الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » فلسطين قضية الأمة » القدس

أرمن القدس في قلب الصراع

شيرين أبو عاقلة

 

تعبر باب الخليل كي تجد نفسك أمام واحد من أهم محاور الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في مدينة القدس، وتستوقفك أعمال الحفر الإسرائيلية في ميدان عمر بن الخطاب بذريعة تحسين البنى التحتية في

المنطقة، ويلفت انتباهك فندقا الإمبريال والبتراء حيث الحرب على أشدها للسيطرة على طول الطريق حتى حارة اليهود. وتمر بمركز شرطة المسكوبية لتجد نفسك أمام حارة الأرمن، حصن آخر يسعى الإسرائيليون للسيطرة عليه في الطريق المؤدي إلى ساحة البراق، أو ما يُعرفعند اليهود بحائط المبكى.

في السابق كان اليهود يستخدمون بوابة النبي داود لدخول البلدة القديمة نحو الحي اليهودي، أمّا اليوم فقد

تبدلت الحال، وصار باب الخليل ممراً أساسياً لهم، وفي الأعياد يكاد السكان الآخرون في المنطقة لا يتمكنون من إيجاد موطئ قدم لهم.

إلى يسارك يسترعي انتباهك تلك البوابة الكبيرة التي كُتب عليها باللغات الثلاث: العربية والفرنسية والأرمنية: “دير الأرمن مار يعقوب”، وما زالت تلك البوابة تُغلق عند العاشرة ليلاً وتُفتح في الخامسة من كل صباح. إن أول ما تقع عيناك عليه عندما تعبر البوابة هو النقش العربي على الحائط في مواجهتك، والذي يعود إلى عهد السلطان المملوكي الملك الظاهر أبي سعيد محمد في سنة 1434 ،وهذا النقش، كما يفسره الأرمن، ينظر إليه كفرمان يضمن لهم الحماية والإعفاء من دفع الضرائب. فقبل ذلك بعشرات العقود ما زال الأرمن يتذكرون حين وقف أحد مطارنتهم في استقبال الخليفة عمر بن الخطاب عندما

دخل القدس في سنة 637 ، وكيف قابل الخليفة البطريرك صفرونيوس ومنحه العهدة، وقدم لبطريرك الأرمن أبراهام ميثاق عهد وأمان يضمن حقوق البطريركية وامتيازاتها كما يضمن الحماية والسلامة للأرمن وأملاكهم في القدس، كسائر المسيحيين في المدينة.ولم يكن الدير حتى بداية القرن الماضي إلاّ مكاناً دينياً يضم مجموعة من الكنائس أهمها كنيسة ديرمار يعقوب، التي بنيت في القرن الخامس الميلادي،وهي تحتوي رأس القديس يعقوب. وكان الدير مقصداً للحجاج الأرمن الذين يأتون إلى الأراضي الفلسطينية فيمضون فيه أياماً أو أسابيع. تسير في شوارعه الضيقة،لتصل إلى عدد من الأبنية التي تحوّل بعضها إلى نوادٍ أوصالات طعام، وهذه الأبنية ذاتها كانت تُستخدم للنوم أوإسطبلات.وفي الدير أيضاً مكتبتان تعد إحداهما بين أهم المكتبات في العالم كمصدر للمخطوطات المسيحية.ويفخر مطران الأرمن، أريس شرفانيان، بمكتبة القديسة كاترينا التي تضم نحو 4000 مخطوطة عن التاريخ الأرمني والمسيحي، منها مخطوطات ترجع إلى القرن التاسع، ونحو 50 مخطوطة تعود إلى فترات تتراوح بين

القرنين الثاني عشر والرابع عشر.وما زال الدير إلى اليوم، يحتفظ بما يُعرف بالكنز،وهو مجموعة من الأدوات الفنية التي أحضرها الحجاج أوجاء بها ملوك وأثرياء وأمراء من أنحاء العالم كهدايا له.

ويقول المؤرخ والكاتب الأرمني، جورج هنتليان، إن أولمطبعة أنشئت في القدس هي تلك التي لا تزال موجودةفي دير الأرمن ويعود تأسيسها إلى سنة 1833 ، وقدأُحضرت الآلات آنذاك من النمسا.

هجرة تلو الأُخرى

لم يتوقع أحد من قبل أن يتحول الدير إلى حي سكني يفتح بابه للاجئين الأرمن مرة بعد أُخرى، فالأرمن الأوائل في فلسطين كانوا يسكنون خارج الدير، وتعود هجرتهم إلى فلسطين إلى القرن الرابع الميلادي، فقد بدأ اهتمامهم بالأراضي المقدسة مع اعتناق الأرمن المسيحية، ومنهم مَن جاؤوا كرهبان واستقروا في البادية في منطقة الخان الأحمر على الطريق بين أريحا والقدس. لكن الأوضاع اتخذت منحى جديداً غيّر هوية الدير مع بدايات القرن الماضي، فمنذ سنة 1915 بدأت الهجرة التي يعزوها الأرمن إلى المذابح في تركيا، ويقول المؤرخ الأرمني هنتليان إن عدد اللاجئين الأرمن من تركيا إلى فلسطين يقدر بنحو 12.000 أرمني استقروا في القدس ويافا وحيفا، وأسسوا مجتمعات خاصة بهم. ولم يمضِ وقت طويل حتى جاءت الهجرة الثانية، ففي سنة 1948 ، وهذه المرة في فلسطين، تكبد الأرمن ضربة موجعة جديدة، إذ يقول المطران أريس: “إن عدد الأرمن في فلسطين حتى ذاك الوقت كان يقدر بنحو 15.000 إلى 20.000 ، وفي العام 1948 هاجر نحو 10.000 أرمني من يافا وحيفا إلى عمّان وبيروت. وفتح الدير أبوابه مرة أُخرى لمزيد من اللاجئين الذين خسروا بيوتهم وأرزاقهم.” في تلك السنة أيضاً لم يسلم الدير من القصف الذي أوقع عدداً من الضحايا. أمّا ليزا ميناشيان الأرمنية المقدسية فتقول إن خالتها كانت في السابعة عشرة من عمرها تستعد لحفل زفافها حين سقطت قنبلة في ساحة بيتها أودت بحياتها، وبما أن

أهلها لم يتمكنوا من الوصول إلى المقبرة القريبة لدفنها جرّاء القصف، فقد دُفنت داخل الدير. وفي ساحة الدير يشير عدد من العاملين إلى بعض الثقوب في الجدران القديمة التي تؤرخ وتشير إلى سنة النكبة، وفي هذا الصدد يقول جورج هنتليان: “إن الأديرة فتحت أبوابها للمهاجرين، وقدمت مؤسسات مثل الأونروا المساعدة للاجئين في مجالات التعليم وتقديم الغذاء مما خفف عن الناس معاناتهم. لكن عام 1948 لم يشهد إلاّ بداية الهجرة إلى خارج فلسطين، فمع تردي الأوضاع المعيشية استمرت الهجرة من يافا وحيفا حيث كان قد بقي نحو2000 أرمني.

أمّا في الأربعينيات، فيشير هنتليان إلى أن دولاً مثل الولايات المتحدة كانت أبوابها موصدة أمام أي مهاجر، تغير حالها بشكل لافت بعد النكبة، فقد فتحت دول كالولايات المتحدة وأستراليا وكندا والدانمارك، أبوابَ الهجرة إليها. ويبلغ عدد الأرمن في فلسطين اليوم نحو 4000شخص يقيمون في القدس وباقي المدن الفلسطينية.

الوضع المعيشي

ربما كانت مهنة السيراميك بين المهن المحدودة التي تمكن الأرمن من الحفاظ عليها على الرغم من مرورعقود من الزمن. فقد جاءت عائلة أوهانسيان في بداية القرن الماضي بهذه المهنة من تركيا ونقلتها إلى عائلتَي باليان وكركشيان. وإلى جانب السيراميك برع الأرمن في التصوير والطباعة والخياطة وصناعة الأحذية وصوغ الذهب. ويقول المؤرخ جورج هنتليان: “إن المذابح التي تعرض لها الأرمن خلّفت أعداداً كبيرة من اليتامى والأرامل فلم يكن مناص أمام أولئك إلاّ تعلم المهن للاستمرار في

العيش، لكن الوضع تغير الآن.” وكان الأرمن، حتى سنة 1948 ، يملكون نحو 80دكاناً بين ما يقارب 300 دكان في المنطقة التجارية بين ماميلا مأمن الله وباب الخليل، لكنها أُغلقت أودُمرت جميعاً. وكان الأرمن في أوائل القرن الماضيوحتى أواسطه يُعدون من نخبة المجتمع الفلسطيني، أمّا الآن فباتوا من الطبقة الوسطى المتدنية، وباتت مشكلةالبطالة همهم الأول؛ فمعظم المهن القديمة لم يتمكن

من الصمود في وجه التطور التكنولوجي، وأُغلقت عدة مشاغل ودكاكين تحت وطأة الضرائب الباهظة التي فرضتها إسرائيل، وتحول كثيرون من الشبان من الجيل الجديد إلى عمال في السوق الإسرائيلية.

الأرمن وجيرانهم العرب

قبل هجرة الأرمن من تركيا كان يعيش في فلسطين نحو 1500 أرمني، وهؤلاء كانوا جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع الفلسطيني، فقد أتقنوا اللغة العربية وتحدثوا بها حتى في بيوتهم، ومنهم من عاش في القدس، وآخرون سكنوا في بيت لحم حيث ما زال يقيم اليوم نحو300 أرمني. وإحدى تلك العائلات هي عائلة نصار التي لا يعرف أغلبية الفلسطينيين أن جذورها أرمنية، وأنه لا يمكن تمييزها من أي عائلة فلسطينية أُخرى. يتابع هنتليان: “عندما هرب الأرمن من تركيا لم تتمكن كثير من العائلات من التفاهم لأن الأرمن في فلسطين تحدثوا العربية في حين كانت اللغة التركية هي لغة القادمين من هناك، ومن هنا ظهرت الحاجة أكبرلإتقان اللغة الأرمنية، ومعها الحاجة لحماية الذات بعد ما تعرض له الأرمن من مذابح على يد الأتراك. أمّا اليوم، فيتقن غالبية الأرمن اللغة العربية، وإن كانت اللكنة في الحديث لا تزال واضحة عند البعض خاصة من كبارالسن الذين جاؤوا إلى فلسطين مهاجرين.” وفي القدس يرتبط الأرمن بجيرانهم العرب بعلاقات طيبة، وفي بعض الأحيان كانوا يميلون إلى رفض التزاوج مع العرب

المسيحيين محافظة على هويتهم، لكن هذا الحاجز زال، واختلط المسيحيون الفلسطينيون والأرمن في كثير منحالات الزواج.

الأرمن وجيرانهم اليهود

على مسافة أمتار من حارة الأرمن تجد نفسك في حارة اليهود، من دون أن يكون هناك حدود تفصلهما، بل إن بعض البيوت اليهودية يقع اليوم داخل حارة الأرمن.وهذا الوضع لم يكن سائداً قبل نحو ثلاثين عاماً، فالأرمن يتذكرون أن ما لا يقل عن 65 مبنى عربياً كانت تشكل فاصلاً بين حارة اليهود والحي الأرمني، لكنها جميعاً وقعت بيد اليهود خلال الفترة 1967 – 1980 ، الذين استولوا عليها بذرائع متعددة، فاتسعت حدود حارة اليهود حتى صارت اليوم ملاصقة لهم. وباتساع رقعة الحي اليهودي زادت الحاجة إلى السيطرة على مزيد من الطرق إلى الحي كباب الخليل، ويقول المطران أريس: “إن القرب الجغرافي لم يستطع يوماً أن يكسر الحاجز النفسي بين الأرمن واليهود.”

فالجيران اليهود هم في أغلبيتهم من الأورثوذكس المتدينين، وهم يشكلون نحو 97 %، بينما لا يزيد اليهود العلمانيون على 3%، لكن الوضع كان معكوساً في فترة الستينيات وحتى السبعينيات، ففي حينها لم تتجاوزنسبة المتدينين اليهود 5%.ولا يخفي اليهودي اليوم امتعاضه من جاره الأرمني المسيحي، وهنا يقول المطران: “إن حوادث البصق التي يتعرض لها الأرمن تتكرر باستمرار، يبصقون على

الصليب ويديرون ظهورهم لنا، وتزداد حوادث الاعتداء أيام الآحاد خلال المسيرات الدينية من كنيسة القيامةإلى الدير.” ومع أن تلك المسيرات يرافقها في العادة ثلاثة من أفراد الشرطة الإسرائيلية كإجراء بروتوكولي، إلاّ إن الحوادث لم تتوقف وازدادت وتيرتها أيام السبت.ويتابع المطران أريس: “تقدمنا بالعديد من الشكاوى إلى الشرطة الإسرائيلية التي حققت مع عدة أشخاص، وفي كل مرة كانت تخلي سبيلهم بعد ساعات.” واليوم يقول العديد من الأرمن في الحي إن الشرطة الإسرائيلية ما

عادت تتكبد عناء اعتقال أحد.وفي أحيان أُخرى تتطور الأمور، ففي المعهد الديني التابع للدير يدرس الطلبة اللاهوت استعداداً للدخول في الكهنوت، وأغلبيتهم شبان من أرمينيا. ويشير العديد من الأرمن إلى حادثة وقعت مع أحد أولئك الطلبة حين قام فتى يهودي بالاعتداء عليه بصورة متمادية عندما كان

في طريقه إلى كنيسة القيامة، وفي أحد الأيام فقد هذا الطالب صبره وردّ الإهانة إلى ذاك الفتى اليهودي، فتم اعتقال الشاب الأرمني وتغريمه. ويروي المطران أريس حادثة أُخرى، فيقول: “في العام الماضي صدر قرار بترحيل اثنين من طلبة الدير بأمر شخصي من قبل وزير الداخلية الإسرائيلي إيلي يشاي، والسبب هو ذاته، لقد ردّا الإهانة لأحد اليهود الذي بصق عليهما. حاولنا أن نبقي المطلوبَين فترة من الزمن،ثم نصحنا محامينا أن يغادرا إلى أرمينيا ونتقدم لهما بتأشيرات دخول جديدة إلى القدس، وما زلنا ننتظر.”

“نحن فلسطينيون بوظيفة كاملة”

يقول هنتليان: “صحيح أننا أرمن من نواح إثنية ولكن أمام إسرائيل أنت فلسطيني، فلا فرق إن كنت تتكلم

الأرمنية أو العربية، ففي الحالتين ستحظى بالمعاملة ذاتها.” وما وقع على القدس الشرقية في سنة 1967 بعد الاحتلال الإسرائيلي هو ذاته الذي وقع على حارة الأرمن، فالأرمني في القدس كالفلسطيني يحمل الهوية المقدسية ووثيقة سفر إسرائيلية وجواز سفر أردنياً، باستثناء عدد قليل حصل على جواز السفر الإسرائيلي. كما يعيش الأرمني صراعاً بشأن هويته تماماً كما المقدسي المسلم أو المسيحي.

ويقول بعض العاملين في الدير: “إن الدير كغيره من الأديرة كان يتمتع بوضع خاص لدى السلطات

الإسرائيلية. وفي وقت من الأوقات، كان يكفي أن يكتب البطريرك رسالة إلى وزير الداخلية يطلب فيها لمّ شمل أحد القادمين الجدد أو أحد الأزواج حتى تستجيب وزارة الداخلية، ]لكن[ ذلك الوضع تغير منذ مجيء بيغن إلى السلطة في عام 1977 . أحد موظفي الدير هو رجل في الخامسة والخمسين من عمره يدعى روبرت، أرمني ولد في القدس، عاش فيها وحمل الهوية المقدسية، ثم سافر إلى الولايات المتحدة، تزوج ثم تطلق وعاد إلى مدينة القدس. بعد سنوات من عودته وتحديداً في العام 2008قررت وزارة الداخلية سحب هويته، وحتى اليوم لم يستطع البطريرك أن يفعل شيئاً. أُرسلت عشرات الرسائل إلى الداخلية دون رد، وما زال الموظف يواجه قراراً بالطرد، ولا يستطيع أن يغادر الدير.”

حرب صامتة على الأرض

استولت إسرائيل في سنة 1967 على مساحة من الأراضي التابعة للأرمن تقع بين كنيسة الروم الأورثوذكس على جبل صهيون وقلعة النبي داود قرب باب الخليل، وصودرت تلك الأرض، واليوم تدور حرب صامتة بين الجانبين للحفاظ على أملاك الأرمن وأراضيهم قرب الدير. يقول أحد المسؤولين في الدير: “البعض يستغربأننا قمنا ببناء المعهد الديني أو ))السمينار(( في الأرض الواقعة مقابل الدير واستعضنا بهذا المبنى عن المبنى القديم في داخله. كنا نعلم أننا يمكن أن نخسر الأرض لو بقيت فارغة. حاولنا بعد ذلك البناء على قطعة من الأرض التابعة لنا قربها، لم نُمنح الترخيص، قلنا حسناً،

سنحولها إلى موقف سيارات.” في سنة 1973 بدأ البناء بكنيسة دير المخلص عند باب النبي داود، وحصل الدير على الترخيص اللازم للبناء، لكن بعد أعوام أوقف بناء الكنيسة بحجة وقوع مخالفات. وفي سنة 1985 استفسر الدير من جديد عن أسباب التوقيف فجاء الرد الإسرائيلي مع شرط لا يبدو صغيراً هو: “لا بأس من متابعة البناء ولكننا نحتاج إلى أرض بالمقابل. رفض بطريرك الأرمن الطلب الإسرائيلي،ولم يكتمل البناء.”

وثمة شهادات أُخرى وإن كان أصحابها يفضلون عدم ذكر أسمائهم، فبين حين وآخر يدّعي رجل ملكية

أرض للدير، وبعض تلك الأراضي يعود ملكيته إلى مئات الأعوام، وهنا يصير الدير مطالباً بإثبات الملكية.

هذا الأمر هو أقرب إلى معركة جس النبض، فصاحب الأرض مُطالب بإثبات ملكيته، وهو إذا امتلك الأوراق اللازمة استطاع أن يحافظ على أرضه، أمّا إذا لم يكن لديه الأوراق اللازمة، يخسرها.

وفي موازاة الأرض يسعى اليهود لتملك البيوت العربية والأرمنية في القدس، ويقول شاهد على واحدة

من عمليات الشراء: “يأتي مشترٍ يهودي يعرض على صاحب البيت شراءه، يطمئنه أنه ليس مضطراً لمغادرة بيته اليوم، سيحصل على الثمن كاملاً، يودعه في أي بنك يختاره في العالم، بعد عمر طويل يقول صاحب العرض عند الوفاة ستتحول ملكية البيت لنا.”

آخر مشروع إسكان استطاع أن يبنيه الأرمن في القدس يعود إلى سنة 1962 ، وهو مبنى ملاصق لحارة

اليهود، والمشكلة هنا ليست بطبيعة الحال في الأرض، وإنما في تراخيص البناء، إذ إن ردّ إسرائيل هو كالمعتاد: لا نريد مباني داخل سور القدس تشوه المنظر العام للبلدة القديمة. ومع ذلك يمكن أن تشاهد مباني من خمس طبقات في حارة اليهود بينما لا يستطيع الأرمن بناء غرفة. لقد قُدمت عدة طلبات لإقامة مشاريع إسكان على أراضٍ تابعة لحارة الأرمن، لكنها رُفضت جميعاً. ومن القضايا التي طرأت حديثاً مطالبة الأديرة بدفع الضرائب ولا سيما “الأرنونا”، فالدير اليوم يتسلم فواتير بمبالغ خيالية، وهو لا يدفعها، لكن الأزمة ربما تتفجر في أي وقت، فهناك وضع قائم منذ العهد الإنجليزي ولاحقاً الأردني يعفي الأديرة من دفع الضرائب، وقد بات يُخشى اليوم من أن تقدم إسرائيل على تغييره. يقول أحد السكان الأرمن: “اليوم تدور المعركة حول بلدة سلوان في القدس، وحي الشيخ جراح، ومَن يدري إلى أين ستنتقل غداً، قد يقررون إقامة حديقة أثرية على أراضي الدير.”

قلق بشأن مستقبل الحي الأرمني

تشكل حارة الأرمن نحو خُمس البلدة القديمة بمساحة تبلغ نحو 150 دونماً، والأرمن اليوم لا يخفون قلقهم إزاء مستقبل أي تسوية نهائية مع الفلسطينيين، ومثار القلق الأساسي بالنسبة إليهم هو أن يجدوا أنفسهم مفصولين عن كنيسة القيامة. يقول المطران أريس: “لدينا هاجس حقيقي أن نُجبَر يوماً على الحصول على تصريح للوصول إلى كنيسة القيامة إذا ما تم ضمنا مع الجانب الإسرائيلي،وكانت الكنيسة مع الجانب الفلسطيني.” كذلك لا يفضل الأرمن أن يتم فصلهم عن حارة النصارى، امتدادهم المسيحي، الأمر الذي ربما يؤدي إلى إضعافهم أكثر.

في سنة 2000 أكدت مصادر متعددة أنه جرى تقديم رسالة من بطريركيات الأرمن والأورثوذكس

واللاتين إلى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات تطالبه بعدم الفصل في أي تسوية نهائية بين حارة النصارى

وحارة الأرمن. ويتابع المطران أريس مازحاً: “منذ ذلك الوقت بدأ عرفات يلقب نفسه عرفاتيان.”

بعد رحيل الرئيس عرفات لم تجر اتصالات مباشرة بالرئيس محمود عباس بشأن الموضوع، لكن الانطباع السائد هو أن عباس لن يحيد عن خطى سلفه. فعباس ورئيس الحكومة سلام فياض كانا حريصين على حضور قداس منتصف ليلة عيد الميلاد، الذي يحييه الأرمن في القدس في 18 كانون الثاني/يناير من كل عام. وقد فهم الأرمن من حضورهما أنه التزام فلسطيني تجاههم؛ أمّا الوضع الأمثل في نظر الأرمن فهو ذاك الذي يمنح مدينة القدس والبلدة القديمة وضعاً دولياً خاصاً. إن القلق يبقى موجوداً، يقول هنتليان: “لكننا نستيقظ صباح كل يوم مع تصميم جديد رغم كل ما يواجهنا من صعوبات لأن جذورنا تمتد هنا لقرون من الزمن.”

* المصدر: شيرين أبو عاقلة، «أرمن القدس في قلب الصراع ،»

«مجلة الدراسات الفلسطينية »

 

 

 
شيرين أبو عاقلة
تاريخ النشر:2012-01-04 الساعة 13:29:19
التعليقات:0
مرات القراءة: 1351
مرات الطباعة: 450
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan