الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات أصولية

الاستحسان بين الأصالة و التبعية

د. شهاب الدين فرفور

 

لا شك أن فكرة الاستحسان إنما هي قسيم لفكرة القياس ولأجل ذلك قال علماء الأصول: إن الاستحسان إنما هو اسم لدليل يقابل القياس الجلي، يعمل به عند تعذر العمل بالقياس.

وعندما ننظر بعد هذا إلى مفهوم القياس بوجه جملي فإننا نجد أن القياس ليس إلا دليلاً من الأدلة التبعية التي لا تُقدَّم على كتاب ولا سنة ولا إجماع.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الاستحسان بهذا الاعتبار يكون قد اقتبس تبعيته من تبعية القياس فأصبح تابعاً للقياس بدليل أنه لا يُعمل به إلا عند تعذر العمل بالقياس؟ وباعتبار أن الاستحسان يعدُّ خفيَّ العلة قوي الأثر فهل يعني أنه يأتي في رتبة متأخرة عن القياس؟

هذان السؤالان لا بد أن ينقدحا في ذهن المحققين من العلماء وطلبة العلم، ولا بد في آن واحد أن يأخذا حقهما من الإجابة الأصولية الجدلية التفصيلية، وذلك لأنه يترتب من خلال الإجابة عنهما كشفٌ عن وجه جديد أصيل في تصور الاستحسان، لأجل ذلك أحببت أن أبسط القول مفصلاً في الكلام عن الاستحسان بين الأصالة أو الاستقلالية والتبعية للقياس، مع أني قصدتُ بالتبعية تبعية الاستحسان للقياس لا أنه في الأصل مصدر من المصادر التبعية الظنية فإن ذلك مما لا شك فيه.

نظرة عامة في تنظير القياس والاستحسان بوجه عام

من المعلوم أن القياس إنما هو ردُّ الفرع إلى أصله بعلة جامعة بين الأصل والفرع، وأن الجامع بين الأصل والفرع في الاستحسان إنما هو الأثر الظاهر القوي الذي يقوم مقام العلة، كما هو الشأن في قضية طهارة سؤر سباع الطير، إذ الأثر الجامع القوي الذي ثبت مفعوله إنما هو كونها تشرب بمنقار عظم مصقول وبناء على هذا المعنى نجد أن النجاسة المتولدة من اللحم لا تتسرى إلى الإناء، وذلك لأن العظم المصقول عازل حقيقي حسي يمنع من تسري النجاسة، فلا تتصل النجاسة بالماء المستقر في الإناء فيبقى طاهراً.

هذا هو المثال الذي يعد أكثر أمثلة الاستحسان التطبيقية شهرة في أصولِ وفروعِ الحنفية، ولكن الغرض من هذا المثال هو أنه عندما يُقدَّم على القياس الذي هو نجاسة السؤر ألا يعتبر هذا الحكم الاستحساني مستقلاً بنفسه؟

وإذا نظرنا من وجهة نظر أخرى وهي أن الحكم الاستحساني عندما قدم على الحكم القياسي فهل كان تقديمه من باب الشذوذ والضرورة أو لا؟

وأنه في تقديمه على القياس هل اتفق مع المقصد الشرعي أو لا ؟

بالطبع نستطيع القول بأن هذا الحكم الاستحساني وأمثاله عندما قدم على القياس ما قُدِّم إلا لأنه اتفق مع المقصد الشرعي خلافاً للقياس في المسألة ذاتها، وأنه بهذا الاعتبار لا يكون تقديمه من باب الشذوذ والضرورة، وإلا فإن هذا الحكم الاستحساني لو كان من باب الشذوذ والضرورة لما صح أن يعدى إلى غيره كما عدي حكم التحالف بين البائع والمشتري قبل القبض إلى محلٍّ آخر وهو الإجارة.

وذلك لأن الضرورة تقدَّر بقدرها، والتعدية وجه من وجوه الاتساع، وهذا الاتساع مخالف لتقدير الشيء بقدره والوقوف عند حدوده الضيقة، أما كون الاستحسان لا يُعمل به إلا عند بطلان العمل بالقياس فلا يعني هذا أن القياس هو الذي يمثل لنا الكثرة الكاثرة والقاعدةَ الكبيرة في جريان الحكم القياسي، ولئن سلم أن القياس يمثل الكثرة الكاثرة في جريان الأحكام في مقابل الاستحسان فليست الكثرة هي العبرة في المسألة أبداً، وذلك لأن كلاً من القياس والاستحسان دليلان خاضعان لقضية تحقيق المصلحة التي تترجم لنا المقصد الشرعي في المسائل والأفعال.

إذن فترجيح الحكم بناء على تحقيق المصلحة إما بطريق القياس أو الاستحسان في هذا المقام، ووجهُ القاعدة والأصل منوط بتحقيق المصلحة الذي يعرفنا على المقصد الشرعي، ولا يمكن لشيء من الأشياء شأنُه تحقيق المصلحة والمقصدِ الشرعي أن يوصف بالشذوذ والجانبية، وذلك لأن كل مقصد شرعي يوصف بالجوهرية وما كان تابعاً له يعد شيئاً جوهرياً، كما أن الشيء الذي يكون تابعاً للمعنى الجانبي يكتسب جانبيته من ذلك المعنى المتبوع.

ولنا في هذا المقام أن نطرح الإشكالية التالية وهي أن الاستحسان يمثل من وجه من الوجوه استثناءً من قاعدة الاستثناء، بهذا الاعتبار لا يعد مستقلاً، إذن فالاستحسان لا يصح عده مستقلاً عن القياس باعتبار أنه استثناء عنه.

أقول: لقد ثبت لدى أصوليي الحنفية أن حقيقة الاستثناء إنما هي منع لدخول المستثنى في المستثنى منه عن طريق (إلا) أو ما يقوم مقامها، وهذا المعنى قد تفرد به الحنفية، وتفردهم بهذا الاعتبار يعني أن المستثنى سابق على المستثنى منه وجوداً وعدماً باعتبار أنه اتصف بعدم الدخول فيه، وذلك لأن العدم سابق على الوجود.

إذن فإننا نستطيع القول بهذا الاعتبار بأن الذي اتصف بالوجود هو القياس، والذي اتصف بالعدم هو الاستحسان باعتبار أنه استثناء منه، والاستثناء قد عُدِمَ دخوله في المستثنى منه.

ولكن القضية في أن هذا الاستحسان الذي وصف بالاستثنائية عن القياس باعتبار أنه سابق على القياس لا يصح جعله متعلقاً به تعلقاً عكسياً، أي أنه كلما امتنع العمل بالقياس صح العمل بالاستحسان، وكلما صح القياس امتنع الاستحسان.

فكيف يصح ذلك حال كون الاستحسان قد عد على أنه تابع، إذ التابع لا يعارض المتبوع؟ إذن فهذا التصور خاطئ مبدئياً، وذلك بالتقابل العكسي بين الاستحسان والقياس، باطل بناء على ما تقدم.

ولعل هذا التعلق الشرطي بينهما هو الذي جعل بعض الطلبة يتصورون أن الاستحسان تابع وليس مستقلاً عن القياس.

فلسفة الاستحسان

إن الموازنة بين قوة الأثر في الاستحسان وفساد العلة في القياس يجعلنا نذهب بعض الشيء إلى الوقوف عند نظرية التأثير في مراتب جنسية العلل لنعلم أن التأثير عندما يوجد في وصف من الأوصاف ويصح اعتباره شرعاً فإنه دليل على فساد غيره أو ما يقوم مقامها وعندما ينظر إلى الأثر في الاستحسان حال كونه ظاهراً قوياً في مقابل فساد التعليل في تحقيق المصلحة في جانبه، يتبين أن ذلك أمارة على المقصد الشرعي.

وفي هذا المقام يترتب علينا أن نعلم أن وحدة التأثير هي الأصل عند علماء الأصول في ترتب الأحكام على العلل، وأن وحدة الحق منوطة بوحدة التأثير كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وإذا كان الحق في موضع الخلاف من الشرعيات واحداً غير متعدد فإن العلة التي تكشف عنه يجب أن تكون واحدة غير متعددة وأن هذه العلة إنما هي المشير الصحيح على مراد الله من ذلك التعليل.

إذن فنخلص إلى نتيجة ألا وهي: أنه لا يمكن أن ينعدم هذا التقابل العكسي بين الاستحسان والقياس، وأن عدم إمكانية انعدامه مبني على أصالته لا على تبعيته، وأنه على فرض انعدامه يفضي إلى تصورين باطلين :

1ـ أن يبطل العمل بهما معاً، وهذا دليل على فسادهما وليس هذا موضع الشاهد وهو تصور باطل.

2ـ أن يصح العمل بهما معاً وهذا يفضي إلى أن الحق في موضع الخلاف متعدد، وهذا قول المعتزلة، وهو ظاهر البطلان.

إذن لم يبق إلا أن يبطل أحدهما في مقابل الآخر، وذلك بناء على فساد التعليل فيه بسبب الوصف أو بسبب ترتب الحكم عليه، وفي ذلك تطبيق عملي على وحدة التأثير ووحدة الحق في موضع الخلاف.

لأجل ذلك كان لا بد من أن يقابل الاستحسان القياس، وذلك لنعلم أن مقابلة الاستحسان للقياس إنما كانت لأجل شيء واحد ألا وهو أن كلاً منهما يحتاج إلى أصل وفرع وعلة جامعة بين الأصل والفرع، وذلك في جانب القياس، وأثرٍ يقوم مقام العلة من وجه في جانب الاستحسان.

وبناء على ذلك لم يصح اعتبار استحسان الضرورة والأثر والإجماع أنواعاً حقيقية في باب الاستحسان، وذلك بسبب عدم خضوعها لقانون التعدية والتأصيل والتفريع، خلافاً للنوع الرابع من الاستحسان الذي هو القياس الخفي، كما ذهب إلى ذلك المحققون من العلماء كصدر الشريعة قديماً والعلامة الزرقا حديثاً.

وعندما يقابل النوع الرابع من الاستحسان القياس فما ذلك إلا لأنهما اشتركا فيما تقدم، لأجل ذلك لا نستطيع أن نجعل كون الاستحسان قسيم القياس سبباً في تبعيته له، وإلا لصح أن نجعل الليل تابعاً للنهار أو العكس على أن ما بين الليل والنهار ليس إلا التقابل التام بوجهه الأكمل.

خلاصة ونتيجة

وبناء على النقاط التالية ألا وهي تقابل الاستحسان والقياس ـ أن الاستحسان استثناء من قاعدة بوجه من الوجوه ـ أنه يعمل به عند تعذر العمل بالقياس ـ أن مبنى الاستحسان على الأثر ومبنى القياس على العلة.

فإنه بعد ذلك يتحصل لدينا ما يلي:

1ـ أن نقطة الخلاف ومحل الشاهد في الاستحسان تنحصر في النوع الرابع الذي هو استحسان القياس الخفي.

2ـ أن قصد الشارع ربما يأتي في جهة الحكم المخالف لظاهر الأدلة وعموم القواعد وذلك لأن القواعد الاجتهادية ظنية في باب القياس الجلي.

3ـ أن العبرة إنما هي بتحقيق المصلحة في الاجتهاد ولو كان ذلك مخالفاً لظاهر الأدلة.

4ـ أن الاستحسان إنما هو دليل ظني لا يصح أن يقابل الكتاب والسنة والإجماع، ولكنه في الوقت نفسه من وجه آخر دليل مستقل عن القياس ولأجل ذلك صح أن يقابله؟.

5ـ أن الاستحسان عندما يرجح على القياس يكتسب من هذا الرجحان الأصالة، والأصالة تتنافى مع التبعية، وإذا رجح القياس عليه فإنه يسقط ويلغى وإذا أُلغي خرج عن كونه تابعاً أو متبوعاً.

المصدر: موقع الفتح الإسلامي

 
د. شهاب الدين فرفور
تاريخ النشر:2009-10-23 الساعة 15:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 1898
مرات الطباعة: 412
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan