الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » القضية الفلسطينية

السلام والاستيطان ضدان لا يلتقيان

عدنان السمان

 

 

 

 

يريد نتانياهو، وكل غلاة اليمين الإسرائيلي المتطرف، أن يقولوا للناس جميعاً في هذا العالم بمن فيهم العرب والفلسطينيون، إنهم يهدمون بيوتاً للإسرائيليين تماماً مثلما يهدمون بيوتاً للعرب الفلسطينيين، وإنهم في هذا لا يميزون كثيراً بين هؤلاء وأولئك؛ فالبناء يُهدم عندما لا يكون شرعيّاً، سواء كان في هذه المستوطنة "العشوائية" التي أُزيلت فيها بعض البيوت مؤخراً، أو في سلوان، أو الشيخ جراح، وفي غيرهما من ضواحي القدس، أو نابلس، أو الخليل، أو النقب، أو الجليل، وفي كل الأرض العربية المحتلة في هذه الديار.

ويريد نتانياهو أيضاً أن يُضفي على نفسه، وعلى تصرفاته وإجراءاته هذه صفة الشرعية، وصفة العدالة، وصفة النزاهة في الحكم أيضاً، ويريد أن يظهر بمظهر القاضي الذي لا يحابي، ولا يخشى في الحق لومة لائم؛ فقد هدم نتانياهو بيوتاً عشوائية لمستوطنين في مستوطنة عشوائية، وأمر قضاء نتانياهو أن يحبسَ جنديّاً مكلفاً مدة ثلاثين يوماً بعد أن أزال بيته في تلك المستوطنة، وإن كان ذلك الجندي مصرّاً على إعادة البيت إلى مكانه، وإن كان أصحاب البيوت التي أُزيلت في الماضي قد أعادوا بناءها من جديد.

نتانياهو يعلم في قرارة نفسه أنه يحاول خداع الناس في هذا العالم، ويعلم أيضاً أن الاستيطان كله غير شرعي، سواء كان عشوائيّاً أو غير عشوائي، وسواء كانت هذه المستوطنات موضوع الحديث كبيرة أو صغيرة، وسواء كانت دينية أو مدنية، زراعية أو صناعية، على سفوح الجبال أو على قممها.. ونتانياهو -ومعه كل غلاة اليمين الإسرائيلي المتطرف- يعلم جيداً أن القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة هي أرض فلسطينية محتلة منذ عدوان حزيران عام سبعة وستين، ويعلم جيداً أن هذه الأرض المحتلة البالغة مساحتها نحو (6257) من الكيلو مترات المربعة، بحسب كثير من المراجع ومصادر المعلومات، لم يكن فيها استيطان، ولم يكن فيها مستوطن واحد، وأن الاستيطان والمستوطنين كانوا فقط في المحتل عام ثمانية وأربعين، وأن جذور ذلك الاستيطان تعود إلى أكثر من مئة عام خلت، وأن ذلك الاستيطان قد ظل ينمو وينتشر على أرض الجليل والمثلث والنقب والسهل الساحلي، ويصادر مزيداً من الأرض الفلسطينية آنذاك لغاياته وأهدافه تلك، وأنه كان يسابق الزمن في فرض هذا الواقع الديموغرافي الجغرافي الجديد الذي تبدو معه تلك المناطق من فلسطين وكأنها ملك لليهود الذين أخذت الوكالة اليهودية تستقدمهم من شتى أقطار العالم، ولاسيما أقطار أوروبا الشرقية، مستغلةً ظروف الحرب العالمية الثانية، ومن شتى أقطار العالم العربي قبل ذلك وبعده وبالتزامن معه، مستغلة تعاون الأنظمة العربية معها، في تسهيل مهمتها، وتهجير اليهود إلى تلك الأرض التي ستقام عليها دولتهم بموجب وعد بلفور، واستعدادًا لميلاد "الدولة اليهودية" التي ستقام بموجب أفكار ثيودور هرتزل وأحلامه وتطلعاته.

ونتانياهو يعلم أكثر من غيره أن "إسرائيل" التي أقيمت في (15/5/1948) قد تجاوزت النسبة التي حددها قرار التقسيم الصادر في (29/11/1947) وأنها قد ضمَّت إليها (12%) من مساحة فلسطين التاريخية، لتقام على (78%) من مساحة هذه البلاد بدلاً من (56%) كما نص على ذلك القرار رقم (181) وهو الشهير في التاريخ بقرار التقسيم، وأن اليهود قد وضعوا أيديهم على أربعة ملايين دونم من الأرض الفلسطينية بسبب ذلك، ويعلم نتانياهو أكثر من غيره أن المستوطنين اليهود الذين بلغت أعدادهم آنذاك نصف مليون مستوطن هم الذين وضعوا وعد بلفور موضع التنفيذ، وهم الذين أقاموا الدولة اليهودية التي حلم بها ثيودور هرتزل، وهم الذين أجبروا أكثر من ثمانين بالمئة من أهل فلسطين على الرحيل عنها، والخروج منها بالطرق التي يعرفها نتانياهو جيداً، ويعلم نتانياهو أكثر من غيره أن دولته تلك قد وضعت يدها على كل أراضي العرب الفلسطينيين الذين هُجّروا آنذاك، وعلى كل ممتلكاتهم وبيوتهم ومنشآتهم الصناعية، ومحالّهم التجارية، وعلى كل مزارعهم، ومدارسهم، وكثير من مساجدهم وكنائسهم، وملاعب أطفالهم وطفولتهم، ونتانياهو يعلم أيضاً أن دولته تلك قد نسفت أكثر من خمسمائة قرية عربية فلسطينية في ذلك العام والأعوام القليلة التي تلته، ويعلم جيداً أن ما يجري في "العراقيب" اليوم من هدم وتخريب ربما للمرة الخمسين، إن هو إلا امتداد لتلك السياسة التي انتهجتها دولته هذه التي يقف اليوم على رأس حكومتها.. وأخيراً وليس آخراً فإن نتانياهو يعلم كما يعلم معه كافة أقطاب اليمين الإسرائيلي المتطرف أن ما يجري في الضفة الغربية من تسريع لوتيرة الاستيطان، وتنظيم له، ومن محاولات مستميتة لإضفاء الشرعية عليه، وتجميل وجهه القبيح، ولاسيما في هذه الكتل الاستيطانية الكبيرة التي يجري الحديث منذ مدة طويلة عن إمكانية ضمها لدولة نتانياهو في ظروف معينة، وفي مراحل محددة من مراحل الحل، وإنهاء الصراع إن هو إلا محاولة مكشوفة لتكرار ما حصل عام ثمانية وأربعين: فالمستوطنون اليوم في الضفة الغربية أكثر من نصف مليون، والمستوطنات بالمئات، وفيها المدن الكبيرة، والمستوطنون يسيطرون على أكثر من نصف مساحة هذه الضفة، والمحاولات مستمرة في كل يوم لمصادرة مزيد من الأرض، وهدم مزيد من البيوت العربية، وعزل كثير من السكان العرب عن أراضيهم، وإبعادهم عنها تمهيداً لضمها، ووضع اليد عليها.. والمحاولات أيضاً مستمرة لتمويت هذه القضية المزمنة بزرع اليأس في النفوس، وإيجاد البدائل الهزيلة التي لا ترضي أحداً، ولا يمكن أن يقتنع بجدواها أحد، ولا تصلح أن تكون أساساً لأي حل إلا أن يكون ركوعاً واستسلاماً وتنازلاً عن حق أهل هذه الديار في العيش فيها.. لقد آن لنتانياهو أن يعلم أن ما حدث سابقاً ليس بالضرورة أن يحدث لاحقاً، وآن له أن يعلم أنه وبمن معه من كل أقطاب اليمين المتطرف لا يستطيعون فرض رؤيتهم على أحد مهما أوتوا من قوة، ومن دهاء، ومن نفوذ في كثير من دول هذا العالم، وفي كثير من أنظمة العرب التي يرى نتانياهو بعينيه، ويسمع بأذنيه أنها قد بدأت تتهاوى أمام ضربات الشعوب وأحرارها وحرائرها، وأن نظاماً واحداً يطمئن إليه نتانياهو، ويعلق عليه الآمال لن يبقى قائماً في بلاد العرب، لسبب واحد بسيط هو أن هذه الشعوب قد عرفت طريقها، وأنها لن تكتفي بأقل من قيام دولة العرب على كل أرض العرب، طال الزمن أم قصُر، وأنه لا بد من روما وإن طال السفر!! ولن تسمح بعد اليوم لغربيّ أن يتحكم بها، مهما كلّفها ذلك من تضحيات.

وإذا كانت الثورات التي يشهدها الوطن العربي اليوم هي التي دفعت نتانياهو لتغيير طريقة تعامله مع الفلسطينيين، ودفعته للتوجه نحو أمريكا طالباً مساعدتها ومشورتها في الأمر، وجعلته على استعداد للموافقة الفورية على حل مؤقت تؤجَّل معه قضايا الحل النهائي إلى المفاوضات التي سيؤدي إليها هذا الحل المؤقت القائم على حدود مؤقتة لهذه الدولة الفلسطينية التي يتحدثون عنها منذ عقود، وإذا كان نتانياهو قد نسي في غمرة ما يحدث أن الفلسطينيين كانوا قد رفضوا أي حل مؤقت قائم على حدود مؤقتة، وأنهم مازالوا يرفضون ذلك، وإذا كان قد نسي أيضاً أن العرب اليوم هم أصحاب القرار في كل قضاياهم؛ فإن الثورات التي سيشهدها هذا الوطن العربي، وإن نتائج هذه الثورات، وما ستسفر عنه على كل الأرض العربية، قد تكون السبب الذي سيرغم نتانياهو وغير نتانياهو من قادة الدولة العبرية، على التخلي عن سياسة المراوغة والاستعلاء والاستكبار، وعن الاصطياد في المياه العكرة، وكل محاولات الاستغفال والاستغلال والضحك على الذقون، وقد تكون السبب في أن يتوجه هؤلاء نحو حلول عملية قد تعود معها الحقوق إلى أصحابها، وقد يعيش معها الناس جميعًا في هذه الديار، وفي غير هذه الديار، بأمن وأمان وسلام، وقد لا تكون.. إن غاية ما أريد قوله لنتانياهو هنا هو أن الاستيطان كله غير شرعي، وأن السلام والاستيطان ضدان لا يلتقيان، وأنه لا سلام بدون عودة الحقوق إلى أصحابها.. وأن السلام العادل الدائم المقنِع المشرِّف هو السلام الذي ترضى عنه الشعوب، وهو السلام الذي يعود معه السيف إلى قرابه، ويعود معه الحق إلى نصابه، والأسد إلى عرين غابه، وهو السلام الحقيقي الذي ينبغي أن نسعى إليه جميعاً في هذه الديار.

 

"القدس العربي"


 
عدنان السمان
تاريخ النشر:2011-03-15 الساعة 11:59:19
التعليقات:0
مرات القراءة: 1503
مرات الطباعة: 350
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan