الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » فلسطين قضية الأمة » القدس

حيث ساحة الحرب الحقيقية مشهد القدس من نافذة في فندق شيبرد

أ. ماهر رجا

 

لا شيء يتغير، أو يغير مساره حقاً، في الموقف العربي والفلسطيني الرسمي رغم كل التطورات العاصفة، لكن الأمر مختلف في الكيان الصهيوني، فهناك يعيشون أجواء حرب جديدة موقعها القدس، ولا يستبعدون حرباً على غزة.

القدس، مرة أخرى، هي ميدان الحرب الحقيقية الآن كما تؤكد الوقائع على الأرض. ففي مشهد بدا أكثر وضوحاً من نافذة فندق شيبرد في حي الشيخ جراح، كان يظهر في الأيام الماضية أن مختلف المعارك السياسية التي تدور على ضفاف عملية التسوية السياسية المتوقفة، مجرد عمليات استحضار للدخان فيما الحريق الأساسي في مكان آخر، في القدس حيث الكيان الصهيوني يسرع نحو الفصل الأخير الذي يراه مفصل الصراع.

من فندق شيبرد

صبيحة التاسع من الشهر الجاري كان اسم الحاج أمين الحسيني ينهض من المنفى وغياب الموت ليتراءى وسط غبار انهيار "فندق شيبرد" تحت وقع قاضمات الاسمنت الإسرائيلية في حي الشيخ جراح في القدس. تلك لحظة انتظرها الصهاينة طويلاً، فمنذ أن أبعد المجاهد الحاج مفتي القدس أمين الحسيني عن القدس وفلسطين عام 1937بقرار من سلطات الاحتلال البريطاني، ظل مقره الرئيس ومنزله في فندق شيبرد شاهداً على مرحلة ستواصل تأكيد امتداداتها في التاريخ والانتفاضات الفلسطينية.

بعد سنوات قليلة من النكبة عام 1948،  أنشأ الصهاينة مؤسسة لسرقة الأرض الفلسطينية أسموها "حارس أملاك الغائبين" وضعت يدها على كل الأراضي والبيوت الفلسطينية والمؤسسات الفلسطينية في القرى والمدن، وحين وقع احتلال عام 1967 وصلت يد ذلك "الحارس" إلى فندق شيبرد الذي شهد جانباً كبيراً من حياة الحاج الحسيني خلال زعامته للكفاح الفلسطيني في فترة ما قبل النكبة.  حدث ذلك مع ان الحسيني كان قد عهد بإدارة الفندق والمنزل ومتابعة شؤونهما إلى وكيل له اسمه موسى أفندي عرفة،  بموجب وكالة قانونية صدرت في دمشق في عام 1956  خولت الوكيل فيما بعد (في مطلع السبعينيات) بتأجيره للفلسطينيين "ميشيل فروجي" و "ميلاد حبش" وتحويل فوائد الإيجار إلى الحاج الحسيني الذي كان يقيم في بيروت وتوفي فيها عام 1974. وقد انتظر الصهاينة ثلاثين عاماً لينفذوا السيناريو المتكرر الذي طبق على الكثير من الأراضي والبيوت الفلسطينية التي لم يكن من السهل التحايل على أوراق ملكيتها الصريحة. وبحلول العام 1985 تلاعبت  مؤسسة حارس أملاكك الغائبين الإسرائيلية بحق تأجير الفندق وقامت بنسبته إلى طرف ثالث، لتتمكن من بيعه بهذه الطريقة للملياردير اليهودي الأميركي إرفنغ مسكوفيتش الذي وهبه بدوره لجمعية عطيرت كوهانيم الاستيطانية الصهيونية.

 

أبعد من الحدث

على أن معركة فندق شيبرد تحمل أكثر من بعد في قضية الصراع في فلسطين والقدس، فالصهاينة المولعون بحرب الرموز طالما نظروا إلى الفندق ومحيطه في حي الشيخ جراح كمعلم من معالم الحضور الفلسطيني ارتبط بمرحلة كفاح راسخة في الوجدان الفلسطيني، وغالباً ما كانت هناك تصريحات إسرائيلية تدعو إلى اقتلاع هذا الرمز الذي يزعم الصهاينة أنه يذكر برجل أقام علاقات مع هتلر ودول المحور في الحرب العالمية الثانية في سعيه إلى خلاص فلسطين من براثن المشروع الصهيوني.

إلا أن أهمية الحدث ليست في الحدث ذاته تماماً، وإنما في كونه يفتح من جديد نافذة على المشهد الحقيقي والمعركة الفعلية في هذه اللحظات، أي معركة القدس التي تقيم في كل لحظة واقعاً جديداً في صراع الفلسطينيين ضد الاستيطان والتهويد.

في بعد الاستيطان، يبدو استهداف فندق شيبرد "حجر سنمار" أو نقطة تقاطع في إطار مخطط استيطاني كبير في شرقي القدس، فهدم الفندق والسيطرة على أراضيه المحيطة هدفه القريب المعلن - وفق تصريحات وتراخيص أصدرتها اللجنة الوائية الاستيطانية في القدس- إقامة 20 وحدة استيطانية على أراضي الفندق ومحيطه ، ثم الاستيلاء على 37 دونما هي  أراضي كرم المفتي بجانب الفندق بهدف إنشاء 180 وحدة استيطانية أخرى.

لكن مفردات الصورة تشير إلى هدف صهيوني أبعد من ذلك بكثير، ويصل إلى مخطط لعزل البلدة القديمة في القدس من خلال تهويد الغلاف الشمالي للبلدة الذي يضم حي الشيخ جراح ووادي الجوز الملاصق للحرم القدسي الشريف من جهة الشمال. والأرجح أن الصهاينة يخططون لإجراء اتصال استيطاني مع نقاط ومؤسسات تواجد استيطاني في المنطقة منها مبنى الجامعة العبرية ومركز صندوق كوبات حوليم- كلاليت الصحي وفندق حياة ريجنسي ومستشفى هداسا. ولتحقيق ذلك يتوقع أن يسعى الصهاينة لاحقاً إلى دفع الزحف الاستيطاني من  تجمع رامات أشكول شمال الشيخ جراح باتجاه الضلع الشمالي للحرم ، على أن تكون منطقة الجامعة العبرية مفصل ربط يتصل بتقدم استيطاني آخر يأتي من اتجاه الجانب الغربي من القدس المحتلة عام 48. وتؤكد مصادر حقوقية في الكيان الصهيوني أن مشروعاً مستوطنة جديدة سيقام بالفعل على أنقاض المنازل الفلسطينية التي استولت عليها سلطات الاحتلال العام الماضي في هذه المنطقة، بحيث يجري ربطها مع منطقة الجامعة العبرية شرقي القدس المحتلة.

 

خنق الحرم

تكفي نظرة عاجلة إلى حركة الاستيطان الصهيوني في البلدة القديمة ليتضح أن الغرض الصهيوني هو خنق منطقة الحرم القدسي الشريف ومحو الديموغرافيا العربية الفلسطينية منها. الخطورة في الأمر أن هذا المخطط يسير بإيقاعات دراماتيكية ويحقق نجاحات صريحة.

الآن في القدس هناك حزام استيطاني يتسع في كل لحظة ويمتد من شمال البلدة القديمة (حيث يواجه الصهاينة عقبات في الشيخ جراح ووادي الجوز) ليمر نحو جبل الزيتون محاصراً الحرم من جهة الشرق، والجنوب الشرقي،  المنطقة التي شهدت جهوداً صهيونية استيطانية مكثفة  العام الماضي ( وهي بالمناسبة تتاخم منطقة فندق شيبرد في الشيخ جراح).

وإذ يبدو أن غرب البلدة القديمة المتاخم لخط الاحتلال الذي يفصل شرق المدينة المحتلة عن جزئها الغربي المحتل عام 48 قد أصبح بشريطه الضيق جداً منطقة مستباحة للاستيطان والأنفاق اليهودية والأراضي المصادرة للحدائق التوراتية ومزاعم بناء المرافق العامة، فإن أنشوطة التهويد توشك أن تكتمل في الجزء الجنوبي على حدود الحرم القدسي.

ففي منطقة سلوان وباب العمود النصيب الأكبر من إخطارات الهدم التي وصلت الآن إلى ما يزيد عشرين ألف إخطار، في واقع رفض سلطات الاحتلال منح تراخيص بناء للمقدسيين والتضييق عليهم بالغرامات والضرائب. ومؤخراً ، في إطار الزحف الاستيطاني جنوب البلدة القديمة والحرم الشريف، تم الكشف عن مخطط جديد لإقامة حي استيطاني من 180 وحدة سكنية على أراض مصادرة قرب حي امليسون جنوب القدس، والمخطط يعود بتاريخه إلى العام 2005 تحت رقم "7977 أ".

قريباً من منطقة الحرم من جهة الجنوب، توشك أن تقوم معالم بؤرة استيطانية جديدة في منطقة بئر أيوب ومحيط حي البستان، ويسعى الصهاينة كما يبدو إلى ربطها ببؤرة استيطانية أخرى في منطقة بطن الهوى التي يشيرون إليها باسم "بيت يوناتان"، وإذا تحقق ذلك سيكون السيناريو فعلاً، فإنه سيشكل مرحلة خطيرة من  تواصل استيطاني في الجنوب مشابه لما يخطط له الصهاينة عند غلاف البلدة القديمة الشمالي.

 يعتبر الصهاينة  منذ الاحتلال عام 1967 منطقة جنوب الحرم نقطة توغل مفصلية في مشروع تهويد البلدة القديمة وشرقي القدس، فهناك حائط البراق الذي يطلقون عليه اسم حائط المبكى، وقد تمكنوا عبر عقود الاحتلال من محو أحياء فلسطينية كاملة منها حي المغاربة وهدموا منطقة الباب التي تحمل هذا الاسم، كي يتمكنوا من إنشاء ما يسمونه الآن الحي اليهودي. وتحتوي المنطقة العدد الأكبر من الأنفاق والكنس والمرافق اليهودية التي أقيمت على أراض مصادرة أو تحت جدران المسجد الأقصى.

 

تسارع التهويد

والتهويد ومحو المعالم العربية والإسلامية مشهد يومي في القدس، مشهد تتعدد صوره ما بين مصادرة أراضي الوقف ومواقع المقابر الإسلامية وبين إنشاء الكنس والبؤر الاستيطانية المحاطة بالحدائق التوراتية ومتاحفها. هذا المخطط المتعدد الأوجه والمتواصل منذ 67 ، بؤرته البلدة القديمة وغالباً ما يتم بطرق رسمية وعبر بلدية القدس التابعة الاحتلال. وقد شهدت الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي حركة التهويد الأكثف عبر إصدار رخص بناء الرموز والكنس اليهودية في الجنوب كمشروع  "بيت الجوهر" لبناء متحف يهودي  على مساحة ثلاثة آلاف وسبعمئة متر مربع في الجهة الغربية من ساحة البراق، ومشروع إنشاء مدخل كبير تحت الأرض يصل إلى ساحة البراق ويكون بديلاً عن المدخل الرئيسي الحالي المؤدي إلى هذه  الساحة من جهة منطقة سلوان القريبة من "باب المغاربة".

أكثر من ذلك، ووفقاً لكشف مصادر فلسطينية وقفية في القدس،  يعمل الصهاينة في هذه اللحظات – وتحت ستار ترميم أسوار الحرم، على تغيير الهوية التاريخية الإسلامية لأسوار القدس القديمة باستبدال حجارتها الأصلية بحجارة تحمل إشارت للهيكل اليهودي المزعوم ونجمة داود. وحسب المصادر فإن الاحتلال انتزع صفوفاً من الحجارة في باب الساهرة وباب الحديد ومنطقة باب العامود واستبدلها بحجارة تحمل النجمة السداسية. 

لكن الأمر ليس محاولات متناثرة دون سياق، ففي الكيان الصهيوني يعتبرون أنهم يديرون حرباً على المستوى الدولي أيضاً لإقناع العالم بيهودية المدينة، وهناك الآن خطة عمل تدخل فيها وزارات الخارجية والسياحة والآثار لترويج تلك المزاعم باستخدام الوسائل الدبلوماسية والدعائية المختلفة وتطوير الأساليب السابقة التي درج الصهاينة على استخدامها في العقود الماضية.. في هذا المنحى مثلاً أطلق الكيان الصهيوني مؤخراً  حملات إلكترونية حيث يقوم " صندوق إرث المبكى " باستخدام تقنية تنقل وقائع حائط البراق، بملامح يهودية، إلى أي مكان في العالم في بث حي ومباشر عبر تقنية الآي فون، كما أخذت منظمات يهودية وصهيونية تنحى نحو استخدام الصفحات الإلكترونية الاجتماعية على نطاق أوسع وتعرض منطقة الحرم كمعلم يهودي وتوجه الدعوات للقيام بأنشطة تفاعلية سياحة ودينية.

هي الحرب في القدس إذاً، هنا حيث الصهاينة لا يخفون في المستوى السياسي أن هدم فندق شيبرد، ما هو إلا صدى واحد من أصداء حرب مستعرة، يشير إليها نتنياهو بالكثير من الوضوح، وهو يصرح مؤخرا أن حكومته لن تمنع اليهود من البناء في القدس، أي أن معركة الاستيطان والتهويد مستمرة، وهي ليست في حسابات نتنياهو على طاولات التفاوض، وإن كانت كذلك في حسابات عرب آخرين.

 

الثبات

 
أ. ماهر رجا
تاريخ النشر:2011-01-19 الساعة 15:03:39
التعليقات:0
مرات القراءة: 1814
مرات الطباعة: 524
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan