوء في التطبيق، وتقصير في حماية القواعد الأساسية التي جاء بها الإسلام وقام عليها الدستور. ويعرض البنّا لـ"مسؤولية الحاكم" مبيّناً اشتراك النظامين الإسلامي والنيابي في النظر إلى هذا الركن.

ولكنه ينتقد غموض الدستور بسبب عدم دقة وضبط عباراته، فيما يتعلق بسلطة الوزراء وصلتهم بالشعب، وإجماله إجمالاً مخلاًّ في بيان موقفه من رئيس الدولة و"مليك البلاد"، وأن ما جاء من نص يتعلّق بمسؤولية الوزارة باعتبارها السلطة التنفيذية كله غموض وعموم. ففي مادة يعلّق هذه السلطة بالملك، وفي مادة أخرى يعتبر مجلس الوزراء هو المهيمن وصاحب السلطة على مصالح الدولة، وأحياناً يجعل مسؤولية الوزراء أمام مجلس النواب وليس الملك. ليختم «أن هذه النقطة وهي لب الأمر تحتاج إلى إيضاح واستقرار، وهي القاعدة الأولى من قواعد "النظام الإسلامي" أو النيابي على السواء، وبغير ذلك لا يمكن أن تستقيم الأمور أو تسْلَم».

وفي حين أكد البنّا موافقة الدستور المصري في جوهره للتصور الإسلامي في الحكم بنصّه على أن "دين الدولة الإسلام"، إلا أنه نبّه إلى مخالفة بعض القوانين التي تسير عليها المحاكم مع ما جاء به الإسلام. وهذا التحفّظ على القوانين لا يخالف موافقته للدستور بل في هذا الموقف «تماسكٌ منطقي وانسجام مع المقدمات التي صدر عنها؛ فمتى اعتبرنا النظام الدستوري والنظام الإسلامي نظاماً واحداً، ساغ القول إن القوانين الموضوعة للتعبير عن مبادئ الدستور لا يمكن إلا أن تكون إسلامية، وإلا فهي لا تعبّر، في شيء، عن روح الدستور وقواعده».

أما العملية الانتخابية في النظام النيابي فقد نظر إليها البنّا باعتبارها تعبيراً عن احترام رأي الأمة، ووجوب تمثيلها، واشتراكها في الحكم اشتراكاً صحيحاً. ولكنه لم ينظر إلى هذه العملية كتعبير عن حق الترشّح والانتخاب الفردي، بقدر كونها آلية تنظيمية تساهم في اختيار "أهل الحل والعقد"، وتجسِّد النموذج التاريخي القائم على مفهوم الجماعة أكثر من "الفردَنَة". وفي هذا السياق غاب مفهوم الاستفتاء مثلاً عند البنّا باعتبار النواب هم من يمثلون الأمة ولا يصلح أن يُسأل الجمهور عن رأيه إلا عبر نوّابه.

ولا يقف البنّا كثيراً عند شكل هذه العملية الانتخابية إن كانت بطريقة مباشرة أو عبر مراحل، وإن كان له من اعتراض على نظام الانتخابات، فهو يتعلق بممارسته في الواقع المصري، والعيوب في التطبيق، تحقيقاً «لاختيار الصالحين للنيابة عن الأمة...، وتحقق فكرة تمثيل الأمة تمثيلاً صحيحاً». لأن قرارات البرلمان المصري «لا تعبر عن رأي الأمة ولا عن رأي أكثريتها، ولا عن رأي أقلية محترمة من أبنائها وإنما تعبر عن رأي نسبة ضئيلة من مجموع من له حق الانتخاب». ولأجل ذلك نراه يؤكد على بعض الإصلاحات في قانون الانتخاب، إلا أنها ذات طابع أخلاقي وإجرائي، وقدم بعض منها، أهمها «الانتخاب بالقائمة، لا الانتخاب الفردي».

وبغض النظر عن النقاش حول جهد البنّا في تقريب النظام النيابي لصورة النظام الإسلامي في الحكم أو العكس، فإن هذا التقريب هام لجهة تعزيز محورية الأمة، أو المسؤولية المباشرة للشعب في تسيير وإدارة هذا النظام، في مقابل نظرية الخلافة التي تكرس مسؤولية الخليفة الفرد، أو في النظريات السلفية التي تغيّب دور الشعب، وتفترض تعارضاً بين حكم الإسلام القائم على حاكمية الكتاب وبين الحكم بالدساتير القائمة.

 

المصدر: الدراسة منشورة في كتاب: مأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين تأليف: أنور أبو طه وآخرون. من إعداد وتحرير: د. معتز الخطيب. الناشر: مكتبة مدبولي مصر 2010.

 
د. أنور أبو طه
تاريخ النشر:2010-06-28 الساعة 14:18:14
التعليقات:0
مرات القراءة: 1824
مرات الطباعة: 513
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan