الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات فقهية

ولايـــة المــرأة القــضــاء في الإسلام

د. أحمد علي موافي

 

إنَّ نفرًا من المرجفين - ممن ينتسبون إلينا ويعيشون بين ظهرانينا - دائمًا ما يُلْقون بالَّلائمة على الإسلام شريعةً ومنهاجًا فيما آل إليه واقع المسلمين من هذا التخلُّف والانحطاط الذي أمره ظاهرٌ للعيان*.

ولا يزال هؤلاء يُعْزون كلَّ ما بواقع المسلمين من سوء في جميع قُطاعات الحياة إلى ما يزعمونه بالفقه القديم الموروث الذي لم يعد يصلح لمستجدات الحياة المعاصرة ومتغيراتها الهائلة، فعجلة هذه الحياة تدور بسرعة فائقة، ولا نقول تأتي بجديد كلَّ يوم، بل جديدها الذي تأتي به يكون كلَّ ساعة، وليس من المبالغة القول: إنَّ كل دقيقة تشتمل على شيء من هذا الجديد الحادث المتطور!!!

ومن جملة هذا الَّلوم الذي يُلقي به أولئك النَّفر على فقه  المسلمين وشرعهم موقف هذا الفقه من قضايا المرأة وخصوصًا هذه القضية موضوع البحث: ولاية المرأة القضاء، وكيف أنَّ هذا الفقه تقاصر عن ذلك المفهوم الحقوقي العالمي: أنَّ الرجل والمرأة سواء في الحقوق والواجبات، فكان أنْ حظر على المرأة ولاية القضاء باعتبارها ولاية عامة، والمرأة - في هذا الفقه - ممنوعة من مباشرة الولايات العامة.

ذلك في الوقت الذي عرفت فيه الحضارة الغربية مكانة المرأة وأفسحت لها المجال رحبًا لتنال هذا الحظَّ الوافر من ولاية الوظائف العامة وفي مقدمتها وظيفة القضاء، فكان أن أفاد المجتمع الغربي بمشاركة نسائه في مناحي الحياة المختلفة فنهض وتقدَّم وتخلَّفتْ مجتمعات المسلمين بحرمانها من هذه المشاركة الإيجابية للمرأة على أنها تجاوزت - في أكثر هذه المجتمعات - نسبة النصف بكثير، وكيف ينهض مجتمعٌ أكثر من نصف قوته معطَّلٌ حبيسٌ في البيوت؟!!

تلك إذًا هي الدعوى التي يرفعها أولئك في أيَّة مناسبة وفي أيِّ مشروع يُطرح للإصلاح: أنه لابد من التحرر من ربقة الفقه الإسلامي ومعطياته والخروج من الدوران في فلكه، والامتزاج والتناغم - في ذات الوقت - مع معطيات هذه الحضارة الغربية والأخذ عنها والانسياق وراءها والسَّير في ركابها دون تخلف (حذو القُذَّة بالقُذَّة). هذه سبيل النهضة وطريق الرقي فحسب، أوْ هكذا يدَّعون.

ومن هنا فإنني وجدت لزامًا عليَّ - باعتباري باحثًا في مجالات هذا الفقه - أنْ أدرس هذه الدعوى دراسة علمية موضوعية في إطار من هذه القضية بعينها: قضية ولاية المرأة القضاء، وموقف الفقه الإسلامي منها - دراسة مقارنة في ضوء نصوص مذاهب هذا الفقه، وأدلته، ومقاصده الكلية، وإني لأشهد الله - تعالى - بأنَّ محاولتي هذه لست أقصد بها أنْ أزايد على هذا الفقه فأثبت له ما ليس منه، أو أنْ أفتات عليه فأدَّعي فيه ما ليس به، فالمقصود تجلية وجهة هذا الفقه بذلك الخصوص.

وإني لأومن إيمانًا راسخًا - لا يتطرق إليه شكٌّ - بأنَّ هذا الفقه من القوة والمرونة - في ذاته أولاً وفي حاجة النَّاس إليه ثانيًا - بحيث لا يحتاج إلى مثلي للدفاع عنه في مواجهة هذه الإرجافات التي لا تستند إلى دليل ولا تقوم على حجة أكثر من هذا البغض والحنق على كل ماله صلة بالله، وكتابه، ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

وبحث قضية ولاية المرأة القضاء، ودراسة ذلك درسًا فقهيًا مقارنًا في ضوء نصوص مذاهب الفقه وأدلته، ومقاصده الكلية - يكون وفق ما يلي:

المبحث الأول: مذهب القائلين بجواز ولاية المرأة القضاء مطلقًا.

المبحث الثاني: مذهب القائلين بأنه لا يجوز ولاية المرأة القضاء مطلقًا.

المبحث الثالث: مذهب القائلين بصحة ولاية المرأة القضاء فيما تقبل فيه شهادتها.

المبحث الرابع: مناقشة أدلة المذاهب الثلاثة السابقة والترجيح.

الخاتمة: أهم النتائج والتوصيات.

الخاتمة

 بعد أنْ عرض البحث لمذاهب الفقهاء في ولاية المرأة القضاء: مذهب المجوزين مطلقًا، ومذهب المانعين مطلقًا، ومذهب مَنْ توسَّط في ذلك، وفصَّل القول في أدلتهم دليلاً دليلاً من "القرآن"، و"السُّنة والآثار"، و"الإجماع"، و"القياس"، و"العمل الجاري"، و"النظر"، وفيما ورد على هذه الأدلة من أجوبة واعتراضات والرد على ذلك - فقد اتضحت - لنا - هذه الجملة من النتائج المهمة التي نشير إليها فيما يلي:

* (النتيجة الأولى): رجحان مذهب المجوزين القضاء من المرأة على مذهب الجمهور الذين منعوا من ذلك؛ إذ إن أدلة الجمهور - كما سبق أنْ أشير إليه تفصيلاً - لم تنتهض على إفادة المنع، ولم تسْلم من المعارض المقاوم، بل إنَّ بعضها تساقط أمام المعارض: كاستدلالهم بالإجماع، ولم يعد من الصحيح التعلُّق به وذلك على النحو الذي تقدَّم، في حين أنَّ أدلة المجوزين نهضتْ في الدلالة على الجواز، ولم يمكن الجواب عنها والرد عليها على النحو الذي يُضْعفها ويوهن حجيتها، فكان تعلُّق المجوِّزين بها صحيحًا، وكانتْ متوجهًا قويًا في الدلالة على جواز القضاء من المرأة.

* (النتيجة الثانية): أن جواز القضاء من المرأة ينبغي أنْ يقيَّد بما تقبل فيه شهادتها ويُعتدُّ بها فيه من جميع الحقوق غير حدٍّ وقود؛ لأنها على الصحيح من أقوال الفقهاء ليستْ أهلاً للشهادة في ذلك، فلا تكون أهلاً للقضاء فيه من باب أولى؛ لأن القضاء أعلى رتبةً وأعظم حرمة، فكان كل ما ينافي الشهادة منافيًا للقضاء.

* (النتيجة الثالثة): أن ولاية المرأة القضاء من باب "السياسة الشرعية" - وهي في ذات الوقت من باب "المقاصد الحاجية" - الذي يُفوَّض الأمر فيه إلى الإمام المسلم العدل في دينه العالم بأحكام شِرْعته، فينظر في ذلك نظر المصلحة للمسلمين، فيجوز له أنْ يُقلِّد المرأة القضاء فيما تقبل فيه شهادتها إذا كانتْ حاجةٌ لم تندفع إلا بذلك وبقدرها؛ حتى لا تتعطَّل الأحكام ويختل النظام، وذلك إذا "أُمنتْ الفتنة" ولم تقع مفسدة، وفي إطار من الالتزام بضوابط الشرع التي في مقدمتها: أنْ تكون المرأة كبيرة غير شابة، ذات حجاب سابغ، وأنْ لا تقع خلوةٌ.

فإذا "خُشيتْ الفتنة والمفسدة"، ولم تكن حاجة، ولم تُلتزم ضوابط الشَّرع المنصوص عليها في خروج المرأة، وفي منع الخلوة، لم يجز للإمام تقليد المرأة لا القضاء ولا غيره، ولا يصح ذلك منها، وتأثم هي ومَنْ قلَّدها الوظيفة، ذلك أنه يتغيَّر الحكم "حينئذ"، فيكون الحكم بالمنع من هذا ثم المنع فالمنع هو الصحيح الذي يُصار إليه ويحكم به؛ لأن الشرع لم يأتِ بالفتن والمفاسد، بل جاء بقطع مادتها والمنع من كل ما يُفضي إلى الوقوع في شيءٍ منها صيانةً لمجتمعه وحمايةً وسلامةً لأفراده.

* (النتيجة الرابعة): أن جواز القضاء من المرأة إنما يكون في دولة الإسلام التي يسوسها شرعه ويحكمها فقهه، وتقوم في جميع مناحيها على أساسٍ من ركنه الركين في الأخلاق والمكرمات، والعفة والفضيلة، فلا يصح - بحال - أنْ يُؤخذ أحد أحكام الإسلام: كجواز ولاية القضاء من المرأة بمعزلٍ عن شرعته ومنأىً عن فقهه، ليعمل به في مجتمعات المسلمين المعاصرة حيث لا التزام هنالك، وإنما زيغٌ وانحلال، فتقع الفتن الكبرى والمفاسد العظمى، و"حينئذ" فإنه يكون المناسب درءًا للمفاسد وقطعًا لمادة الفتن - المنع من هذا وعدم جوازه؛ ذلك أن شرع الله كلٌّ لا يتجزأ، فلا يصلح أن يقطَّع إلى أجزاء، ليعاد تركيب هذه الأجزاء بحسب الهوى ووفْق الشهوة والرغبة، فيختل بناء الشرع الشريف وتحصل الفتن والمفاسد.

* (النتيجة الخامسة): أن هذه المسألة - مسألة ولاية المرأة القضاء - من المسائل الخلافية لا أنها من مسائل الإجماع التي لا تحتمل النظر والاجتهاد، وأنَّ منشأ الخلاف يرجع إلى تأويل الأدلة الواردة بهذا الخصوص، فهذه الأدلة احتملتْ النظرين جميعًا: نظر الجواز ونظر المنع، وليس حملها على أحد النظرين بأولى من حملها على النظر الآخر، فكان الصواب - الذي ارتأه البحث - حمل هذه الأدلة على الجواز إذا كانتْ حاجةٌ لم تندفع إلا بذلك وبقدرها، وإذا أُمنتْ الفتنة، وكان أنْ التزمت ضوابط الشرع، وهذا بخلاف ما لو خُشيتْ الفتنة وكانت المفسدة، فإنه تحمل تلك الأدلة على المنع، فهذا هو ما فيه الجمع بينها وإعمال كلٍّ منها:  إعمال أدلة المنع "إذا خيفتْ الفتنة ولم تكن حاجة"، وإعمال أدلة الجواز "إذا أُمنتْ الفتنة وكانتْ حاجة وبقدرها"، ولا شك أن هذا أولى من إعمال بعضها وإهمال البعض الآخر لسقوطه بالمعارضة، فقاعدة الشرع المستقرة: "أن الإعمال أولى من الإهمال"، كذلك فإن هذا هو الموافق لمقصود الشرع من "جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها"، فإذا كانتْ مصلحة شرعية معتبرة في الولاية تربو على مصلحة المنع جازت هذه الولاية وصحتْ، وإلاَّ فإنه يمنع منها.

* (النتيجة السادسة): أنَّ تعليل حكم المنع من الولاية بـ "إذا خُشيتْ الفتنة" سدًا لذريعة الافتتان، وتعليل الحكم بالجواز بـ "إذا أمنتْ الفتنة" وكانتْ حاجةٌ وبقدرها - يُبقي باب الولاية مفتوحًا أمام الحاكم المسلم - العدل في دينه - وجماعة الفقهاء أهل الحل والعقد ممن يُحسنون الموازنة بين المصالح والمفاسد على هذا القدر من الدقة، فإذا كانتْ مصلحة قاضية بالجواز حكموا به وصححوا ذلك، وإذا كانت مفسدة راحجة قضوا بالمنع وحكموا به، وهذا أولى من غلْق الباب بحكم باتٍّ بالمنع؛ إذْ إنه مع تغيُّر الزمان واختلاف البلدان تتجدَّد حاجاتٌ للناس قد لا تندفع إلا بهذا، وإلا فإنهم يقعون في مشقة وحرج بالغين، والشرع لم يأت بالحرج والمشقة، بل أتى برفعهما والمنع منهما.

كانت تلك هي أهم النتائج التي انتهى إليها بحثنا لهذه المسألة: مسألة ولاية المرأة القضاء واختلاف الفقهاء بهذا الخصوص مع المناقشة لوجهاتهم  والترجيح.

وقبل أنْ ننهي الكلام في هذا فإنه يجدُرُ بنا أنْ ننوه إلى هاتين التوصيتين المهمتين:

* (التوصية الأولى): أنه يلزم عند البحث في هذه المسائل الاجتهادية التي تحتمل النظر - أنْ يُفسح المجال برحابة لمطالعة مقاصد التشريع الكلية والتحاكم إليها، والبناء عليها، وذلك في إطارٍ من الموازنة بين الأدلة الجزئية والمقصد الكلي، وأنه عند التعارض بينها ينبغي حمل تلك الأدلة على المقصد الكلي، لثبوته بأدلة كثيرة - مقطوع بصحتها - متظاهرة في إفادته والدلالة عليه، وهذا بخلاف الدليل الجزئي، على أن يكون ذلك وفْق الضوابط الشرعية التي نصَّ عليها الفقهاء والأصوليون، لا بحسب الهوى والرغبة.

* (التوصية الثانية): أنه لا ينبغي للباحث في مجال الفقه أن يغتر برفع دعوى الإجماع في مثل تلك المسائل الاجتهادية، بل لابد له من التحقق من ثبوت هذه الدعوى وإلا فإنه يطرحها جانبًا ويمضي في بحثه، وذلك حتى لا يُغلق باب الاجتهاد، وتتعطَّل مصالح الناس، ويقعوا في الحرج والمشقة، ويلحقهم الضرر والأذى.

هذا والحمد لله - تعالى - على ما أعان به ووفَّق من هذا البحث، ونسأله - جل شأنه - أنْ يجعله عملاً خالصًا لوجهه الكريم، وأنْ يكون مما تُثقَّل به موازين الحسنات يوم القيامة.

وصلَّى الله - تعالى - وسلَّم وبارك على نبينا محمد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المادة تعريف بالرسالة الجامعية للباحث.

 المصدر: موقع الفقه الإسلامي

 
د. أحمد علي موافي
تاريخ النشر:2010-07-25 الساعة 14:32:37
التعليقات:0
مرات القراءة: 2115
مرات الطباعة: 551
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan