المتفاوضون و ما وراء الشكاوى المتبادلة

د. محمد خالد الأزعر


 

من سمات جولة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المتفاعلة منذ يوليو الماضي كثرة الشكاوى من الطرفين.وبالنظر إلى ديمومة السلوك الإسرائيلي الاستفزازي.
فقد كان الفلسطينيون الأسرع إلى الشكوى، حين عبروا فور انعقاد أولى جلسات الجولة عن غضبهم من تكثيف وتيرة الاستيطان الإسرائيلي، بما يكفي للزعم بـأن الإسرائيليين إنما يتخذون من التفاوض غطاء لاستكمال مخططاتهم التوسعية؛ لاسيما في رحاب الحرم القدسي ومحيطه الجغرافي. اشتكى الفلسطينيون أيضاً من الاقتحامات الإسرائيلية المسلحة للأراضي الخاضعة لسلطتهم والقيام بحملات للقتل والاعتقال.
وهي تصرفات لا توحي بحسن النيات وتمعن في إحراج المفاوض الفلسطيني أمام شعبه والقوى والفصائل الرافضة لاستئناف التفاوض في ظل الظروف الراهنة.وبالمناسبة، ثمة فرصة للاعتقاد بأن"إسرائيل"قد اعتقلت من الفلسطينيين واختطفت عدداً يفوق الذين أطلقت سراحهم ضمن تمهيد أجواء التفاوض الراهن..وإنها مازالت تمارس سياسة الباب الدوار إزاء قضية الأسرى، فهي لا تفرج عن مجموعة منهم حتى تتبع ذلك باعتقال مجموعة أخرى وهكذا..
وضمن فيض شكاواهم أظهر الفلسطينيون المرارة من ضآلة دور الوسطاء والأطراف الثالثة، بمن فيهم الراعي الأميركي؛ الذي حرمه الإسرائيليون من المتابعة المباشرة لما يجري في غرف التفاوض المغلقة.
سيقول البعض بأننا إزاء تقاليد صارت أقرب إلى التقادم في هذا السياق، باعتبار أن"إسرائيل"لم تتخل على مدار عقدي عملية التسوية الماضيين عن سياساتها العدوانية، التي أدمن الفلسطينيون الشكوى منها. وهذا صحيح تماماً.و ربما كان من الصحيح أيضاً، وهذه من المفارقات اللافتة.
أن المفاوض الفلسطيني دأب في ردود أفعاله مقابل هذه السياسات على التمنع وقطع المسيرة التفاوضية، ثم العودة للانخراط فيها بعد عمليات لا تعدو الطبطبة وتهدئة الخواطر.لكن ربما كان الجديد والطريف في هذه المرة، هي الرغبة الإسرائيلية في حرمان الشريك الفلسطيني من الانفراد بالشكوى.
ومن ذلك أن اسحق مولخو، أحد أهم أعضاء طاقم التفاوض الإسرائيلي، صعب عليه بقاء الفلسطينيين وحدهم في دائرة الشاكين الباكين، فقرر أن يزاحمهم هناك بأن رفع رسالة يشكوهم فيها إلى الوسيط الأميركي بأنهم"..يخرقون التفاهمات التمهيدية، التي تقضي بالتكتم على مضمون المفاوضات، وحتى مكان انعقادها. وأنهم يدعون في تسريباتهم أن المفاوضات عقيمة وتراوح في مكانها..".
طرافة هذه الشكوى تتأتى من تعلقها بموضوعة واسعة الشهرة ؛ يعرفها كل من يعنيهم، أو حتي لا يعنيهم، مسار هذه المفاوضات.فالعقم الذي تعاني منه الجولة الجارية، لا يحتاج إلى تسريب أو تشخيص حصري من لدن الشريك الفلسطيني، فحتى لو التزم الفلسطينيون بالصمت وكظموا غيظهم من المراوغات الإسرائيلية، فان الحال يغني عن السؤال، إذ لو كان لهذه الجولة من ثمار وبشارات، لما خفي ذلك عن الخلق، بل ولما وجد الإسرائيليون في أنفسهم حرجا من الإعلان عن ذلك.
الأمر وما فيه أن المفاوض الإسرائيلي يمعن في التضييق علي نظيره الفلسطيني اعتصاراً وضغطا وعربدة، وهو يريد أن يفعل ذلك كله ومثله في نطاق من السرية والكتمان.الأمر أيضاً أن السرية التفاوضية غالباً ما تكون نذير شؤم علي الطرف الأضعف من حيث موازين القوة الشاملة.هذا ما يعلمنا إياه فقه التفاوض.
إلى ذلك، فلنتأمل في نوعية المنغصات التي يشكوا منها الطرفان. الشكوى الإسرائيلية تكاد تثير السخرية والحنق لفرط شكليتها ومحاولتها افتعال قضية سخيفة، بينما تدور شكوى الفلسطينيين حول ما يوجب الاهتمام والجدية.إن استمرار المفاوضات تحت سيف التجاوزات الإسرائيلية موضع الأذى والشكوى، ينطوي علي تحويل المفاوض الفلسطيني حقا وصدقا إلى عراب يغطي سوأة استقطاع المزيد من حقوق شعبه.
ولأن هذا المفاوض معني بالنأي عن هذه المظنة، فإن شكواه تمثل أحد أهم أدوات تبرئة الذات من شبهة السذاجة أو التواطؤ على هذه الحقوق.ولمن يجادل بأن المفاوض الفلسطيني يمكنه اللجوء إلى الانسحاب من هذه الجولة التفاوضية برمتها، ندفع بأن هذه الوصفة تبدو يسيرة التطبيق نظرياً، لكنها قد تكون مكلفة جدا ومحفوفة بالمحاذير من الناحية العملية.ولعل الدأب الفلسطيني على الشكوى، من المقدمات المنطقية المطلوبة لتسويغ الانسحاب لاحقا بأقل قدر من الخسائر والتبعات.
والأرجح أن امتعاض الإسرائيليين من تكرارية الشكوى الفلسطينية يعود إلى تحسبهم من هذا التكتيك،ورغبتهم في أن يأتي الانسحاب الفلسطيني، أن حدث، مفاجئاً للمعنيين وبلا أسباب وأعذار معلومة ومفهومة. فحرد الفلسطينيين"المباغت"؛ الغير مشفوع بشهادة المتابعين والمراقبين على ما جرى، قد يوقعهم في المسائلة والاستنكار.
ويبرئ الإسرائيليين من عواقب صلفهم وتبجحهم وامتناعهم عن أداء ما عليهم من استحقاقات. الشاهد أن شكوى المفاوض الفلسطيني تبدو أقرب إلى وسائل الدفاع واستحضار الشهود بأثر حالي ومستقبلي، فيما هي عند الإسرائيليين محاولة للتذاكي وأداة للتشويش والشوشرة.
المصدر- صحيفة البيان الإماراتية

تاريخ النشر:2013-09-29 11:32:08 الموافق:1434-11-24 11:32:08ـ | تمت قراءته: 2125 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=10070