مقدمات ضرورية لفهم مشروع النهضة الإسلامي

أ. مهنا الحبيل


من المهم قبل الغوص في الحديث عن مشروع النهضة أو فكر النهضة أن نُحدد مقدمات ضرورية تتعلق بفهم هذا المشروع، وحين نقول مشروع النهضة فنحن لا نقصد أن ذلك مختزلاً بالمشروع الفكري الكبير الذي تقدم به الأخ العزيز الدكتور جاسم السلطان إلى حركة الفكر العربي في مبادرة مميزة غطت جوانب مهمة وعديدة من خطاب وفكر مشروع النهضة الإسلامي، خاصة إعادة قراءة التاريخ الإنساني والتاريخ الإسلامي على وجه الخصوص، ثم استنباط نواميس الكون القدرية التي جعلها الله سنة ووسيلة للعلوّ أو الضمور للأمم، وبالتالي سيادة المشروع الحضاري الذي تُبشر به، وإنما حديثنا يرتكز على فكر النهضة الشامل بكل مساراته وأبعاده، والذي شارك فيه شخصيات عديدة من منظري الفكر الإسلامي للمرحلة المعاصرة التي وُلدت بعد أحداث الحادي عشر من أيلول.

وميزة الخطاب الإسلامي بأنه يبشر في فلسفته الرسالية بسعادة الدارين حين تتحقق بالفعل موازين وشروط تطبيقات هذه الحضارة، وهو الجانب الثاني الذي عُنيَ به الدكتور جاسم، أي نقد المسيرة الإسلامية ومدى التزامها بهذه النواميس والموازين التي تواترت عليها نصوص الكتاب والسنة، وتحققت جلياً في العهد النبوي والعهد الراشدي، ثم أعقب ذلك ظهور الأمة عبر تحقيقها لجوانب من هذه الحقائق، وانكفأت بسبب عدم التزامها بالجوانب الأخرى.

ثم انتهى إلى قضية مهمة جداً في مسيرة الصحوة الإسلامية، وهي نقد الحالة القائمة لتقويمها، وليس لمجرد النقد، وخاصة قضية الموقف من التنظيمات الحزبية والجماعات، ومن ذلك تلمّس الخلل الذي كان سبباً مباشراً في إخفاقات المشروع الإسلامي، ودفعه بأن يُحقق للناس ميدانياً وعلى الأرض تطبيقات العدالة بمختلف أنواعها، والنجاح في إيجاد مشروع يُعزز السيادة والتقدم للأمة، وإن كان الوصول لهذه الحالة وتجسيدها هدف إستراتيجي إلاّ أنه يكفي أن يكون العمل على تحقيق هذا الهدف قائماً على الأرض وبتصور واضح، وهذا ما نقل فكر النهضة إجمالاً إلى حالة النقد الذاتي للخطاب الإسلامي المعاصر من مرحلة الصحوة التي حقق فيها الخطاب الإسلامي نجاحات كبيرة في إعادة توعية الجمهور العام والنخبة بالمفهوم الشامل للرسالة الإسلامية، وحتمية الانتماء التاريخي لفكر التشريع الإسلامي للوطن العربي، وخاض خلال هذه التجربة الكثير من التضحيات كأفراد أو جماعات لا يُنكر أو يُقلّل من تضحياتهم وعطائهم إلى عهد اليقظة الواسع في شركاء البناء والفداء.

غير أن الإشكال الخطير الذي طرأ في فهم بعض مجاميع العمل الإسلامي هو إسباغ العصمة الضمنية على حالة التنظيمات وأفرادها وخطابها، ورفض قطاع واسع من النخبة المؤثرة في هذه الجماعات لدعوة النقد الذاتي، خاصة أن بعض النماذج والتصرفات قد ارتكبت قطعاً كوارث سياسية واجتماعية في الحالة الوطنية لبلدانها أو للأمة، قدمت فيها صوراً غاية في السلبية للجمهور العام والنخبة الفكرية في الوطن العربي.

ولذا من المهم أن يعي هؤلاء الإخوة ـ وهم يحتسبون في الأصل دعوتهم في سبيل الله والحق والعدل الذي نص عليه الشارع المطهر في مواضع عدة- أن مسؤوليتهم الشرعية تكمن في تحقيق مقاصد التشريع الإسلامي الكبرى، فمتى ما كانت مسيرة التنظيم أو الجماعة أو الحزب لمصلحة الحالة الوطنية والمبادئ الأممية بمفهومها الإسلامي الشامل، فهي في وضع إيجابي داعم لمسيرة العلو الحضاري الإسلامي، ومتى ما تحول ذلك التشكيل إلى جماعة حزبية منفصلة عن الشعب وعن مصالح الأمة العليا تُقدم مصالحها ومصالح منسوبيها على مصالح الآخرين التي توجب موازين الحق والعدل أن تكون الأولوية لهم، تَحوّل هذا التنظيم إلى عائق في مسيرة العمل الإسلامي، فالحالة مختلفة في الحكم على هذه الجماعة أو ذلك التنظيم بحسب أدائهم وإخلاصهم وتطويرهم للخطاب الإسلامي وصدقهم مع الناس ومع أنفسهم.

الخلاصة النهائية في موقف التنظيمات من مشروع النهضة

بناءً على ما سبق يتضح جلياً أن نقد حالة التنظيمات الإسلامية سواءً كانت إخوانية أو سلفية آو غيرهم ليس المقصود منها استهداف العمل الجماعي التربوي، ولا أسس التعاون على البر والتقوى في أي غرض إصلاحي للمجتمع، ولكن المقصود منه عدم قابلية هذه التنظيمات للمشاركة في الدفع الفعلي لمشروع النهضة الإسلامي، أو على الأقل عدم إعاقة وسائل دفع هذا المشروع والكف عن مناوأة مناضليه ومفكريه، والقضية الأخرى هي قدرة هذه التنظيمات على الخروج من المنظور المحدود والضيق الأفق لمصلحة أفرادها إلى مصلحة الشعب، ودعم الحالة الوطنية ونجاحاتها على كل الأصعدة كمهمة رئيسة من مهام العمل الإسلامي التطوعي، والتي كان يقوم بها أئمة السلف والخلف على حد سواء كالحسن البصري وأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم كثير في مسيرة التجديد والإصلاح الشرعي، بمعنى أن يتطور خطاب الوعي الإسلامي لديهم من وسيلة الوعظ التقليدية تجاه مواطن محددة من حياة الفرد والمجتمع، إلى التذكير بواجبات الإصلاح الإسلامي الأكبر، سواء على صعيد الفرد في المنهج السلوكي، وعلى سبيل المثال أن تترك الغيبة والنميمة والبهتان والكف عن أعراض الناس أو اتهامهم بقضايا متعددة بناء على صراع هذا التنظيم مع تلك الشخصيات، هذه المسالك الشرعية القطعية الثبوت والدلالة أهم من سلوك الظاهر كإطلاق اللحية أو تقصير الثوب، وإن كانت سنن ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه القاعدة تنطلق من عمق أصول الفقه الإسلامي، وقسْ على ذلك توازنات أخرى في الحياة الفردية للمسلمين.

وأما فيما يتعلق بالمجتمع فالقياس هنا على قدرة أبناء الدعوة أو التنظيم على أن يكونوا حلقة وصل ودفع للمصالح الكبرى لشعوب الوطن العربي، كلٌّ في قطره، وأن يكون رسم نجاحهم الحقيقي في تقدم هذه المجتمعات على صعيد الحقوق والسلوك التربوي والحضاري معاً، وأن يتجسد نجاحهم في تقدم المجتمع المدني العربي ومواطنيه على هذه المسارات، وليس وصول شخصيات وأفراد من هذه الجماعة أو التيار لهذا الموقع أو تلك المؤسسة، وتكريسها لمصلحته أو مصلحة أفراد مجموعته، فإذا تعزز هذا المسار نحو توثيق الفقه الدستوري الإسلامي والتفاعل معه، والتزام مواقف حاسمة في سيادة الأمة، وتأييد موقف الممانعة لديها من المشاريع الإقليمية والدولية، حقق أبناء الدعوة متطلبات الشراكة في مشروع النهضة الإسلامي.

ليسوا سواء

ومع ذلك كله فليس الموقف من التنظيمات واحداً في كل الأقطار والأحوال، إنما القياس يختلف وبنسبة كبيرة؛ فتنظيم كحركة حماس يقف في مواجهة ألدّ أعداء الأمة وأكثرها بطشاً، و ينوب عن الأمة في معركة التحرير الكبرى، لا يمكن إلاّ أن يضبط حراكه وفعاليته بإطار إداري فاعل وحاسم، ومع ذلك فحماس هي الأفضل في تطوير حراكها الفكري ومشروعها السياسي الميداني، على الرغم من كل الظروف ومشاريع المناهضة التي تحيط بها وتحاصرها، ومن المفارقات المثيرة للسخرية أن يعمد بعض رجالات تنظيمات الإخوان المسلمين إلى نقد مواقف ومشروع حماس بحجة خروجها عن فقه الواقع، وإن كان الاعتراف بوقوع أخطاء من مناضلي أو مسؤولي أي حركة أمر وارد، ولكن تلك الأخطاء تُقدر بحجم المشروع والمسؤولية التي تقوم بها هذه الحركة في سبيل الأمة الموحدة، والغريب أن روابط التنظيم لا تبرز في الدفاع عن حماس أو عن فصيل الإخوان الذي اختار المقاومة مبكراً في العراق، وإنما يخرج الدفاع عن أخطاء تلك التنظيمات إذا كانت في الطرف الآخر كمشاركة الولايات المتحدة في مشروع سياسي تنفذه بعد الاحتلال، ونجد البعض على سبيل المثال يرفع صوته بأن المقاومة في جنوب لبنان فخر الأمة، وعلى العين والرأس، ومع احترامنا الكبير لما قدمته هذه المقاومة من تضحيات في عدوان تموز إلاّ أننا نستغرب ذلك التردد والتلعثم بشأن المقاومة الإسلامية الوطنية في العراق، وما أنجزته في معركتها التاريخية، بل ويخفت صوتهم حتى في الدفاع عن حركة حماس حين واجهت بحسم فتنة أوسلو الكبرى في غزة.

إذاً هذا التقييم من موقف تنظيمات العمل الإسلامي في الوطن العربي مرهون بأدائها وعطائها وشخصيتها في المجتمع، على اختلاف الظروف والأوضاع السياسية والوطنية وهذا لا يُقلل على الإطلاق من تلك الشخصيات التربوية المخلصة الحادبة على مجتمعاتها من أن تجتاح أساطيل الفساد الأخلاقي والفكري، ورغبتها الصادقة في الحفاظ على قيم المجتمع النبيلة.

إنها مرحلة تاريخية تعيشها الأمة وهي تنتقل بتدرج من مرحلة الصحوة إلى مرحلة اليقظة، بغض النظر عن دقة المصطلح، إنما المقصود حالة الانتقال في الفكر والوعي الحضاري الذي تعيشه الأمة وتعزيز رابط السيادة والممانعة لديها، وإنما السؤال من سيكون من حملة هذه المشاعل، ومن سيكون ممن يطفئ هذه المشاعل، ويكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً.

المصدر: الإسلام اليوم

تاريخ النشر:2010-02-18 14:09:58 الموافق:1431-03-04 14:09:58ـ | تمت قراءته: 2535 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=215