العلمانيون يخسرون معركتهم ويعترفون بانحسارهم أمام الإسلاميين

د. علي عليوه


تحولت الندوة التي عقدتها مؤسسة عالم واحد للتنمية ورعاية المجتمع المدني تحت عنوان   (مساحات الاختلاف والاتفاق بين الإسلاميين والعلمانيين في الشرق الأوسط ) إلى ساحة للسجالات والنقاشات الساخنة بين المشاركين من الإسلاميين  والعلمانيين.

سخونة الندوة بدأت عندما تحدث  المفكر المصري السيد ياسين مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية وأثار عدد كبير من الحضور حين قال إن مرحلة ما بعد الحداثة أسقطت الأصوليات والمقولات الكبرى مثل الرأسمالية والماركسية ومقولة «الإسلام هو الحل» تلك التي تمثل الأنساق الفكرية المغلقة.

وأضاف بأننا بدأنا مرحلة الأنساق الفكرية المفتوحة التي تعني إمكانية التأليف بين المتغيرات وأصبح من الممكن التزاوج بين العلمانية والدين مشيرا إلى أنه يدعو إلى الديمقراطية الاشتراكية التي تراعي العدالة الاجتماعية.

وشدد على أنه مع الديمقراطية التي لا مكان فيها للمرجعيات الدينية الخارجة عن الدستور مثل ما يدعو إليه الإخوان في برنامج حزبهم بإنشاء مجلس للفقهاء لتعرض عليه القوانين قبل إقرارها؛ أي أن يفتي الفقهاء في الاقتصاد والتكنولوجيا مؤكدا على أنه لا يمكن أن نعطي مقاليد المجتمع لمشايخ لا يدركون منطق العصر الراهن.

وقال: إن العلمانية والليبرالية تعني تداول السلطة لافتا إلى أنه  حدث نوعا من الحراك السياسي تم خلاله إجراء التعديلات الدستورية ولكن هناك توقف لعملية التحول الديمقراطي وهذه مسئولية الأحزاب المتهافتة والضعيفة وبعضها يعيد خطاب الستينيات.

واعتبر أن أخطر الأمور «الاشتباك بين الدين والسياسة»، ووجود أكثر من ثمانين نائب للإخوان المسلمين في مجلس الشعب، ومطالبة الجماعة الإسلامية ـ التي عملت مراجعات تراجعت فيها عن العنف ـ بالعمل السياسي رافضاً هذا المطلب ووصفه بأنه يعد مشكلة حقيقية.

الليبرالية ومصادرة حق الشعوب

 وفي مداخلته رفض الصحفي علي عبد الوهاب طرح السيد ياسين قائلاً : إن هذا الطرح اعتبر الرأسمالية والماركسية ومقولة (الإسلام هو الحل ) من المقولات التي عفى عليها الزمن لأنها من وجهة نظره من الأنساق الفكرية المنغلقة ونسي أن يدرج من باب الموضوعية (الديمقراطية الاشتراكية ) التي أعلن أنه منحاز إليها ضمن هذه الأنساق الفكرية المنغلقة !!

 وتساءل لماذا يرفض السيد ياسين المرجعية الدينية للدولة رغم أن هذه المرجعية هي خيار الجماهير وهو ما أكده الاستطلاع الذي نشر مؤخرا والذي قامت به مؤسسة ( جالوب ) الأمريكية منذ شهور في كل من تركيا وإيران ومصر  وأثبتت فيه أن الغالبية العظمي من الإيرانيين والمصريين والأتراك يطالبون بأن تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع فهل من الليبرالية مصادرة حق الشعوب المسلمة في الاحتكام إلى قوانين الشريعة التي تؤمن بها والتي ارتضتها لنفسها؟؟

 وواصل تساؤلاته: أي نوع من العلمانية والليبرالية التي يدعو إليها السيد ياسين وهو يطالب بمصادرة حق الأخوان والجماعات الإسلامية التي نبذت العنف من ممارسة العمل السياسي ؟؟ وهل يسمي التعديلات الدستورية المعيبة التي تمت مؤخراً والتي استبعدت الإشراف القضائي عن الانتخابات ولم تحدد حد أقصى لفترات تولي منصب رئاسة الدولة نوعاً من الحراك السياسي؟؟ 

 ولم يوافق المهندس أبو العلا ماضي وكيل مؤسسي حزب الوسط تحت التأسيس على طرح السيد ياسين، قائلاً: إن دور الكنيسة في عدد من الدول الأوربية لا يزال موجوداً وبقوة في اتخاذ القرارات الخاصة بالدولة وليس هناك إقصاء تام للدين كما يدعوا متطرفوا العلمانية في بلادنا العربية.

 وأضاف بأن وجود مرجعية دينية للدولة وهي في منطقتنا هي الإسلام ضروري جدا لأنها تمثل المسطرة التي أقيس بها توجه القوانين وهل هي تتماشي مع الشريعة التي ارتضتها الجماهير حاكمة لحركتها أم هي متعارضة معها، مؤكداً أن هذا لا يعتبر تدخلا من جانب الفقهاء في أمور لاتهمهم، مشددا على أهمية دمج الإسلاميين أيا كانت اتجاهاتهم في العمل السياسي باعتبار ذلك حقا أصيلا من حقوق الإنسان.

الاعتراف بالهزيمة !

ومن جانبه أشاد الدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية والسياسية بتجربة حزب العدالة والتنمية التركي مشيراً إلى أن موقف أردوغان المشرف من العدوان على غزة كان أفضل من موقف النظم الفاشلة والاستبدادية التي تاجرت بالقضية الفلسطينية لافتا إلى أن ما حدث في تركيا تحول تاريخي حيث رأينا الإسلاميين أكثر انفتاحا مع القيم الديمقراطية وحققوا طفرة اقتصادية غير مسبوقة في تركيا.

ولم تكد حدة المساجلات تهدأ حتى بدأت مساجلة ساخنة أخرى حين قالت الدكتورة منى أبو سنة الأمين العام لمنتدى ابن رشد إن المواجهة الآن بين العلمانيين والأصوليين الإسلاميين، والمطلوب تأسيس تيار علماني ينشغل ببلورة مفهوم للعلمانية يجيب على أسئلة الجماهير ويتجاوب مع مشكلاتهم المزمنة مثل الفقر والبطالة.

وأشارت إلى أن التحدي هو كيف نحول العلمانية إلي خطاب شعبي وهذه مسئولية المثقفين وباعتبارهم النخبة الواعية فإن من صلب مسئولياتهم إيصال هذه الدعوة إلي الجماهير، لافتة إلى أن العلمانيين غير مهتمين بأداء تلك المهمة لأنهم مشغولين بقضايا أخرى منها الاشتباك مع النظام.

وانتقدت نظام التعليم في مصر قائلة إنه كلما تحدث المسئولين عن تطوير التعليم ازداد سوءا مؤكدة أن الإعلام يضخ كم هائل من الخزعبلات من جانب المفكرين الإسلاميين وان الكرة الآن في ملعب المثقفين الذين عليهم أن يعتبروا العلمانية قضية حياة كما يفعل الإسلاميين وإلا لن يبقي على الساحة سوى طرف واحد هم الإسلاميين.

واعترفت بأن التيار الإسلامي المتمثل في الأخوان المسلمين اختطفوا الجمهور تماما وأصبح الكل الآن تحت عباءة الإسلام  الأصولي ـ حسب تعبيرها ـ وان استمرار تراجع القبول الشعبي للعلمانية  سيجعل للتيار الإسلامي السيطرة الكاملة على الشارع في الفترة القادمة، مؤكدة على حقيقة أنه لا وجود لأي  مساحة اتفاق بين العلمانيين والإسلاميين لأن الخلاف جوهري والمنظورين مختلفين تماماً وعلينا أن نختار أي التيارين تكون له الصلاحية لقيادة المجتمع نحو التقدم..

العلمانية وتغيير الأقنعة !!

الدكتور جمال نصار القيادي في جماعة الأخوان المسلمين في رده على أطروحات الدكتورة منى أوضح أن الإسلام يرفض فرض الدين على الآخر وأن  لفظ الأصولية الذي يطلقه العلمانيون على الإسلاميين وكأنه سبة يعني أن لكل شيء اصل يقوم عليه فالمعتزلة تحدثوا عن الأصول الخمسة وقدموا العقل على النقل وهذا ينفي ما يقوله العلمانيون من أن كل أصولي هو بالضرورة مناهض للعقل حتما، والزعم بأن الخزعبلات تأتي دائما ممن يسمون أنفسهم بالمفكرين الإسلاميين فهو زعم باطل لان التفكير وإعمال العقل في الإسلام فريضة أوجبها الإسلام على المؤمنين به والمفكر الكبير عباس العقاد له كتاب عنوانه ( التفكير فريضة إسلامية ).

وأضاف بأن قول الدكتورة منى أن الإسلاميين اختطفوا الشارع والجمهور قول بجانبه الصواب لأن الجمهور ليس ساذجا حتى يختطف ولكنه ذكي ويعرف بفطرته السوية من الذي يعمل لصالحه ويخدم دينه فيصطف إلي جوارهم داعيا العلمانيين إلى أن  يشدوا حيلهم ليكسبوا الشارع إذا استطاعوا.

ومن جانبه لفت الدكتور وحيد عبد المجيد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية إلى أن هناك ضمور شديد تعرضت له العلمانية في الوطن العربي خلافا لما كان عليه الحال في بدايات القرن العشرين إلى الحد الذي دفع بعض العلمانيين إلى تجنب الحديث عن العلمانية وبدأو يبحثون عن مصطلحات اخرى جديدة بديلة للعلمانية مثل الحديث عن الدولة المدنية كاشفا النقاب عن أن الغرب بدأ يستعين بالمؤسسات الدينية في الأمور الاستشارية الخاصة بالقوانين المتعلقة بالدولة بما يجعل مفهوم العلمانية الذي يفصل تماما بين الدين والدولة لا وجود له إلا لدى متطرفي العلمانية في منطقتنا.

المساجلة الساخنة الثالثة حدثت حين  قال  سامح فوزي الصحفي والباحث القبطي إنه إذا نظرنا إلى موقف الفرق الإسلامية المتنوعة تجاه الأقباط، سنجد الفريق الأول، يقر بمواطنة الأقباط، ولكن يقدم قراءات قلقة، ومضطربة. والفريق الثاني، يجعل الذمية أساس العلاقة مع الأقباط، ويجعل من النظرة العقائدية أساسا لموقفه تجاههم. أما الفريق الثالث فيحمل مساحة سجالية عقائدية في العلاقة مع الأقباط، بحيث ينزلق في كثير من الأحيان إلي تكفيرهم، والدعوة إلى نبذهم اجتماعيا.

المسلمون في مصر غزاة !!

وتصدى الصحفي علي عبد الوهاب لهذا الطرح بالتفنيد قائلا: إن عقد الذمة الذي يستخدمه الإخوة الأقباط باعتباره نقيضاً للحق في المواطنة يقول نصا عن الذميين (لهم مالنا وعليهم ما علينا) أي المساواة في الحقوق والواجبات فيما بين المسلمين وغيرهم شركاء الوطن لافتا إلى أن هناك فريقا من الأقباط لا يرون في المسلمين مواطنين ولا حتى ذميين بل يقولون عنهم إنهم مستعمرين وغزاة !!

 ودعا سامح فوزي إلى قراءة كتاب (الأمة القبطية) الذي كتب مقدمته مجدي خليل وهو واحد من أقباط المهجر وفيه شعار الأمة القبطية الذي يقول ( الإنجيل دستورنا والمسيح زعيمنا ومصر كلها ملكنا)، كما دعاه لقراءة جريدة (الكتيبة الطيبية) التي يكتب فيها بعض رجال الكنيسة ويرأس تحريرها الأب "متياس منقريوس" والتي يقول فيها «إن المسلمين في مصر غزاة وهم مجرد  ضيوف واللي مش عاجبه يرجع من حيث أتى» أي إلى الجزيرة العربية وتساءل أليس عقد الذمة ارحم من وصف غزاة الذي ينزع المواطنة عن تسعين في المائة من شعب مصر ؟؟!!

وكانت الندوة قد بدأت بكلمة للدكتور أحمد كمال أبو المجد المفكر الإسلامي ونائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان أكد فيها أن الإسلام نادى بالتعددية التي تعد نعمة من الله؛ لذا فإما أن نؤمن بالتعددية أو نكفر بها؛ لأنها لا تقبل حلاً وسطاً.

  ونبه إلى أن الخليفة أبو بكر وعمر لم يأتيا خلفاء لكونهم أكثر إيمانا من غيرهم بل أن أبو هريرة كان يتعبد أكثر منهم وكان قريب جداً من الرسول؛ وهذا يؤكد لنا أن السلطة السياسية في الإسلام كانت تلتزم بالشورى وحق الشعب في اختيار حاكمه. لافتا إلى أن المعركة التي تدار بين الإسلاميين والعلمانيين هي معركة بين الدين بتصوراته الكلية المطلقة وبين العلمانية التي تقوم على إعمال العقل.

 وأوضح أن السؤال المطلوب الإجابة عليه هو كيف نجمع بين الحسنيين أي نجمع بين النص وبين إعمال العقل وكيف نحتفظ بالدين والعقل معا.

 وقال إن الاتجاهات المادية التي تستبعد الدين وتعاليمه وتجلياته أدت إلى بغي الناس بعضهم على بعض ونسيان الواجب وعلينا أن نبحث عن المشترك وهو كاف للتعاون وطرح القضايا التي تهم الإنسان المعاصر لافتا إلى انه من عيوبنا أننا نضيع في الكلام تسعون في المائة من أوقاتنا ولا نعمل إلا في العشرة في المائة الباقية ولن تنصلح أحوالنا إلا إذا جعلنا للعمل تسعين في المائة من حياتنا والكلام عشرة في المائة فقط من أوقاتنا.

 وفي معرض الحديث عن الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين قال منتصر الزيات أمين لجنة الحريات بنقابة المحامين أن العلمانية لا تعني إقصاء الدين بالكلية ولا تعني فصل الدين عن المجتمع بل هي تريد حصاره في مكان ضيق من الحياة؛ تريد أن تدفع به إلى المساجد والزوايا ولا تريده أن يهيمن على مجريات الأمور؛ أو مناطق اتخاذ القرار في المجتمعات أو أن يقود المجتمع  وهذه هي العلمنة وإحدى إشكالياتها في بلادنا العربية التي يشكل المكون الثقافي الأبرز فيه الانتماء إلى الدين أي إلى الإسلام.

المصدر: محيط

تاريخ النشر:2010-02-18 14:34:30 الموافق:1431-03-04 14:34:30ـ | تمت قراءته: 2620 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=216