الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » فلسطين قضية الأمة » ملفات

بعد 63 عاماً على (181) وقائع ومحطات : كيف ظهرت التسوية السياسية من مشروع التقسيم

أ. ماهر رجا

 

في التاسع والعشرين من نوفمبر، كانت ثلاث وستون سنة قد مررت على قرار تقسيم فلسطين عام 1947، والذي حمل الرقم (181) وصدر عن الأمم المتحدة آنذاك.

ولم يعد خافياً اليوم أن ما يعتبره البعض فرصة أضاعها العرب ليقبلوا اليوم بفتات الأرض ، إنما كان في الحقيقة يحمل هدفاً واحداً هو التشريع الدولي لقيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وهو لم يكن بأي حال مسعى لإيجاد حل للمسألة الفلسطينية وبلسمة لجراحها أو محاولة هدفها الحفاظ على جزء من حقوق الشعب الفلسطيني على أرضه.

لم يكن ممكناً للفلسطينيين أن يوافقوا آنذاك على قرار التقسيم، وليس من الحكمة جلد التاريخ ومواقف حركة المقاومة الفلسطينية ورموزها في حينه، ذلك أن ما كان ظاهراً في الأفق يشير إلى مشروع صهيوني لن يبقي أو يذر شيئاً من الأرض، فضلاً عن أن الاعتراف بدولة استيطان على أرض فلسطين كان بالنسبة للفلسطينيين جميعا استسلاماً كاملاً للاحتلال وتسليماً بالأمر الواقع في مواجهة الغزاة وهو ما لم يفعله شعب في التاريخ.

لكن قرار التقسيم ظل يلقي بظلاله على الصراع، والحقيقة أنه كان مرحلة مفصلية خرجت من أتونها في العقود التالية كل الأفكار والتصورات التي أعلنت قبولها بالتسوية التي تعيد جزءا من الأرض عبر التفاوض وبالاعتراف بالكيان الصهيوني والتعايش ومن ثم التطبيع الكامل.

للوهلة الأولى سيبدو أن البحث في علاقة ما  بين مخططات تقسيم فلسطين وبين معايير وطبائع ومتجهات التسوية السياسية بمفاهيم وأسس عمليتها السياسية الراهنة، محاولة استدراج قسري لطرفي المقابلة إلى خانة واحدة.

على أن ثمة أدلة لا يمكن تجاهلها على تعرض فكرة التقسيم إلى عمليات إعادة إنتاج سياسية متكاثرة على امتداد الصراع، بحيث أن ذلك أبقى الفكرة حاضرة بأشكال مختلفة وفقاً للمتغير السياسي في كل مرحلة. ولعل الملاحظة الأهم هنا هو أن مشاريع التقسيم ظلت تقدم نفسها بوصفها مشاريع تسوية في المقام الأول، فإطار التقسيم هو التسوية، في حين أن مضمون التسوية الأساسي طرح بوصفه تقاسماً للأرض أو تقسيماً لها في أفضل أحواله، تتحدد خطوطه على أسس سياسية ترسمها حقائق القوة على الأرض والاعتبارات والمصالح الإقليمية والدولية.

بوابة التقسيم

تبرز ملاحظتان جوهريتان لدى النظر إلى بواكير المشاريع الدولية والإقليمية التي قاربت فكرة تقسيم فلسطين:

الأولى، أنها انطوت على اقتراحات ضمنية بتسويات سياسية، فكانت بهذا المعنى، بمثابة مشاريع اتفاقات سياسية دائمة.. ثم وقعت تطورات على الفكرة على صعيد المستوى السياسي من الصراع بعد قيام الكيان الصهيوني، إلى أن تمظهرت في صيغة الطرح الحديث للتسوية وجوهرها "أرض" مقابل السلام والتطبيع الكامل.

الملاحظة الثانية، أن هاجس فكرة التقسيم وما أفرزته من تصورات، انبعث من سعي الدوائر الغربية لتهيئة الظروف المساعدة لقيام "إسرائيل" وتوفير شرعية دولية لولادتها على أرض فلسطين.

ويمكن القول إن هاتين الإشارتين صاحبتا، عل نحو ما، بدايات ظهور الطرح، وبالتحديد لدى أول محاولة فعلية لوضع فكرة التقسيم حيز التطبيق عندما عينت الحكومة البريطانية في آب 1936 لجنة ملكية برئاسة اللورد "بيل" أسفرت جهودها وتحقيقاتها في فلسطين عن تقرير يقترح تقسيم البلاد و"تعيين حدود الوطن القومي اليهودي" بما يضمن "إنشاء الوطن القومي لليهود وتحريرهم من احتمال خضوعهم للحكم العربي" (1)  وكان على رأس مهام اللجنة "كيفية تنفيذ صك الانتداب على فلسطين" بالنسبة لما وصف بأنه "التزامات بريطانيا نحو كل من العرب واليهود".

وفي الجانب الآخر، سعت اللجنة إلى استكشاف إمكانية التوصل إلى اتفاق يحد من الرفض الفلسطيني للوجود اليهودي المتفاقم وعمل مؤسساته وفي المقدمة الهجرة اليهودية. وفي سبيل ذلك التقت اللجنة في 22/1/1937 بمفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني الذي كان آنذاك سكرتير اللجنة العربية العليا في فلسطين، إلا أن المفتي وقيادات اللجنة العربية رفضوا التسوية وطالبوا بريطانيا بالتخلي عن فكرة إقامة "الوطن القومي اليهودي" في فلسطين.

لكن التحرك البريطاني لم يتوقف، وفي مشهد يشبه ما يجري اليوم على يد السياسية الخارجية الأميركية في المنطقة، حاولوا البحث عن أبواب عربية أخرى، وفي فترة السنوات العشر ما بين 1937- 1947، واصلت بريطانيا والصهاينة البحث عن شركاء عرب بقصد التوصل إلى تسويات سياسية محورها موضوع التقسيم. ولم تستطع تلك الجهود أن تحقق نتائج ملموسة في مؤتمر لندن في شباط 1939 حيث حاولت أن تجمع الوفد اليهودي مع الوفد الفلسطيني فأخفقت، كما أخفقت محاولاتها المستميتة وراء الكواليس للتوصل إلى صيغة أفضل من "الكتاب الأبيض" (2). ومع ذلك فإن إيقاعات الحركة حول المسألة استمرت خلف الستار، فقد أصبح التقسيم الفكرة المهيمنة الوحيدة على أجندة حكومة الانتداب في فلسطين، مع تفضيلها أن يتم ذلك من خلال تسوية مع فلسطينيين أو مع طرف عربي آخر. وإذ تعذر على بريطانيا والصهيونيين إيجاد الطرف الفلسطيني المناسب، كان "الطرف العربي" المرشح بقوة للعب هذا الدور هو إمارة شرق الأردن بزعامة الأمير عبد الله.

التقسيم في عباءة الإمارة

مفاوضات الصهيونيين مع الأمير عبد الله وما رافقها من اتصالات سرية، هي الأولى من نوعها في تاريخ الصراع من حيث مباشرتها لنهج التسوية السياسية مع الصهاينة من جهة، وقيامها بالخطوة العربية الأولى في مقاربة المسألة الفلسطينية على أساس فكرة التقسيم أو تقاسم الأرض مع اليهود من خلال التفاوض من جهة أخرى.

وقد كان الأمير عبد الله آنذاك يأمل في أن تمنحه بريطانيا – بموافقة الصهاينة – المنطقة العربية التي اقترحها "مشروع بيل" للتقسيم ، وذلك بعدما حالت تطورات المنطقة بين الهاشميين وتحقيق أحلامهم بـ"اتحاد هاشمي" كبير يمتد من العراق إلى سوريا وفلسطين. ومن هنا مثلاً جاءت موافقة الأمير عبد الله المرحبة بمشاريع التقسيم التي طرحت وبحثت عدة مرات خلال فترة الثلاثينيات من القرن الماضي. ويشير أنيس الصايغ في كتابه "الهاشميون وقضية فلسطين" إلى أن عبد الله كان قد وافق مبكراً على فكرة تقسيم فلسطين عندما قبل بمشروع وضعه صديقه آرثر كوست، الموظف البريطاني في حكومة الانتداب في العام 1936. وقد نشر كوست المشروع في مقال بعنوان "الكانتونات: مشروع لفلسطين" في مجلة جمعية آسيا الوسطى الملكية بلندن، ودعا فيه إلى "تقسيم فلسطين إدارياً إلى كانتونين: تقوم في الأخصب منهما دولة يهودية، أما الكانتون الآخر فينضم إلى شرق الأردن. ويتكون الكانتون اليهودي من السهول الساحلية، والعربي من ألوية الجليل ومدن الرملة واللد ويافا، أما مدن القدس وحيفا ورام الله فتبقى تحت الحكم البريطاني المباشر".

ويبدو أن "كوست" لم يكن بحاجة إلى تضمين مشروعه اقتراحاً بأن يجري التقسيم عبر تسوية سياسية ومن خلال مفاوضات، فالأمير عبد الله كان قد باشر بالخطوات الأولى قبل ذلك. فالمرحلة التي سبقت تبني المنظمة الدولية لقرار التقسيم رقم (181) عام 1947، شهدت اتصالات بين حكومة إمارة الأردن والصهاينة بغية التوصل إلى صيغة تسوية من خلال نوع من تقاسم الأرض الفلسطينية بينهما. وتذكر الوثائق التي نشرها شارل أندرلين في كتاب "أسرار المفاوضات الإسرائيلية- العربية 1917 – 1977) أن الأمير عبد الله ذهب إلى حد محاولة إقناع الصهاينة بتقسيم فلسطين ليدمج قسمها العربي بمملكته شرقي الأردن، وقد قال للمبعوث الصهيوني إليه "إلياهو ساسون" في لقاء جمعهما في 12 آب 1946: "إذا كنتم تعتقدون أنكم تستطيعون الحصول على موافقة بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وهيئة الأمم لصالح التقسيم فسوف أدعمكم، وكذلك سيفعل العراق، حتى لو كان ذلك سيعني انشقاقاً في صميم الجامعة العربية". وبعد شهر من ذلك التاريخ بدا أن الإمارة على وشك إنجاز اتفاق نهائي على التقسيم، والتقى عبد الله عدداً كبيراً من قادة الصهاينة من بينهم موشيه دايان وغولدا مائير التي أخبرها أنه يقبل بالتقسيم وعرض عليها "جمهورية يهودية مستقلة ذاتياً على جزء من فلسطين في لب المملكة الأردنية". ويذكر أندرلين أن ذلك لم يكن شرطاً من جانب عبد الله وإنما مجرد عرض لم يقلل رفض الصهاينة له من حماس الأمير لمشروع التقسيم وفكرته، ذلك أن الأحداث ساقت بعد ذلك توجه الإمارة إلى فصل جديد هام تمثل بمؤتمر أريحا الذي ترأسه محمد علي الجعبري ودعا إلى تسليم "فلسطين العربية" للمملكة الهاشمية وربطها بها.

من التقسيم إلى التسوية

في هذه الأجواء، جاء بعد عام قرار التقسيم (181) الصادر عن الأمم المتحدة. وفي هذه الأجواء أيضاً نشطت فكرة التسوية السياسية، إذ حركت أفكار التقسيم  شهية مشاريع التسوية وبالعكس. ويوضح أكرم زعيتر في كتاب "القضية الفلسطينية" أن قرار التقسيم كان محصلة مخاض جملة من مشاريع التسوية البريطانية والصهيونية في إطار العلاقة مع الطرف العربي الوحيد آنذاك المتورط في مساعي البريطانيين والصهاينة لإيجاد صيغة تسوية للصراع على خلفية فكرة التقسيم. من ذلك على سبيل المثال مشروعا موريسون وبيفن".

الإطار الأساسي لمشروع موريسون عام 1946 يحمل شكلاً من أشكال التسوية السياسية بين طرفي الصراع على أن تنظم العلاقة من خلال حكومة الانتداب إلى فترة معينة تمارس من خلالها شكلا من أشكال الرقابة أو الوصاية على صيغة الحل التي تتضمن أساساً تقسيم فلسطين إلى أربع مناطق إدارية: أولاً  المنطقة اليهودية، وتشمل ثلاث مناطق هي كل الأراضي التي حل فيها اليهود حتى أكتوبر 1946 مع القدس وبيت لحم والنقب، وثانياً المنطقة الرابعة العربية وتشمل ما تبقى فلسطين.

أما مشروع "بيفن" الذي حمل اسم الوزير العمالي البريطاني، فقد أوصى أيضاً بفتح قناة سياسية بين العرب واليهود للاتفاق على توصية بتقسيم فلسطين بعد مرحلة انتقالية يجري فيها وضع فلسطين تحت الوصاية البريطانية لمدة خمسة أعوام على أن يزاول السكان خلال المدة المذكورة نوعاً من الحكم الذاتي، كما اقترح المشروع رفع القيود عن الهجرة اليهودية.

ما سبق يعني أن قرار التقسيم الشهير رقم (181)، كان خلاصة عملية لأفكار وطروحات ومشاريع مهدت له. وإذ فشلت بريطانية والصهاينة في إيجاد شريك(3)  يتمتع بنفوذ عربي كبير أو طرف فلسطيني يقود الفلسطينيين إلى تسوية محورها التقسيم، قررت في 2/4/1947 أن تدفع بالقضية إلى الأمم المتحدة. وقد حاولت القوى النافذة في المنظمة الدولية أن توجد إطار تسوية ظهرت بوادر ملامحه في 11 كانون الأول عام 1948، حيث أصدرت اللجنة السياسية في الأمم المتحدة تقريراً شرحت فيه المساعي التي تبذلها لصياغة آليات حل بين طرفي الصراع، وأشار التقرير إلى أن الجمعية العامة بعد أن اتخذت في 29 تشرين الثاني 1947 قرار التقسيم، كان مسعى مبعوثيها يتركز على شق طريق للمفاوضات والتسوية السياسية على أساس القرار.

من 47 إلى 67

لم تمض أشهر على إعلان قرار التقسيم الدولي، حتى كان كل شيء – من التصورات السياسية إلى المواقف وحيثيات الاصطراع السياسي – قد شهد انعطافة حاسمة، ذلك أن حرب فلسطين ونكبة 48 واحتلال الصهاينة لما عرفت بـ"المنطقة العربية" في قرار التقسيم، كل ذلك افتتح عهداً جديدا في الحسابات السياسية.

لقد تغير مفهوم التسوية لدى اللاعبين الدوليين على أرض المنطقة وفلسطين مثلما تغير هذا المفهوم لدى الصهاينة أنفسهم، وعليه فإن المشاريع السياسية التي ظهرت في تلك المرحلة وما تلاها كانت لها عواملها وحساباتها المختلفة؛ من مفهوم الحدود الآمنة إلى طبيعة أية تسوية وعمقها.

وعلى منحى المثال فإن وقائع مؤتمر لوزان الذي عقدته لجنة المصالحة الدولية في آذار عام 1949 مثلت الصورة الحية لذلك الانعطاف، إذ قدمت تلك الوقائع تصورا جديداً لتسوية الصراع، وظهرت على ورقة العمل المعطيات التالية:

-         لا أولوية لطرح مسألة الموافقة العربية على التقسيم، لأن ذلك تجاوزته الحقائق الميدانية(4)

-         أصبح قرار التقسيم المطلب العربي في حده الأقصى.

-    لأول مرة انطوى اقتراح التسوية على فكرة "المفاوضات المباشرة" وغير المشروطة، بما يشبه الحال الراهن، وبحيث يتكفل سياق التفاوض بإيجاد حلول تأخذ بالاعتبار الواقع الماثل.

هذه الصورة الجديدة أكدت نفسها كتحول في المرحلة التالية، وتكررت في مؤتمر باريس عام 1951 عندما أطلقت لجنة التوثيق المنبثقة عن المؤتمر مشروعاً سياسياً لم يتجاوز أبرز بنوده اقتراح "حل المشكلات المتعلقة بترسيم الحدود وإقامة المناطق المجردة من السلاح وإعادة المواصلات والإجراءات الجمركية على أن يتم ذلك من خلال العمل المشترك من أجل السلام الدائم في فلسطين" وفق نص البند المذكور.

بعد ذلك ظل الجمود مهيمنا على الموقف، لكن خلال السنوات الأربع اللاحقة ظهرت مجموعة من المشاريع الدولية التي قاربت مسألة الصراع من جانب اقتصادي في أكثر الأحيان وخصوصاً في قضية اللاجئين، مثل بيان دالاس – وزير الخارجية الأميركي في عام 1953، ودراسة جونستون ومقترحاته في الفترة ما بين 1953 – 1955 ، إلى جانب مشاريع سياسية أخرى عبرت بسرعة كالمشروع النرويجي عام 1952 والذي "حث الحكومات على الدخول في مفاوضات مباشرة " ومشروع "جاما" الأميركي الذي استهدف ما أسماه "تحقيق السلام " بين مصر وإسرائيل في العام 1955.

إلا أن المشروع الذي تقدم به رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن في عام 1955 هو من حاول في حينه أن يكسر طبقة الجليد مستعيداً فكرة التقسيم مجدداً في محاولة للالتفاف على الرفض العربي للتسوية السياسية آنذاك. على أن أخطر ما حمله مشروع أيدن هو تكريس مرحلة ما بعد قرار التقسيم، أي مطالبة العرب والفلسطينيين بالتوصل على "صيغة تسوية"  مع الصهاينة يتخلون بموجبها عن حرفية المطالبة بحدود التقسيم عام 1947، ويستعدون لمناقشة فكرة الحدود الآمنة والممكنة من جانب الكيان الصهيوني، وذلك بالضبط ما يجري اليوم في المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو حيث كرس الصهاينة مع الأميركيين حدود الأمر الواقع التي ترسم جغرافيا الدولة الفلسطينية المفترضة على أساس من الاعتبارات الاستيطانية والأمنية الإسرائيلية.

مع ذلك رفض الصهاينة المشروع ، وطرحوا مفهوم التسوية والمفاوضات دون شروط على نحو ما يجري اليوم أيضاً. وفي الجهة المقابلة خيم الصمت على الجانب العربي وظهرت إشارات لا يبدو أنها كانت ترفض مطلقا الاشتراطات الصهيونية. والواقع أن ثمة تسليماً بالتسوية السياسية كان قد بدأ يشق قنواته في السياسة العربية وتصوراتها للمستقبل. ولعل المشروع التونسي الذي تقدم به الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة عام 1965 أشار إلى هذه الحقيقة.

تحولات ما بعد 67

مثلما أوجدت نتائج حرب فلسطين 48 وضعاً سياسيا جديداً وفهماً مختلفا للتسوية السياسية وحدود التقسيم ، أحدثت هزيمة 67 نقلة أشد خطورة، وربما في أكبر تغيير لمعطيات الصراع منذ قيام الكيان الصهيوني.

لقد رأى النظام الرسمي العربي كنتيجة للزلزال أن عليه إجراء تعديلات أساسية على خطابه السياسي وأهدافه في الصراع. وهكذا تحول مطلب "إزالة آثار العدوان " لدى كثيرين بمن فيهم منظمة التحرير، من كونه برنامجاً مؤقتا إلى هدف نهائي، وبات معظم هذا النظام أكثر تهافتا على التسوية السياسية. وتصف صحيفة دافار الصهيونية في نوفمبر 1967 ذلك بالقول:"منذ حرب الأيام الستة يخيل لنا أن اليهود والعرب قد تبادلوا أدوارهم التقليدية. ففي الماضي كان العرب هم من يرفضون مبادرات التقسيم والتسوية، أما اليوم فقد تغيرت الصورة فالعرب يطرحون في كل مرة مبادرات جديدة ومتلائمة مع الموقف الدولي، وتبقى كلمة الرفض الأخيرة لإسرائيل".

وترسم الأجوبة العربية على أسئلة المبعوث الدولي يارنغ في العام 1967
، صورة واضحة للموقف السياسي العربي الرسمي والتغيرات العميقة التي عصفت بثوابته من مفهوم استعادة الأرض والحقوق... كان سؤال يارنغ الأول عن القرار /242/ وكان هناك سؤال ثان عن  مدى قبول العرب للـ "التعايش السلمي" والحدود الآمنة الإسرائيلية، وقد سأل يارنغ أيضاً عن المفهوم العربي للحدود الآمنة وفقاً لما طلب منه في تل أبيب، وقد جاءت الإجابات إيجابية بما أرضى يارنغ، فالعرب سلموا آنذاك "بحق كل دولة في المنطقة بالعيش في سلام وحدود آمنة معترف بها"، بيد أن مصر وجدت من الملائم في حينه ان تشير إلى حدود التقسيم كحدود يمكن القبول بها.

تلك الأحداث كانت كما يبدو تفتح – بعد غياب عبد الناصر- باباً واسعاً نحو مرحلة جديدة.. مرحلة من التهافت على التسوية السياسية لم يعد مطروحاً عل أجندتها قرار التقسيم عام 1947، وإنما تقسيم من نوع آخر  يرضخ فيه الجانب الرسمي العربي والفلسطيني لفكرة القبول بأي أرض في الضفة القطاع مقابل ما أسمي في اتفاق أوسلو بالمصالحة التاريخية، أي ما يتجاوز التطبيع والاعتراف الكاملين.

التقسيم في الطريق إلى التسوية: حقائق مرحلتين

كان العام 1967 بوابة مرحلة دامية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني بما يمكن وصفه بمرحلة التحولات الكبرى في مقدمات المفهوم العربي للتسوية السياسية، وبدء ظهور تصورات انكفائية وجزئية انحسرت فيها المطالب العربية رويداً رويداً لتصل إلى مفهوم "الأرض مقابل السلام"، بعد أن كان تحرير فلسطين كل فلسطين هو الاستراتيجية العربية الكبرى –المعلنة على الأقل.

وقد بدا واضحاً أن مظاهر الضعف العربي والشعور بتبعات الهزيمة فتح الطريق واسعاً هذه المرة على تعاطٍ مختلف مع الموقف الدولي وقراراته ورؤيته لحل الصراع. كانت تلك بداية جديدة، وشكل القرار 242 مسرحاً ومرجعية أساسية لهذا المشهد، ففي 22تشرين الثاني 1967، أقر مجلس الأمن بالإجماع مشروع القرار الذي تقدمت به بريطانيا وصاغته بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية. ويدعو القرار 242 كما هو معروف إلى "سحب القوات الإسرائيلية من أراض احتلت في النزاع الأخير" ويشير ضمناً إلى أن تكون بنوده مادة تسوية سياسية تسفر عن " إنهاء جميع ادعاءات الحرب أو حالاتها واحترام السيادة والوحدة لأراضي كل دولة في المنطقة، والاعتراف بذلك، وكذلك استقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة معترف بها وحرة من التهديد وأعمال القوة".

والملاحظ هنا أن البند الأخير والبنود التالية التي تتحدث عن حرية الملاحة والتسوية "لمشكلة اللاجئين" و "ضمان المناعة الإقليمية والاستقلال السياسي لكل دولة" جميعها مستقاة من مضمون مشروع الرئيس الأميركي جونسون في 19 حزيران 1967 والذي ميزه رفضه للانسحاب الإسرائيلي.

ما هو مهم في هذه المرحلة أن هناك عدة سمات تطرح تكريس تحولات أساسية في مقاربة الصراع:

الأمن والأرض

·        إن المتغير الأساسي الذي كرسه القرار 242ص هو مفهوم "الحدود الآمنة" للكيان

الصهيوني. وهو ما تبين بعد ذلك في العقود اللاحقة أنه أصبح عاملاً حاكماً لمختلف صيغ التسويات التي طرحت وتطرح كحلول للصراع. فصيغة "الحدود الآمنة لا تكتفي بالتهام الأرض، بل تبقي الحدود الجغرافية للكيان الصهيوني مرتبطة بمدى ما تحظى به تل أبيب من السلام والأمن الإقليميين، وقد تتقدم استراتيجياً ولكنها لا تتراجع إلا بحسابات تكتيكية محدودة كما يحدث مع مفهوم ترسيم الحدود والدولة المؤقتة اليوم. ومن الواضح أن القرار 242 قد ترك هامشاً واسعاً لتعديلات الحدود الآمنة بالمفهوم الصهيوني من خلال غموض بنده المتعلق بعمق الانسحاب الإسرائيلي عن (أراضٍ) احتلت في العام 1967.

·        السمة الثانية إلحاح القرار الدولي على التسوية بصفتها الشمولية. وحملت ديباجة

القرار تصريحاً بذلك من خلال تأكيدها على "الحاجة إلى العمل من أجل سلام عادل ودائم يسمح لكل دول المنطقة بالعيش بأمان". وأقرت اللجنة السياسية في مجلس الأمن إطاراً وآلية لإنجاز التسوية الشاملة، فتم تعيين السفير غونار يارنغ ممثلاً خاصاً للأمين العام، وطرحت مذكرات رسمية مكتوبة على "الأطراف" كلها لتنفيذ القرار. وقد طلب يارنغ – كما ورد باكراً – موافقة عربية على الالتزام والتعهد بالدخول في اتفاقية سلام مع إسرائيل وعدم قيام أحلاف عربية ضدها في المستقبل. على أن أدهى الحقائق في هذا السياق لا يكن فقط في الربط بين "الانسحاب والاعتراف" بل في رفع هذين الأمرين إلى مستوى المبادئ الدولية لمفهوم الحل في المنطقة واعتبارهما مبدأي "سلام شامل". وبذلك أصبحت المقابلة على النحو التالي: الانسحاب مقابل الاعتراف الكامل والتخلي عن الحق في الجغرافيا والمفهوم.

·        أما السمة الثالثة فهي أن القرار 242 ألغى عملياً القرارات السابقة أو بمعنى أنه

تجاوزها وجعلها من سمات مرحلة ماضية تعدتها التحولات. فـ 242 ، من وجهة نظر قانونية دولية هو أول قرار سياسي من نوعه واختصاصه بعد قرار التقسيم، ذلك أن القرارات الأخرى التي صدرت بين القرارين اختصت بموضوع إدارة الصراع ولم تكن من نوع القرارات السياسية المفصلية التي تنطوي على إقرار مفاهيم دولية جديدة لحيثيات الصراع ومواقع أطرافه، وإنما تناولت في معظمها معالجة مسائل نجمت عن الشق السياسي منه مثل "اللاجئين" و "فض الاشتباك" ووقف النار، كالقرارات 194 و 233 و 234 و 235 و236  وقد صدرت القرارات الأربعة الأخيرة في غضون أسبوع واحد بدءاً من السادس من يونيو 1967.

مقاربة أميركية جديدة

ما إن اتضح أن الكيان الصهيوني على وشك تحقيق انتصار ساحق في حرب حزيران 1967، حتى شعرت الولايات المتحدة أنه آن الأوان لإعلان مفاهيم جديدة ترسم ملامح موقفها النهائي من الصراع العربي والصهيوني والقضية الفلسطينية إلى يومنا هذا وفقاً لحقائق مصالحها الاستراتيجية. قبل ذلك، كانت واشنطن تقدم سياستها في المنطقة في إطار مبادئ إيزنهاور – الرئيس الأميركي الأسبق – والتي حملها مشروعه في العام 1957. ولعل أهم ما في تلك المبادئ إعلان واشنطن أنها ستتحمل منفردة مسؤولية الحفاظ على الوضع الراهن في "الشرق الأوسط" في مشروع سياسي أطلق عليه اسم "ملء الفراغ الحيوي" أي المجال الذي تركه فارغاً تراجع الدور الإمبراطوري البريطاني بما زاد من "احتمالات الغزو الشيوعي المباشر وغير المباشر" حسب نص المشروع.

وفي صورة تماثل اتجاهات السياسة الأميركية في عملية التسوية اليوم، أبدى الرئيس الأميركي جونسون منذ اللحظات  الأولى لحرب 67 تصميماً على "عدم اتخاذ استراتيجية تنحى نحو إجبار إسرائيل على الانسحاب" من أي مناطق قد تحتلها مقابل القليل من التنازلات العربية، ورأت الإدارة الأميركية أن الأراضي المحتلة لا بد أن ترهن باتفاقية سلام تضمن الأمن والسلم لإسرائيل على المدى الاستراتيجي، شريطة أن تحتفظ تل أبيب بحدود آمنة ترتئيها.

إلا أن مفهوم أو مبدأ "الأرض مقابل السلام" لم يكن ، كتصور سياسي، متبلورا بما فيه الكفاية لدى الولايات المتحدة. وبكلمة أدق لم يكن واضحاً لديها ما يتطلبه  "الأمن الإسرائيلي" من الأرض وما يستلزمه لتحقيق صيغة تسوية واتفاق سلام نهائي مع الأطراف العربية كما يشير وليم كوانت في قراءته للسياسة الأميركية في تلك الحقبة تجاه المنطقة وفلسطين – لذلك طرح جونسون في مشروعه حينذاك عناوين عامة لحل الصراع أسقطت التطرق إلى الانسحاب والأرض، وركزت على خمسة "مبادئ" جوهرية هي، كما جاءت في المشروع: الاعتراف  "بحق الأمم بالعيش في المنطقة" و"تسوية أوضاع اللاجئين" و"الحد من التسلح" و"الاستقلال السياسي ووحدة أراضي كل الأطراف المتنازعة".

لكن وبحلول العام 1969، كانت الولايات المتحدة قد أرست معالم مقاربة أوضح. ففي شباط من العام نفسه اجتمع مجلس الأمن القومي الأميركي بغية مراجعة شاملة للسياسة المتبعة حيال الشرق الأوسط وقرر خيار "إتباع الولايات المتحدة سياسة أوسع نشاطاً وعمقاً" لتحقيق تسوية سياسية شاملة تقوم على مبدأ مبادلة أراض محتلة عام 67 بالسلام الشامل. وأشار بيان المجلس إلى أن هدف التسوية هو معاهدة ملزمة .. بيد أن الأراضي التي سيجري الانسحاب منها يجب أن تخضع إلى شروط أمنية إسرائيلية بحيث تكون منزوعة السلاح في "بعض المناطق الخطرة" مع تسويات من نوع آخر في أراض أخرى.

روجرز: تقسيم آخر

ما سبق يعني بين أشياء أخرى أن فكرة تقسيم الأرض شهدت تعديلات كبرى في التوافق الأميركي الصهيوني، فأولاً أصبح قرار التقسيم على ما يحمله من غبن للحقوق الفلسطينية ، أثراً من الماضي، وثانياً  انتقلت مقولة التقسيم بعد 67 إلى مفهوم  "التقاسم" الذي يعني ان للكيان الصهيوني الحق في الأراضي التي احتلها بعد 67 حيث يجب أنت تقوم على بعضها حدوده الآمنة ومناطق التدابير الأمنية.

في هذه الآونة بالتحديد ظهرت نقلة أخرى في السياسة الأميركية تمثلت بمشروع روجرز الشهير. فتحت عنوان "السلام في الشرق الأوسط : نظرة أميركية" طرح وزير الخارجية الأميركي وليام روجرز في كانون الأول 1969 مشروعاً للتسوية السياسية والحدود الآمنة ومفهوم الأرض في التسوية، ليصبح على مر السنوات القادمة قاعدة التحرك السياسي الأميركي في المنطقة.

دعا مشروع روجرز إلى ما اسماه "إحلال السلام بين الأطراف" وطالب بتحديد شروط والتزامات لهذا "السلام". والأهم بعد ذلك أنه أعاد التأكيد على مفهوم "الحدود الآمنة" الصهيونية الذي بدا أنه تكرس في الخطابين السياسيين الأميركي والصهيوني منذ تلك الحقبة،  وعليه، كان الطرح الأساسي لروجرز "انسحاب القوات الإسرائيلية من أراض احتلت عام 1967" على أن تجري "تغييرات جوهرية يقتضيها أمن الطرفين المتبادل"، وطبعا كان المقصود على وجه التحديد أمن حدود الكيان الصهيوني.

باتضاح هذه المرحلة السياسية وعواملها، ظلت الولايات المتحدة على محاولات جعل صورة الأرض مجرد ظلال نحيلة في معادلة التسوية، كبقعة بين أطراف متنازعة لا هوية سياسية لها. وقلما ظهر تغيير في هذا السياق سوى في محطات عابرة . وحتى تصريح هاورد ساوندرز نائب وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط وجنوبي آسيا عام 1975الذي اعتبر أن واشنطن معنية بإيجاد "تعريف معقول للمصالح الفلسطينية"وتصور دقيق لحدود الدولة الفلسطينية، لم يكن في واقع الأمر إشارة فعلية إلى قراءة مختلفة وتغير حقيقي.

مفهوم صهيوني للتقسيم

إن الإشكالية في الخطاب الصهيوني سابقاً وراهناً – بين السياسي والاستراتيجي – في مقاربة مسألة التقسيم وتالياً مبدأ "الأرض مقابل السلام"، هي إشكالية في العمق وتستقي حضورها من مفاهيم وجود وبنية الكيان الصهيوني وتصورات أمنه الاستراتيجي..

إن فكرة "أرض إسرائيل" هي أول الجدران في وجه خيار التخلي عن الأرض،  وعلى الرغم من أن الصهاينة وافقوا على قرار التقسيم، فإن الأمر لم يكن أكثر من مناورة كما تؤكد الوثائق الصهيونية، وما سنشير إليه لاحقاً. وينسحب هذا التوجه على ما يفترض أنها أسس أفكار التسوية التي ظهرت على مدار العقود الماضية والتي قامت على فكرة مقايضة الأرض بالسلام ومازالت. ففلسطين التاريخية هي ضرورة عقائدية وأمنية ، والتخلي عن جزء مما يوصف توراتيا "أرض الميعاد" يمس صميم المسوغ الديني والمزعوم التاريخي اللذين كانا حاملين أساسيين للمشروع الصهيوني على أرض فلسطين. وفضلاً عن ذلك فإن التخلي عن "المنطقة العربية" في قرار التقسيم، أو التخلي عن كل الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وتحديداً الضفة وشرقي القدس، يمكن أن يهز مقولة "الحدود الآمنة" ويؤثر بمعطيات أساسية في مسألة الأمن الإستراتيجي الصهيوني، خاصة وأنه مازال للجغرافيا موقع أثير في هذا الأمن.

لذلك مثلاً، رأى قادة الكيان الصهيوني الأوائل في الموافقة على قرار التقسيم وقبله مشروع بيل 1937، موقفا تمليه الظروف، وقال بن غوريون رداً على تقرير اللجنة الآنفة الذكر "أنا مستعد لقبول هذا التقسيم كخطوة أولى نحو إقامة دولة يهودية كاملة على أرض إسرائيل. ولا نعترف باتخاذ أية خطوة ما لم تتبعها خطوات أخرى". كما اعتبر الصهيونيون حدود التقسيم "خنقاً وحصاراً للشعب الإسرائيلي في أشرطة ضيقة"، واعتمد  المؤتمر الصهيوني عام 1947 برنامج التقسيم "كخطوة نحو تحقيق هدف الصهيونية الكامل، الخاص بالوطن الإسرائيلي.

"التقسيم الرابع"

غير أن تصوراً سياسياً يصف نفسه بالواقعي، بدأ يظهر في الكيان الصهيوني بعد حرب حزيران 1967، ويقدم رؤيا لمفاهيم الأمن والأرض والتسوية التي يدعو إسرائيل إلى التقدم نحوها والأخذ بها، ويرى هذا التوجه الذي اتسع إلى أبعد مدى منذ التسعينات وغزا أوساط الليكود المتطرف أيضاً، أن الأمن بات يهم إسرائيل أكثر من العقيدة والأسطورة، وعليه فإن التخلي عن جزء من الأرض أو إجراء تقسيم من نوع جديد للأرض لن يكون مشكلة بل انتصار تاريخي لوجود إسرائيل.. يقول الأكاديمي الصهيوني "درور" "لقد حدث التقسيم في فلسطين ثلاث مرات: الأولى في سنة 1922، والثانية في 1947، والثالثة في سنة 1967، ونحن نحتاج إلى تقسيم رابع من أجل الوصول إلى حل سلمي ونهائي". ومن الواضح أن ذلك يعني أن أرض الضفة الفلسطينية هي موضوع فكرة التقسيم لدى اتجاه في الكيان الصهيوني يريد أن يقايض مخاطر المستقبل على وجود إسرائيل في المنطقة بأجزاء من الأرض في سبيل تسوية وسلام نهائي من شأنه أن يفتت الوجود الفلسطيني، أو بكلمة أدق حقائق وجوده بطبائعها التي كانت قبل النكبة، بما يسقط المخاطر المستقبلية التي ستظل تواجه هذا الكيان مادام الشعب الفلسطيني وقضيته في الميدان، لكن "التقسيم ، أي تقسيم، سيكون جوهريا فقط إذا استطاع أن يحقق الثوابت الأمنية الإسرائيلية".

من هنا يمكن القول إن التفكير السياسي الصهيوني حيال التسوية السياسية تطور من مقولة "السلام مقابل السلام" على نحو ما ظهر بعد قيام الكيان الصهيوني حتى عام 67، إلى مبدأ جديد يقوم على تقديم جزء من الأرض التي احتلت في حرب حزيران مقابل السلام الكامل، مع التأكيد على أولوية الترتيبات الأمنية الأساس للاستراتيجية الأمنية الصهيونية.

ألون و"الإمكانيات السياسية"

 كان التصور الإسرائيلي ومازال ان "الحدود الآمنة دون سلام أفضل من السلام دون حدود آمنة" على حد وصف يغال ألون. وعلى الرغم من ان توصيف "الحدود الآمنة" بدا بالنسبة للكيان الصهيوني تعبيراً عسكرياً وأمنياً وطبوغرافياً، فإنه اشتمل بعد ذلك على فكرة تحقيق معاهدة السلام كضمانة أساسية له.. و "الإمكانيات السياسية" التي يشير إليها ألون هي جزء أساسي من نظرية الحدود الآمنة، ويقصد بها اتفاق السلام والتسوية السياسية الدائمة.

ولعله من هذا المنحى طرح آلون مشروعه الشهير على حكومة الكيان الصهيوني في العام 1967 بشأن الضفة والقطاع، والذي اقترح فيه تخطيطاً امنياً لـ"الحدود الدفاعية" من اهمها أن تكون حدود "إسرائيل" الشرقية نهر الأردن وخط يقطع البحر الميت بكل طوله، وأن يضم الكيان الصهيوني إليه شريطاً يتراوح عرضه بين 10 و15 كيلومتراً على امتداد منطقة الأغوار، وشريطاً آخر من شمال طريق المواصلات بين القدس والبحر الميت يتصل بمنطقة اللطرون، إلى جانب نقاط أخرى تتعلق بالاستيطان وضم جبل الخليل.

أهمية هذا التصور لتقسيم أرض الضفة المحتلة ورسم حدودها في التسوية، أنه بحذافيره ما تطرحه حكومة نتنياهو في معرض حديثها عن اشتراط "الترتيبات الأمنية" اليوم، وغاية القول أن الكيان الصهيوني لم يجر تعديلات ذات مغزى حيال تصوره لأي حل سياسي منذ عام 1967، كما أن نظرية "الأرض مقابل السلام" التي قامت عليها التسويات منذ كامب ديفيد، ومروراً بأوسلو وتوابعها، خضعت لإعادة إنتاج سياسية صهيونية تم فرضها على العملية السياسية الجارية اليوم بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، فالانسحاب لا يعني انسحاباً بل إعادة انتشار كما ورد في مصطلحات اتفاق أوسلو، وهو فضلاً عن ذلك لا يعني إعطاء الاستقلال للمناطق التي تتم التسوية حولها، ولا حدود واضحة للدولة الفلسطينية التي يمكن أن تنجم عن الاتفاق، كونها خاضعة لتبدلات نظرية وترتيبات الأمن الصهيوني والحدود الآمنة.

إن تقسيم الأرض، كتقسيم للمخاطر في التصور الصهيوني، يعني أيضاً نقطة جوهرية أخرى هي التخلص من السكان الفلسطينيين والخطر الديموغرافي الفلسطيني دون الغياب الصهيوني عن الجغرافيا الحاضنة لهذا "الخطر". ولا شك في أن الهاجس الإسرائيلي من خطر الديموغرافيا الفلسطينية رافق الكيان الصهيوني منذ بداياته، ففي سنة 1957، أبدى الكثير من زعماء حزب ماباي الحاكم القلق من أن هناك "عرباً أكثر مما ينبغي سمح لهم بالبقاء في أرض إسرائيل"، وكمثال فقط،  حفز هذا الأمر ذات مرة رئيس الحكومة الصهيونية بن غوريون على تقديم جائزة الدولة لكل أم تلد طفلها التاسع، لكن بن غوريون ألغى الجائزة بعد أعوام لأن اللواتي فزن بها كن نساء عربيات. ومعلوم أيضاً ان الهدف الأساسي من وراء مشروع آلون كان "الحد الأقصى من الأرض والحد الأدنى من العرب"، وقد اعتبر اتجاه واسع في الكيان الصهيوني أن المشروع تصور مصيب لما أطلق عليه اسم "التقسيم الرابع".

البحث عن "الشريك"

مؤدى القول أن الصهاينة طوروا لديهم بعد عام 67 إطاراً عاماً للتسوية وما يمكن التنازل عنه من الأرض المحتلة بعد هذا التاريخ، لكن كما هو معلوم، لم تتحول هذه الأفكار إلى برامج عملية حقاً فيما يخص الضفة والقطاع والجانب الفلسطيني من الصراع، فقد كانت مشكلة "الشريك" أساسية في هذا السياق، ولم تكن الظروف قد نضجت ليقبل الكيان الصهيوني بمنظمة التحرير في هذا الدور كما لم تكن منظمة التحرير نفسها – او قيادتها بكلمة أدق -  قادرة على مواجهة الشارع الفلسطيني برغبتها في الانخراط في عملية سياسية مع العدو على الرغم من تبنيها للبرنامج المرحلي في العام 1974. وحتى العام 1991، حافظ الكيان الصهيوني على محاولات إيجاد شريك من خارج منظمة التحرير، ففي ذلك العام نفسه وقبل عامين من مفاوضات أوسلو، سعت حكومة شامير إلى البحث عن قيادة محلية في الضفة والقطاع تتفاوض معها على حل سياسي يصل إلى حكم ذاتي.

لم يكن أمام الصهاينة في فترة السبعينيات سوى الشريك الأردني، وبمرور الوقت في تلك المرحلة جرى في الكيان الصهيوني تقليب وتداول الفهم الذي يطرح الخروج من أرض الضفة المحتلة إدارياً مع الإبقاء على روابط أمنية وعسكرية وضمان أن يكون أي كيان بصبغة فلسطينية يقوم على تلك الأرض منزوع السلاح ومعتمداً في تحصيل "سيادته الإسمية" على إسرائيل. وقد أطلق الأردن في أوائل السبعينات إشارات استعداده للقيام بهذا الدور وطرح الملك حسين في آذار 1972 "مشروع المملكة المتحدة" أو "الاتحاد الفدرالي مع الضفة.

وواقع الأمر أن هاجس التفكير السياسي في الكيان الصهيوني بعد 67 كان إيجاد شريك يشتري مشاريع تفكيك الهوية السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني، وقد تصور إمكانية تحقيق صيغة حل توحي بتقاسم الأرض في الضفة والقطاع ، فطرح مشروع "التقاسم الوظيفي" مع الأردن ، أي تقاسم المهمة الإدارية والسياسية بدلاً من تقاسم الأرض بالمعنى الفعلي، ثمن تتالت سلسلة من المشاريع المشابهة التي لم يكتب لها النجاح في النصف الثاني من عقد السبعينيات، فكان مشروع الحكم الإداري الذاتي الذي أعده دايان عام 1977 وينص على مجلس للحكم الذاتي في الضفة والقطاع بإشراف الحكم العسكري الصهيوني، ومشروع الإدارة المدنية في طوره الثاني الذي جاء لتمرير المشروع السابق، ومشروع "روابط القرى" الذي كان في ظاهره مجالس قروية تهتم بحياة المواطنين الفلسطينيين وعلاقاتهم ونقاباتهم، أما محتواه فتهيئة للضفة الغربية للحكم الذاتي.

مرآة الراهن

لكن يبدو أن التصور السياسي الصهيوني بدأ في أواخر السبعينيات يدرك انه يتجه في البحث عن الشريك نحو عناوين بلا أبواب، وظهر في الكيان الصهيوني من يدعو إلى تطوير فكرة "الشريك" الفلسطيني" الحقيقي في التسوية السياسية، وقد استند ذلك إلى تطورين هامين وقعاً في السنوات الماضية آنذاك، وحركا لدى الصهاينة خيار احتمال التفاوض مع منظمة التحرير: التطور الأول، تبني المجلس الوطني الفلسطيني الثاني عشر في العام 1974 "البرنامج السياسي والمرحلي" الذي ينص بنده الثاني على إقامة السلطة الفلسطينية على جزء من الأرض الفلسطينية، وإصدار المجلس لتوصية إلى اللجنة التنفيذية تضمنت استعداد المنظمة للمشاركة في مفاوضات سياسية من خلال إطار دولي. والتطور الثاني تأكيد القمة العربية السابعة في الرباط في العام نفسه، على التوجه الفلسطيني الرسمي إلى التسوية السياسية، واعتبار القمة منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد المخول بطرح البرامج والمواقف السياسية باسم الشعب الفلسطيني.

في هذه الظلال كانت رياح التحولات العاصفة تتحرك في المنطقة لتقودها إلى ما يظهر في مرآة الراهن: لقد نقل الصهاينة والسياسة الأميركية مفهوم التقسيم الذي طرح في العام 1947، إلى صيغة تقسيم ثان موضعها الأرض المحتلة عام 1967، ثم، وفي معادلة أنتجها اتفاق أوسلو عام 1993 ارتبط بالتسوية السياسة مفهوم آخر لتقاسم أرض الضفة المحتلة، أو بكلمة أدق تقسيمها بين اعتبارات الأمن الصهيوني والاستيطان والكيان الفلسطيني الذي قد ينجم عن "العملية السياسية"، في إطار خادع يحمل اسم "حل الدولتين".. وهذا هو واقع الصورة هذه الأيام.

 .....................

هوامش

(1)        قدمت اللجنة خريطة اقترحت فيها إعطاء "الدولة اليهودية" كل منطقة الجليل وسهل مرج ابن عامر وسهل سانور، حتى نقطة تقع على بعد عشرة أميال من رحبوت، وتوحيد القسم الأكبر من فلسطين جنوبي وشرقي هذا الخط مع شرقي الأردن. وتبقى القدس وبيت لحم والناصرة تحت الانتداب البريطاني مع مر يصل القدس ويافا.

(2)        طرح الكتاب الأبيض بعد مؤتمر لندن ان تقوم دولة مستقلة في فلسطين بعد عشر سنوات بدءاً من عم 1939، وأن تحدد الهجرة اليهودية خلال هذه المدة، لكن استمرت المخططات البريطانية الصهيونية من وراء الستار وازدادت الهجرة بدعم حكومة الانتداب.

(3)        توضح الوثائق البريطانية أن المشكلة لم تكن في إيجاد الشريك لأن الأمير عبد الله كان مستعداً للعب هذا الدور، لكنه افتقر إلى الشعبية الكافية وتعرض للهجوم بسبب مواقفه حتى من بعض أعضاء مؤتمر أريحا عام 1946 كما يشير أكرم زعيتر قي كتابه "القضية الفلسطينية".

(4)        بعد عام واحد وفي أيار 1950 أصدرت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة بياناً شهيراً تعهدت بموجبه حماية حدود إسرائيل القائمة والتي تتجاوز بالطبع حدود التقسيم.

 

الثبات اللبنانية

 
أ. ماهر رجا
تاريخ النشر:2010-12-14 الساعة 13:56:22
التعليقات:0
مرات القراءة: 1929
مرات الطباعة: 635
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan