الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » الفقه السياسي

قواعد التعامل مع غير المسلمين

د. حسين الجرادي

 

في الثلث الأخير من القرن المنصرم وأوائل القرن الحادي والعشرين ابتليت الأمة بأفراد ظنوا أنهم من أكثر الناس حرصاً على الإسلام والمسلمين، فزعموا أن رأيهم هو الحق وما بعده هو الضلال، فاستحلوا دماء وأموال المخالفين، واستباحوا دماء أهل الكتاب في البلاد الإسلامية مدعين أنهم ليسوا أهل ذمة لعدم دفعهم الجزية ولعدم الحكم بالشريعة الإسلامية، واستباحوا دماء السياح، وأدى فهمهم الخاطئ للولاء والبراء والقتال إلى تحريمهم التعامل مع غير المسلمين.

وقد تصدى المستشار سالم البهنساوي رحمه الله لهؤلاء وذاد عن حياض الإسلام النقية، وفند دعاواهم وكان لهم بالمرصاد فأبان خطأ فهمهم، واعوجاج منهجهم، وبين زيف أفكارهم، وجرمهم بحق الإسلام والمسلمين, فناقش هؤلاء، وسافر في مؤتمرات دولية، ونشر بالصحف، ثم قام بإصدار كتاب (قواعد التعامل مع غير المسلمين) يفند فيه دعاواهم، ويشرح بالدليل والبرهان كذب ادعاءاتهم.

التعددية في الإسلام

الإسلام هو الدين الوحيد الذي اعترف بخصومه وحفظ حقوقهم على الرغم من إنكارهم له، وذلك أن الله تعالى قد أقام الوجود على أساس التعددية والتنوع، وهذه سنة من سنن الله تعالى وآياته في خلقه قال تعالى: )ولو شاءَ ربُكَ لجعلَ الناسَ أمةً واحدةً ولا يزالونَ مختلفينَ( (هود: 118)، ومن آياته أيضاً التعددية في القوميات والأجناس واللغات قال تعالى: )ومن آياتهِ خلقُ السمواتِ والأرضِ واختلافُ ألسنتكُم وألوانكُم إنَ في ذلكَ لآياتٍ للعالمينَ( (الروم:22)، وهناك تعددية في الشعوب والقبائل تثمر التمايز الذي يدعو القرآن الكريم إلى توظيفه في إقامة علاقات التعارف قال تعالى: )يأيُّها الناسُ إنّا خَلقناكُم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكُم شعوباً وقبائلَ لتعارفُوا إنَّ أكرمَكُم عندَ اللهِ أتقاكُم إنَّ اللهَ عليمٌ خبيرُ( (الحجرات:13).

وهناك تعددية في الشرائع ثم الحضارات قال تعالى: )لكلٍ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً ولو شاءَ اللهُ لَجعلَكُم أمةً واحدةً ولكن ليبلوَكم في ما آتاكُم فاستبقوا الخيراتِ إلى اللهِ مَرجِعكم جميعاً( (المائدة:48).

ظن بعض المسلمين أنه إعمالاً لقاعدة المعاملة بالمثل، يعامل غير المسلمين في البلاد العربية والإسلامية والأوروبية بمثل ما يعامل به المدنيون في فلسطين والعراق وأفغانستان، وهو القتل ومصادرة الأموال أو سلبها، لكن الإسلام يرفض ذلك تماماً فهو لا يتعرض إلا لمن اعتدى وفي حدود اعتدائه، فالعقوبة في الإسلام شخصية لا يمكن أن تتعدى إلى شخص آخر غير المعتدي قال تعالى: )ولا تزرُ وازرةٌ وزرَ أُخرى( (الأنعام:164)، ولا يقوم بذلك أفراد بل تتولاه الحكومات، ذلك أنه لما قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان لأنه قاتل لأبيه أفتى الصحابة بتعزيره لا بقتله لأنه مفتئت على الإمام لأن الأحكام على الناس لا يصدرها إلا الحكام ومن يفوضونهم من القضاة، كما لا يجوز أن تتعدى العقوبة شخص الجاني، فلا يجوز أن تزيد عن حدود الاعتداء قال تعالى: )وقاتلوا في سبيلِ اللهِ الذينَ يقاتلونَكُم ولا تعتدوا إنَّ اللهَ لا يحبُ المعتدينَ( (البقرة: 19).

وقد ذكرنا الله بحكمه الوارد عند اليهود في التوراة والذي حرفوه فقال تعالى: )وكتبنا عَليهِم فيها أنَّ النفسَ بالنفسِ والعينَ بالعينِ والأنفَ بالأنفِ والأذنَ بالأذنِ والسنَ بالسنِ والجروحَ قصاصٌ فمن تصرفَ به فهو كفارةٌ له ومن لم يَحكم بما أنزلَ اللهُ فأولئكَ هُم الظالمونَ( (المائدة:45)، إنه إن تجاوز اليهود وغيرهم حكم الله الوارد في دينهم وحرفوه فلا يجوز للمسلم أن يتجاوز حكم الله لا في النفس ولا في المال ولا فيما دون ذلك، فما بالنا وقتل النفس من أكبر الكبائر، ولعلم الله أن اليهود سينحرفون حرّم عليهم هذا من قبل، فعندما اعتدى ابن آدم على أخيه وقتله كان قول الله تعالى: )من أجلِ ذلكَ كتبنَا على بني إسرائيلَ أنّه منْ قتلَ نفساً بغيِرِ نفسٍ أو فسادٍ في الأرضِ فكأنّما قتلَ الناسَ جميعاً ومنْ أحياها فكأنّما أحيا الناسَ جميعاً ولقدْ جاءتهُم رُسُلنا بالبيناتِ ثم إنّ كثيراً منهم بعدَ ذلكَ في الأرضِ لمسرفونَ( (المائدة: 32).

إن شريعة الإسلام فرضت رد الاعتداء الواقع من بني صهيون على إخواننا في فلسطين المحتلة، وأوجبت تحرير كل شبر من ارض فلسطين أما تجاوز ذلك إلى المسالمين من السياح والمقيمين داخل البلاد العربية والإسلامية أو غيرها في غير فلسطين فالإسلام لا يحل الاعتداء على المسالمين بل أمر بالعدل معهم والبر بهم قال تعالى: )لا ينهاكم اللهُ عن الذينَ لم يقاتلوكُم في الدينِِ ولم يُخرجُوكُم من دياركُم أنْ تَبروهُم وتُقسطوا إليهِم إنّ اللهَ يحبُ المقسطينَ( (الممتحنة:8)، وقد روى ابن ماجه في باب الديات أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وان ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً)، والمعاهد هو غير المسلم الذي دخل بلداً إسلامياً بطريق مشروع سواء للزيارة أو للإقامة أو للعمل، وروى الإمام مسلم في صحيحه في باب الجهاد عن ابن عمر (رضي الله عنه) قال: (لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة رأى امرأة مقتولة فقال ما كانت هذه لتقاتل ونهى قتل النساء والصبيان).

ويوضح البهنساوي رحمه الله حدود العلاقات الاجتماعية مع غير المسلمين فيقول: «لا توجد لدى المسلمين مشكلة في العلاقات الاجتماعية مع غير المسلمين، ذلك أنهم إن أنكروا الإسلام وجحدوا حقوق المسلمين فان الإسلام لم ينكر الديانات السابقة ولم يجحد حقوق أهلها ولا حقوق غيرهم، وأقام علاقة المسلمين معهم على أساس التعايش السلمي وذلك في قوله تعالى: )لا ينهاكُم اللهُ عن الذينَ لمْ يُقاتلوكٌم في الدينِ ولمْ يُخرجوكُم منْ ديارِكُم أنْ تَبروهُم وتُقسطوا إليهمْ إنَّ اللهَ يُحبُ المقسطينَ( (الممتحنة: 8)، لقد اعترف الإسلام بغير المسلمين وبحقوقهم لأن الله يجعل الرضا والاقتناع هما سبيل الدخول في الدين، فقد نهى سبحانه وتعالى عن الإجبار والقهر قال تعالى: )لا إكراهَ في الدين قدْ تبينَ الرشدُ منْ الغَي( (البقرة: 256) إنه نص واضح انه لا يجوز إجبار أحد على الدخول في الدين، وهذا معلوم من الدين بالضرورة.

وهذا الحكم العام لا يتعارض مع آيات قتال غير المسلمين لأنها ليست عامة، وكذلك الأحاديث في قتال الناس حتى يسلموا لقول الله سبحانه وتعالى: )فإذا انسلخَ الأشهرُ الحرمُ فاقتلوا المشركينَ حيثُ وجدتموهُم وخذوهُم واحصروهُم واقعدوا لهُم كلَ مرصدٍ فإنْ تابوا وأقاموا الصلاةَ وءَاَتوا الزكاةَ فخلّوا سبيلَهُم إنّ اللهَ غفورٌ رحيمُ( (التوبة: 5).

هذا الحكم نزل في أهل الجزيرة العربية الذين اختارهم الله لحمل الرسالة، فأنزل القرآن الكريم فيهم وبلغتهم، وقد ترك لهم مهلة كافية بعد المعجزات الحسية على يد النبي (صلى الله عليه وسلم) بخلاف المعجزة القرآنية التي تحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة مثل القرآن الكريم، وتركهم الله عشرين عاماً بعد نزول القرآن الكريم ولكن وجد منهم من ظلوا على عنادهم وتجبرهم وتسلطهم واصرارهم على التحريف في مناسك الحج ودخول بيت الله وهم عرايا، وفي هؤلاء قال النبي (صلى الله عليه وسلم) (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله) رواه البخاري.

فالنص القرآني والحديث النبوي بشأن قتال غير المسلمين هو حكم خاص بالعرب في الجزيرة العربية، وليس عاماً في جميع الناس للحديث المتفق عليه: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).

ولما رواه أحمد ومسلم: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلماً) وقد قال الحافظ في الفتح في كتاب الجهاد نقلا عن الجمهور أن هذا المنع هو للحجاز خاصة (مكة والمدينة واليمامة).

فالنص القرآني ورد في سياق خاص بالمعاهدين الذين نقضوا عهدهم من عرب الجزيرة حيث قال الله تعالى فيهم: )وإنْ نكثوا أيمَانَهم من بعدِ عهدهِم وطَعنوا في دينكُم فقاتلوا أئمةَ الكفرِ إنّهُم لا أيمانَ لهُم لَعلهُم ينتهونَ. ألا تقاتلونَ قوماً نكثوا أيمانَهم وهَمّوا بإخراجِ الرسولِ وهُم بَدءوكُم أولَ مرةٍ أتخشونَهُم فاللهُ أحقُ أن تََخشَوه إن كُنتم مؤمنينَ( (التوبة: 12-13).

والحديث النبوي خاص بهؤلاء العرب وليس عاماً في جميع الناس، فلفظ الناس هنا عام أريد به الخصوص كقول الله تعالى: )الذينَ قالَ لهُم الناسُ إنَ الناسَ قد جَمعوا لكُم فاخشوهُم فزادَهُم إيماناً وقالوا حَسبُنا اللهٌ ونعمَ الوكيلِ( (آل عمران: 173)، فالقائل هو نعيم بن مسعود وليس جميع الناس والذين جمعوا لقتال النبي (صلى الله عليه وسلم) والصحابة ليسوا جميع الناس بل أبو سفيان، لهذا فالناس في الحديث النبوي هم عرب الجزيرة.

أما نص القرآن بقتال من لا يؤمنون بالله حتى يعطوا الجزية فهم فئة خاصة جداً من أهل الكتاب، فيهم نزل قول الله تعالى: )قاتلوا الذينَ لا يؤمنونَ بالله ولا باليومِ الآخرِ ولا يحرمونَ ما حرمَ اللهٌ ورسولهُ ولا يدينونَ دينَ الحقِ من الذينَ أوتوا الكتابَ حتى يُعطوا الجزيةَ عن يدٍ وهُم صاغرونَِ( (التوبة: 29)، فعند نزول هذه الآية كانت الجزيرة العربية قد دانت بالإسلام، وكان نصارى الروم قد تجمعوا في نحو مائة ألف مقاتل لغزو المدينة، ومن ثم كانت غزوة مؤتة في مواجهة هذا الحشد.

وغير هؤلاء من المسالمين يعيشون بين المسلمين ويتمتعون بظلال الإسلام دون حقوق توجبت عليهم، ومعلوم أن الجزية مقابل إعفائهم من تبعات الدفاع عن أرض الإسلام.

من هنا تقرر

إن الذين استدلوا بالحديث السابق (أمرت أن أقاتل الناس حيث يشهدوا أن لا اله إلا الله وأني رسول الله) قد غاب عنهم أن الفقهاء قد اجمعوا على أن هذا من العام المخصوص، فكلمة الناس من العام لكنها مخصوصة بالمشركين بجزيرة العرب ولا تشمل جميع الناس، وأكد هذا التطبيق العملي في عصر النبي (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين بعده، فقد تصالحوا مع غير المسلمين على دفع الجزية، بل وضع النبي (صلى الله عليه وسلم) دستوراً يحكم العلاقة بين المسلمين وغيرهم، هذا الدستور هو المسمى بالوثيقة أو الصحيفة فوادع أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وجعل القاعدة في الشؤون الدنيوية (لهم ما لنا وعليهم ما علينا).

يستدل هؤلاء بالقاعدة الفقهية (ما لم يتم الواجب إلاّ به فهو واجب) وهذا الاستدلال يعني أن رد عدوان اليهود في فلسطين المحتلة المستمر ضد الفلسطينيين آمر واجب شرعاً، لكن لا سبيل للقيام بهذا الواجب إلا بالاعتداء على المدنيين من اليهود في كل مكان حتى يكف الإسرائيليون عن قتل الفلسطينيين، وهذا الاستدلال ينطوي على أخطاء شرعية أهمها:

أ- أن هذه القاعدة ليست نصاً في القرآن الكريم أو السنة النبوية، فلا تطبق على إطلاقها، فهي اجتهاد من الفقهاء في أمور العبادات، وليس في القتل والسرقة، فنطاق هذه القاعدة عند الفقهاء خاص بأداء العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج، فمن شروط الصلاة الوضوء لهذا أصبح البحث عن الماء واجبا شرعيا.

ب- أن هذه القاعدة لا تعني أن حكم الواجب الأصلي هو نفس الواجب الفرعي، فالزنا محرم، وكذلك النظرة الآثمة قد تؤدي إلى الزنا محرمة شرعاً، لكن عقوبة الزنا الرجم أو الجلد، أما عقوبة النظرة الآثمة فهي التعزير ومنه النصح والتوبيخ، فالواجب الفرعي عقوبته اخف.

ج- إن قتل المسالمين محرم بالنصوص الصريحة سالفة الذكر فلا ينسخها قاعدة بشرية مخصوصة بالعبادات، ولم يقل احد من الفقهاء على مرّ التاريخ بتطبيقها في غير ما وضعت له، ولا يجرؤ مسلم على القول بأن تلك القاعدة نسخت تحريم قتل المسالمين وغير المحاربين، ذلك انه لا يجوز لبشر نسخ حكم القرآن أو السنة باجتهاد أو رأي، فالوحي لا ينسخه إلا الوحي.

د- قرر الفقهاء أن سبب القتال مع غير المسلمين هو الاعتداء من جانبهم، فلم يقتل غير المسلم لكفره بل لاعتدائه، ولهذا أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بعدم قتال من ليسوا أهلاً للقتال فقال: (ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا امرأة)  سنن أبي داود.

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي

 
د. حسين الجرادي
تاريخ النشر:2009-06-01 الساعة 11:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 1837
مرات الطباعة: 466
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan