آثار العولمة الاقتصادية على الهوية الثقافية

د. فلاح خلف علي الربيعي


يشهد عالمنا المعاصر حالياً أتجاهاً حثيثاً نحو استخدام أحدث منجزات التقدم التقني لتعميم ظاهرة العولمة والهدف غير معلن لهذه العملية هو السعي نحو نشر وتعميم الثقافة الغربية، من خلال الخفض التدريجي من شان الحدود والخطوط الفاصلة بين الدول والكيانات السياسية أولاً، وبين الخصوصيات الثقافية ثانياً، ومن الطبيعي في مثل هذه الظروف، أن تشتد حركات الممانعة والمقاومة وتتخذ أشكالاً وأساليب مختلفة تصل الى حد ممارسة الارهاب ضد الابرياء من مواطني الدول الغربية وبخاصة الولايات المتحدة، التي ينظر اليها على أنها مركز الاشعاع لظاهرة العولمة، كما تتعالى الأصوات الداعية إلى تشديد الضوابط والقيود على عملية انتقال السلع والأفكار والقيم التي تتعارض والمضمون الفكري والقيمي للهوية الثقافية موضع التهديد، وتتفاوت القيود المفروضة على المظاهر المختلفة للعولمة، بحسب التفاوت في تقدير النظام سياسي والأجتماعي القائم في كل دولة لدرجة تهديد خطر العولمة عليه، كما يلخص هذا التفاوت مستويات التخوف من اجتياحات العولمة مرتبةً بحسب الانظمة السائدة في تلك الدول.

فرضية البحث «أن نزوع ظاهرة العولمة نحو نشر وتعميم ظاهرة العولمة على سائر الشعوب يحول تلك الظاهرة إلى فعل اغتصاب وعدوان مسلح بالتكنولوجيا والمعلومات يهدد الهوية الثقافية لسائر المجتمعات، فبدلاً من الحدود الثقافية والسياسية، تطرح العولمة حدودا أخرى، غير مرئيه ترسمها الشبكات العالمية بقصد الهيمنة على الاقتصاد والأذواق والفكر وأنماط السلوك، حيث تأتي العولمة اليوم في إطار من شبكات المعلومات والاتصالات وقنوات البث الفضائي وشبكة الإنترنت، و أصبحت الصورة هي المفتاح السحري لهذا النظام الثقافي الجديد».

أولا:مفهوم العولمة

ظهرت العولمة في الأدبيات الحديثة كمفهوم يصف عمليات التغيير وأعادة الهيكلة الجارية في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة والاتصال. ويحدد بعض الباحثين (1). العولمة كعملية تغيير بنيوي تتضمن عمليات أساسية للعولمة، هي على التوالي:

ـ المنافسة بين القوى العظمى

ـ الابتكار التكنولوجي

ـ وانتشار عولمة الإنتاج والتبادل والتحديث.

إن أي صياغة لمفهوم شامل للعولمة لابد أن تضع في الاعتبار تلك العمليات الأساسية التي تكشف عن جوهرها (2)، أولها إنتشار المعلومات، و ثانيها تذويب الحدود بين الدول، أما العملية الثالثة فتختص بزيادة معدلات التنميط أو التشابه بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات الاقتصادية والسياسية والثقافية .

    وقد تؤدي تلك العمليات إلى نتائج سلبية بالنسبة إلى بعض المجتمعات، ونتائج إيجابية للبعض الآخر.وآيا كان الآمر فجوهر العولمه يتمثل في سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول على النطاق الكوني. ومن المنظور الاقتصادي الصرف فإن العولمة تمثل مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية الاحتكارية، بعد أن ضاقت الرأسمالية ذرعاً بقوميتها وقارتها القطبية بفعل الاتجاه الركودي الطويل الأجل الذي دخلته الاقتصادات الغربية، فاتجهت تبحث عن إطار حيوي جديد، يتجاوز الإطار التقليدي (الوطني والقومي والقطبي) الى اطار عولمي، يضم كوكب الأرض بكامله بالإضافة إلى الفضاء الخارجي، ويتحول فيها المشروع المعولم من مشروع أرضي إلى مشروع فضائي كوني. فالعولمة بمفهوم الكوكبة هي محطة الإنطلاق، تحلق بعدها الى الكونية في فضاءاتها اللانهائية ويتجلى كل ذلك في صورة عولمة اقتصادية وتكنولوجية وسياسية وثقافية، و يراها البعض الآخر على أنها ليست سوى عملية إعادة إنتاج لجوهر الرأسمالية المتوحشة وقد انطلقت غرائزها بعد زوال القطب السوفيتي الذي كان يشكل حاجزاً رادعأ لامتداد نطاق العولمة، مستخدمة في هذا الانطلاق كل وسائلها، وفي مقدمتها تكنولوجيا الاتصالات وثورة المعلومات وعالم الشركات متعددة الجنسية والعابرة للقومية وعالمية السوق، وبناءاً على كل ماتقدم يمكن تعريف العولمة على أنها وصول نمط الإنتاج الرأسمالي عند منتصف هذا القرن تقريباً، إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتداول إلى عالمية دائرة الإنتاج والاستثمار.ونشرها في كل مكـان مناسب وملائم خارج مجتمعات المركز الأصلي ودوله. والعولمة بهذا المعنى هي رسملة العالم على مستوى العمق، بعد أن كانت رسملته على مستوى النمط والظاهر (3).

وإن العولمة كظاهرة لم تنشأ فجأة، ولكنها نمت في أحضان النظام الرأسمالي وانبعثت منه، وقد بدأت بذورها في منتصف الستينات، ثم بدأت توجهاتها تتضح في السبعينات وتسارعت وتائرها في الثمانينات، وأخذت تظهر ملامحها الرئيسية مع بداية التسعينات والتي من أبرزها (4):

1ـ انهيار نظام بريتون وودز بإعلان الولايات المتحدة عام 1971 وقف تحويل الدولار إلى ذهب.

2ـ عولمة النشاط الإنتاجي.

3ـ عولمة النشاط المالي واندماج أسواق المال.

4ـ تغير مراكز القوى العالمية.

5 - تغير هيكل الاقتصاد العالمي و سياسة التنمية.

وفي ضوء ذلك كله يمكن إثارة سؤال رئيسي، هو بأي الطرق تحدث العولمة أو من خلال أي القنوات يتم انتشار السلع والخدمات والأفراد والأفكار والمعلومات والنقود والرموز(5)؟ إن الجواب على هذا السؤال يشير إلى أن عملية الانتشار قد تمت من خلال أربع طرق متداخلة ومترابطة هي:

ـ من خلال التفاعل الحواري الثنائي الاتجاه عن طريق تكنولوجيا الاتصال أو من خلال عمليات المحاكاة.

ـ من خلال الدور الذي لعبته أدوات العولمة وهي الشركات العابرة القومية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

ـ من خلال التأكيد على أهمية تعزيز القدرات التنافسية التصديرية واعتبارات الكفاءة الاقتصادية كسبيل وحيد للاندماج مع الاقتصاد العالمي.

ـ من خلال عمليات اندماج المؤسسات المتماثلة.

وفي ظل ظاهرة العولمهة بدأ ينشأ تقسيم عالمي جديد للعمل، تهيمن فيه بلاد ما بعد التكنولوجيا، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، على أنشطة الاقتصاد الجديد أو الاقتصاد المعرفي، الذي يتعامل بالأفكار والمعلومات والبرمجيات وأنظمة الاتصال والرموز الرقمية، وإنتاج تكنولوجيا المعلومات وتشغيلها وصيانتها وحماية عملياتها.ويقوم هذا التقسيم على ثنائي جديد هو المعلوماتية ـ العولمة، وتركت أنشطة الاقتصاد القديم والمقصود بها أنشطة الإنتاج السلعي للبلدان النامية أو بلدان ما قبل الثورة التكنولوجية، كي تتخصص بإنتاج السلع التقليدية التي تحتاج إلى القوى العاملة الرخيصة، إضافة إلى تحميل تلك الأقطارعبء تلوث البيئة(6).وبناءأ على كل ماتقدم يمكن تلخيص مفهوم العولمة في صورة مصفوفة رباعية (2 × 2) نبين فيها أن ظاهرة العولمة قد أحدثها محركان أوليان.

المحرك الأول: هو الابتكار التكنولوجي في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال.

المحرك الثاني: هو انتصار الفلسفة الليبرالية الجديدة و فلسفة اقتصاد السوق الحر وتراجع وانحسار الفلسفة الإشتراكية والمدرسة الكينزية والاتجاهات الأخرى الداعية الى توسيع نطاق تدخل الحكومة في النشاط الإقتصادي. وفي هذا الإطار تقدم الديمقراطية (البنية السياسية) كتوأم للاقتصاد الحر (البنية الاقتصادية) فيكونان معا استراتيجية النموذج الغربي للرأسمالية في صياغته الأمريكية. إن هذين المحركين قد أديا بدورهما الى ظهور نتيجتين:

الاولى: تقليص سيادة الدولة وتهميش دورها. ففي ظل العولمة تصبح إدارة الدولة شئناً تتقاسمه الحكومة مع المنظمات الدولية وبخاصة تلك المسؤولة عن إدارة العولمة كمنظمة التجارة الدولية و صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والشركات المتعددة الجنسية.

والثانية: هي ردود الفعل على تهديدات العولمة، أو مايعرف بالعولمة المضادة، التي تتزعمها الأحزاب والجماعات والمؤسسات وبخاصة المنظمات الدينية الدينية الأصولية والمتطرفة التي ترى في العولمة خطراً على الهوية الثقافية، منطلقين في ذلك من مبررات ودوافع دينية أحياناً أوسياسية أو اقتصادية أوحتى لغوية في أحيان أخرى.

عناصر المصفوفة الرباعية للعولمة

ابتكار التكنولوجي وثورة المعلومات والاتصالات

(انتشارالقطيع الإلكتروني) ([1])

سيطرة الفلسفة الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق الحر والسعي الى التنميط الاقتصادي والثقافي والسياسي (التنميط)

 

تقليص و تهميش سيادة الدولة وتذويب الفوارق الثقافية وإزالة الحدود بين الدول

(اقتلاع شجرة الزيتون) ([2])

ردود الفعل من قبل المدافعين عن الهوية الثقافية

(العولمة المضادة)

 
 

ثانيا: أبعاد العولمة

تشتمل عملية العولمة على الأبعاد الآتية(7):-

ـ البعد الاقتصادي: ويتمثل في نمو وتعميق الاعتماد المتبادل بين الدول والاقتصادات المختلفة.كما يتجلّى أيضاً في وحدة الأسواق المالية النقدية وفي تعميق المبادلات التجارية، التي تعمل في إطار نزعت عنه القواعد والإجراءات الحمائية وكما نصت على ذلك اتفاقية الغات واتفاقية إنشاء منظمة التجارة الدولية. وتظهر الخاصية الاقتصادية من خلال عمل التكتلات الاقتصادية الدولية ونشاط الشركات متعددة الجنسية، وتثار هنا مشكلة أزمة الدولة القومية، وتأثير العولمة في مفهوم وتطبيقات فكرة السيادة الوطنية.

ـ البعد السياسي: ويتمثل في النزوع نحو الديمقراطية والتعددية السياسية. وتثار حول هذه الخاصية إشكاليات عديدة، منها مايتعلق بالتشكيك بكون الديمقراطية الغربية، هي الأسلوب الوحيد للديمقراطية، وهناك أيضا مشكلة ازدواجية المعايير في تطبيق قواعد حقوق الإنسان وذلك بسبب الهيمنة الأمريكية على الأمم المتحدة ومجلس الآمن.

ـ البعد الثقافي: ويتمثل في السعي نحو صياغة ثقافة عالمية واحدة لها قيمها ومعاييرها. والسؤال الذي يرد هنا، هل تؤدي هذه الثقافة العالمية إلى العدوان على الخصوصيات الثقافية، وتـهديد الهويات الثقافية للمجتمعات المعاصرة.

ـ البعد الاتصالي: ويبرز من خلال البث المرئي عن طريق الأقمار الصناعية وشبكة الإنترنت.

غير أن ذلك لا يعني أن العولمة تسير على النطاق الكوني بغير مقاومة، فهنالك صراع مستمر بين العولمة والمحلية، كما نوضح ذلك في الفقرة الآتية.

ثالثا: الصراع بين العولمة والمحلية

تهدف عملية العولمة إلى التقليل من شأن الحدود، والخطوط الفاصلة بين الكيانات السياسية، وهي بذلك تسعى إلى توسيع الحدود واحتواء العالم، من خلال إقصاء الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية من أجل تسهيل مهمة انتقال الأفكار والمبادئ، وفي إطار من حرية الأسواق، مما يؤدي إلى اختراق الحدود والإنحسار الكبير في سيادة الدولة.في مقابل ذلك نجد أن المتشبثين بالمحلية والخصوصية والقومية والثقافية يطالبون بضرورة احترام الخطوط الفاصلة بين الحدود القومية للدول، ومنع انتقال القيم والأفكار التي تتصادم والخصوصية الثقافية، وهذا الاختلاف ناجم عن خوف الثقافات المتعددة من سيطرة ثقافة واحدة أو ثقافة الأقوى أو الثقافة المهيمنة، سواء في نمط تفكيرها ولغتها، أم في تسويقها المتفوق لسلعها وأنماطها الإنتاجية والاستهلاكية. لذا فإن المدافعين عن المحلية، يرون أن العولمة الاقتصادية ما هي إلا تكريس لكونية أممية، تريد بعزم وإصرار أن تحقق عولمة الثقافة بمعايير المرجعية الواحدة، الأمر الذي يهدد المرجعية القيمة للمجتمع المحلي، وهذا ما يدعو إلى الحفاظ على مقومات الهوية الحضارية التي تداهم بمنطق الكونية الجديدة (8) وفي صدد تعلُّق الأمر بالشأن الاقتصادي، فإن أكثر للاتجاهات المناهضة للعولمة تعلن تخوفها من ميل العولمة نحو التنميط أو التماثل أو التوحيد القياسيstandardization”" أي سعيها نحو توحيد معايير وقواعد وأساليب الإنتاج والتسويق والتمويل، وأخيراً المنافسة وفق قواعد وأساليب واحدة في كل الأسواق والبيئات.

وإن اتجاه العولمة نحو التوحيد القياسي (التنميط) ينطلق من حجتين أساسيتين (9):

الأولى: هي أن الناس في كل مكان متماثلون، في سعيهم للوصول إلى أعلى مستوى من الرفاهية الاقتصادية والثقافية، حتى وإن بدوا مختلفين في خلفياتهم الثقافية والقيمة.

الثانية: هي أن التكنولوجيا عالية المستوى، ستحقق منتجات عالية الجودة، وبتكاليف منخفضة، وهذا سيؤدي إلى توحيد الزبائن على طلب منتجات قياسية وذات مواصفات واحدة.وبالنتيجة فإن اتجاه التوحيد القياسي، يخاطب كينونـة تجريدية، هي الزبون العالمي Global customer ويقدم نماذج لمنتجات قياسية أصبحت مستخدمة على النطاق العالمي مثل الجينز، الكوكاكولا، همبركر ماكدونالد، ربطات العنق، الحقائب اليدوية.في مقابل ذلك نجد أن المدافعين عن المحلية يتبنون اتجاهاً مضاداً يدعو إلى التكييف Adaptation ومراعاة التنوع في البيئات المحلية والخصوصية الثقافية والقيمة، ومحاولة الارتقاء بتلك الخصوصيات إلى المستوى العالمي وصولاً إلى فسيفساء الأسواق والسلع والثقافات (8) وفي هذا السياق يتحدث دعاة العولمة عن مزاياها، في حين يركز مناهضو العولمة على عيوبها .

وأهم المزايا التي يوردها دعاة العولمة هي (9):

1- مساهمتها في نشر السلع والتكنولوجيا والمهارات في جميع الأسواق.

2- أنها أداة تحديث لكل الصناعات والإقتصادات في العالم.

3- اكتساب المزايا الإضافية من خلال الانتقال من اقتصاديات الحجم إلى اقتصاديات المجال على مستوى العالم.

4- زيادة المبيعات والأرباح عن طريق التوسع في التصنيع والتوزيع واستغلال فرص النمو في الأقاليم المختلفة.

5- خفض درجة المخاطرة جراء انتشار أعمال الصناعة في أكثر من بلد وإقليم.

وفي مقابل ذلك هناك عيوب عديدة يركز عليها دعاة المحلية ومن أبرزها:

1ـ أن تباين البيئات والثقافات، ربما يكون السبب الرئيسي في فشل الكثير من الصناعات أو المنتجات في بعض الأسواق لكونها أهملت الخصوصية الثقافية أو احتياجات أو ظروف الطلب في الأسواق المحلية.

2ـ أن المزايا في التنوع لا تقل أهمية عن مزايا التوحيد القياسي والتكلفة الأدنى.

3- في ظل العولمة تزداد فرص عدم التكافؤ بين الصناعات المحلية والصناعات العالـمية.

4- في ظل العولمة تزداد الأزمات والحروب الاقتصادية، المسماة بحروب العولمة التي هي نتاج عالمي لما يعرف "بانا الشركة " "Cooperate Ego"، كحروب السيارات الأمريكية/اليابانية، اليابانية/الأوربية، وحرب المنظفات في أوروبا، وحروب الأسعار.

وإزاء هذهِ المزايا والعيوب يمكن أن نشير إلى أن ثمة منظورين للعولمة.

الأول: هو المنظور الإيجابي: وهو منظور مزايا العولمة، الذي يرى إنها ستؤدي إلى تعظيم وتعميم منافع التكنولوجيا والمنتجات والسوق، بما يوسع من الفطيرة ليأكل وينعم بها الجميع.

والثاني: هو المنظور السلبي: وهو منظور عيوب العولمة الذي يرى أن العولمة ستؤدي إلى تعظيم مزايا البعض وبشكل خاص، الشركات العالمية ذات القدرة التنافسية العالية، على حساب البعض الآخر وبشكل خاص الشركات المحلية ذات الموارد والقدرة التنافسية الأدنى. فضلا عن تأثيرها السلبي على التنوع في البيئات والثقافات المحلية، بما يضع المحلية وخصائصها الداعية إلى التكيف، في مواجهة عميقة مع العولمة وخصائصها القياسية الداعية إلى التنميط.

وفيما يخص الأقطار النامية، فإن تعقيد ظروف التبعية الاقتصادية والتكنولوجية والغذائية للأسواق والمؤسسات السائدة في الأقطار الصناعية المتقدمة، تجعل معظم هذه الأقطار يتعامل مع العولمة من منظور المجموع الصفري، وهو منظور عيوب العولمة، و يدعو إلى التشبث بالمحلية، والاستمرار في تبني استراتيجية تعويض الاستيراد، باعتبارها هدف استراتيجي يساعد على حماية الصناعة الوطنية، فضلاً عن دوره في صيانة الهوية الحضارية والقيم الثقافية المحلية.

رابعا: مفهوم الهوية الثقافية:

لتوضيح مفهوم الهوية الثقافية سنتناول المفاهيم الاتية(10):

(1)مفهوم الهوية: إن الهوية هي كل ما يشخص الذات ويميزها، فالهوية في الأساس تعني التفرد، والهوية هي السمة الجوهرية العامة لثقافة من الثقافات، والهوية ليست منظومة جاهزة ونهائية، وإنما هي مشروع مفتوح على المستقبل، أي أنها مشروع متشابك مع الواقع والتاريخ، لذلك فإن الوظيفة التلقائية للهوية هي حماية الذات الفردية والجماعية من عوامل التعرية والذوبان. هذا التصور الوظيفي لمفهوم الهوية يجعلنا نمييز بين تأويلين لمعنى الهوية:

أ- التصور الستاتيكي أو الثابت للهوية، الذي يرى أن الهوية، عبارة عن شيء اكتمل وانتهى وتحقق في الماضي، في فترة زمنية معينة، أو نموذج اجتماعي معين وأن الحاضر ما هو إلا محاولة إدراك هذا المثال وتحقيقه.

ب- التصور التاريخي والديناميكي للهوية الذي يرى أن الهوية شيء يتم اكتسابه و تعديله باستمرار، وليس أبدا ماهية ثابتة، فالهوية قابلة بناء على هذا التصور قابلة للتحول و التطور، وذلك لأن تاريخ أي شعب هو تاريخ متجدد ومليء بالأحداث والتجارب، فإن الهوية الأصلية تتغير باستمرار، وتكتسب سمات جديدة، وتلفظ أخرى وهذا يعني أن الهوية شيء ديناميكي و هو سلسلة عمليات متتابعة كما أنها تتحول مع الزمن فهي ديناميكية، وهي ترتبط بالأثر الذي تتركه الحضارة عبر التاريخ، ويمكن النظر إلى الهوية في صورتها الديناميكية على أنها مجموعة من المقررات الجماعية التي يتبناها مجتمع ما، في زمن محدد للتعبير عن القيم الجوهرية (العقائدية) و الاجتماعية والجمالية والاقتصادية والتكنولوجية والتي تشكل في مجموعها صورة متكاملة تتغير عن ثقافة هذا المجتمع وأي تهديد لكل أو أحد هذه القيم، يجابهه سخط الدفاع العفوي أو المقاومة الثقافية، الذي يعمل حافظا لهذه القيم، من التصدع والانهيار، أو التلاشي.ويتولى خط الدفاع مهمة تكييف العناصر المهددة لنواة الثقافة، وتكييف بعض العناصر المشكلة لنواة الثقافة بما يضمن حفظ جوهرها لتشكيل الصورة الاجتماعية للهوية المرغوب فيها.

(2)مفهوم الثقافة: للثقافة مفاهيم متعددة من أبرزها:

أ- الثقافة بالمعنى التقليدي تعني عملية الإنتاج الأدبي والفكري والفني.

ب- الثقافة بالمعنى الأنثروبولوجي تعني أنماط السلوك المادية و المعنوية السائدة في مجتمع من المجتمعات والتي تميزه عن سواه

ج - الثقافة اليوم اتسع معناها فأخذت تشمل مجموعة النشاطات والمشروعات والقيم المشتركة التي تكون الأساس للرغبة في الحياة المشتركة لدى أمة من الأمم، والتي ينبثق منها تراث مشترك من الصلات المادية و الروحية الذي يغتني عبر الزمن، ويغدو الذاكرة الفردية و الجماعية التي تبنى على أساسها مشاعر الانتماء و التضامن والمصير الواحد.

د- الثقافة والحضارة هذان المفهومان يكادان يندمجان مع بعضهما بعد أن اتسع معنى الثقافة، وغدت الحضارة هي الثقافة بالمعنى الواسع للكلمة، أو أن الحضارة هي نتاج الثقافة وغدا كلا اللفظين يضمان القيم والمعايير والمؤسسات وأنماط التفكير في مجتمع ما أو أمة معينة وبالتالي فإن الحضارة هي نتاج عملية الإبداع الذي قدمه شعب معين والحضارة تبقى أو تستمر، فهي ديناميكية، ولكن درجة استمرارها مرهونة بدرجة استجابتها للتحديات كما يقول توينبي.

هـ - و يميز البعض بين العناصر الآتية للثقافة

ـ الثقافة كنسق اجتماعي عناصره هي القيم والمعتقدات والمعارف والفنون والعادات والممارسات الاجتماعية و الأنماط المعيشية.

ـ الثقافة بوصفها انتماء يعبر عن التراث والهوية والحمية القومية، وطابع الحياة اليومية للجماعة الثقافية.

ـ الثقافة بوصفها تواصلا من خلال نقل أنماط العلاقات والمعاني والخبرات بين الأجيال، وهو التعريف الذي تدعم بفعل ثورة المعلومات والاتصالات.

ـ الثقافة بوصفها دافع للابتكار، والإبداع والنضال ضد القهر، والتصدي لصنوف الظلم.

(3) مفهوم الهوية الثقافية

إن الهوية الثقافية كيان يصير ويتطور، وليس معطى جاهز ونهائي، فهي تصير وتتطور إما في اتجاه الانكماش، أو في اتجاه الانتشار، وهي تغتني بتجارب أهلها ومعاناتهم، انتصاراتهم وتطلعاتهم، وأيضا باحتكاكها سلباً وإيجاباً مع الهويات الثقافية الأخرى التي تدخل معها في تغاير من نوع ما. وعلى العموم تتحرك الهوية الثقافية في ثلاث دوائر متداخلة ذات مركز واحد، وكما يأتي:

أ‌-       الفرد داخل الجماعة الواحدة، هو عبارة عن هوية متميزة ومستقلة عبارة عن أنا لها آخر داخل الجماعة نفسها،.أنا تضع نفسها في مركز الدائرة عندما تكون في مواجهة مع هذا النوع من الآخر (القبيلة، المذهب والطائفة أو الديانة، التنظيم السياسي أو الجماعي).

ب‌- الجماعات داخل الأمة، هم كالأفراد داخل الجماعة، لكل منها ما يميزها داخل الهوية الثقافية المشتركة، لكل منها أنا خاصة بها و آخر من خلال وعبرة على نفسها بوصفها ليست إياه.

ج- الشيء نفسه يقال بالنسبة إلى الأمة الواحدة إزاء الأمم الأخرى غير أنها أكثر تجريدا، وأوسع نطاقا، وأكثر قابلية للتعدد والتنوع والاختلاف.

خامسا: أثر العولمة على الهوية الثقافية

هناك إذن ثلاث مستويات للهوية الثقافية لأي شعب من الشعوب وهذه المستويات هي: الهوية الفردية الهوية الجماعية والهوية الوطنية أو القومية، والعلاقة بين هذه المستويات الثلاث ليست ثابتة، بل ديناميكية فـي مد وجزر دائمين، يتغير كل منها اتساعاً وضيقاً بحسب الظروف، و أنواع الصراع و اللاصراع، والتضامن وعدمه والمصالح الوطنية. بعبارة أخرى، إن العلاقة بين هذه المستويات الثلاث تتحدد أساسا بنوع الآخر وبموقعه وطموحاته، فإذا كان داخليا، ويقع في دائرة الجماعة، فالهوية الفردية هي التي تفرض نفسها كـ(أنا) وإن كان يقع في دائرة الأمة فالهوية الجماعية هي التي تحل محل (الأنا) الفردي أما إذا كان الآخر (خارجيا)، أي يقع خارج الأمة والدولة والوطن فإن الهوية الوطنية أو القومية هي التي تملأ مجال الأنا، ولا تكتمل الهوية الثقافية، ولا تبرز خصوصيتها الحضارية، ولا تغدو هوية ممتلئة قادرة على الأخذ والعطاء، إلا إذا تجسدت مرجعتها في كيان مشخص تتطابق فيه ثلاث عناصر هي الوطن، الأمة، الدولة(11) .

الوطن بوصفه الأرض أو الجغرافيا والتاريخ، وقد أصبحا كيانا روحيا واحدا يعمر قلب كل مواطن.

الأمة بوصفها النسب الروحي الذي تنسجه الثقافة المشتركة.

الدولة بوصفها التجسيد القانوني لوحدة الوطن و الأمة والجهاز الساهر على سلامتها ووحدتها وحماية مصالحها، وتمثيلها إزاء الدول الأخرى في زمن السلم والحرب، لذلك فكل مس بالوطن أو بالدولة هو مس بالهوية الثقافية، والعكس صحيح، فكل مس بالهوية القافية هو مس في الوقت نفسه بالوطن والأمة وتجسيدهما التاريخي لذلك فان الهوية الثقافية تنتمي أكثر ما تنتمي إلى كيان الدولة وسيادتها الثقافية، والوطن سيمثل هنا الوعاء الجغرافي/السياسي الذي تتعبي فيه ثقافة ما، فتصير ثقافة وطنية أو قومية، وواجب الدولة هنا إحاطة الثقافة والنظام الثقافي بالحماية.وظلت الثقافة الوطنية تنهل أسباب سيادتها وتجددها من مصدرين أو مؤسستين هما الأسرة والمدرسة:

الأسرة: باعتبارها أول المصانع الاجتماعية التي تنتج الوجدان الثقافي الوطني بواسطة شبكة القيم التي توزعها من خلال التربية العائلية على سائر أفرادها، كما يتلقى الطفل في هذه المؤسسة التكوينية لغته و مبادئ عقيدته والقوالب العليا لسلوكه، كما يتلقى بعض المبادئ الخاصة بالهوية الجماعية، والتي ستظل أثارها فاعلة في سلوكه، وإن تمرد على بعضها في فترات الشباب.

المدرسة: التي تمثل مؤسسة الإنتاج الاجتماعي الثانية التي تستأنف عمل الأولى وتنتقل بأهدافها إلى مدى أبعد من حيث البرجمة والتوجيه فضلا عن قدرتها على صقل تكوين الفرد الاجتماعي وتنميه ملكة التحيصل والإدراك لديه، بدرجه لا يستطيعها الفعل التربوي الأسري. كما تنفرد المدرسة بقدرتها على نقل الوعي من حدود الجماعة الطبيعية (الأسرة) إلى رحاب الجماعة الوطنية.وتكريس جملة من المبادئ التي تؤسس لقيام وعي بالأنا الجمعي الوطني، وتساهم بذلك في إنتاج ثقافة وطنية. وتعاني حاليا معظم الدول النامية من تراجع في هاتين المؤسستين في وظائفها التربوية والتكوينية وضعف قدرتهما على إنتاج وإعادة إنتاج منظومات القيم الاجتماعية، ورصيد الوعي المدني الذي يؤسس ألبني التحتية للثقافة الوطنية وللسيادة الثقافية.

ويترافق في الوقت الحاضر التزايد في حجم الخلل في العمل الوظيفي الطبيعي للأسرة وعملية التفكك في بناءها، مع الإخفاق في النظام التعليمي، الأمر الذي ينذر بالانهيار الكامل والشامل لنظام القيم في الدول النامية بشكل عام والدول العربية بشكل خاص.حيث تشهد المدرسة حالياً إخفاقاً في نظام التعليم كماً ونوعاً، كما تشهد انخفاضاً في نسب الملتحقين بالمدارس والجامعات ونوعاً من فقر محتوى برنامج التعليم وقصورها عن ملاحقة التطورات العلمية والمعرفية.كما تشهد الآسرة فقداناً متزايداً في قدرتها على الاستمرار كمرجعية قيميه و أخلاقية للناشئة بسبب نشوء مصادر جديدة لإنتاج القيم وتوزيعها وفي مقدمتها الإعلام المرئي، فضلا عن الاضمحلال التدريجي للسلطة الأبوية. وقد شخص تقرير التنمية الإنسانية للدول العربية لسنة 2000 ولسنة 2003هذه الحالة. وفي ظل هذه الظروف جاءت العولمه كنظام أو نسق ذو أبعاد متعددة اقتصادية، سياسية، ثقافية، يمارس تاثيرا مباشراعلى الهوية الثقافية للمجتمعات من خلال الوسائل الاتية (12):

1-   استعمال السوق العالمية كأداة للإخلال بالتوازن في الدول القومية في نظمها وبرامجها الخاصة بالحماية الاجتماعية.

2-   اتخاذ السوق والمنافسة ومعاير الكفاءة الاقتصادية والإنتاجية كمجال الاصطفاء بالمعنى الدارويني أي بمعنى البقاء للاصلح، وهذا يعني أن الشعوب التي لا تمتلك الكفاءة الإنتاجية ولا تقدر على المنافسة في السوق العالمية سيكون مصيرها الانقراض.

3-   إعطاء الأولوية للإعلام لإحداث التغيرات المطلوبة على الصعيديين المحلى والعالمي.فالعولمة في الحقل الثقافي تأتى اليوم في إطار من شبكات المعلومات وقنوات البث الفضائي وشبكة الإنترنت وهكذا بدلا من الحدود الثقافية والسياسية، تطرح العولمة حدودا أخرى غير مرئية ترسمها الشبكات العالمية بقصد الهيمنة على الاقتصاد والأذواق والفكر وأنماط السلوك والصورة هي المفتاح السحري لهذا النظام الثقافي الجديد.فالصورة باتت قادرة على تحطيم الحاجز اللغوي كما تستطيع العولمة الاقتصادية تحطيم الحاجز الجمركي.وأصبحت الأقمار الصناعية الوسيلة لنقل الصورة إلى كل الأصقاع لتلغي بذلك الحدود الجغرافية والثقافية. وعلى أية حال أصبح النظام الثقافي المسيطر في حقبة العولمة هو النظام السمعي/البصري وهو النظام المتمثل اليوم في عشرات الإمبراطوريات الإعلامية التي تزج ملايين الصور يوميا، لقد تحولت الصورة في هذا النظام الى سلطة رمزية تساهم في تشكيل الوعي والوجدان والذوق وهذا له آثاره الخطيرة على صعيد التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والقيمة فبالسيطرة على الإدراك يتم إخضاع النفوس، وتعطيل فاعلية العقل والتشويش على نظام القيم، وتنميط الفروق، وقولبة السلوك والهدف هو تكريس نوع معين من الاستهلاك، لنوع معين من المعارف السلع، معارف إعلانية تشكل في مجموعها، ما يمكن أن نطلق علية «ثقافة الاختراق» وتتولى هذه الثقافة نشر وتكريس الأوهام الآتية(13):

ـ وهم الفردية: أي اعتقاد المرء أن حقيقة وجوده محصورة في فرديته وأن كل ماعداه أجنبي عنة لا يعنيه، وتهدف إشاعة هذا النوع من الوهم الى إلغاء الهوية الجماعية والوطنية وكل إطار جماعي آخر ليبقى الإطار العولمي هو وحده الموجود.

ـ وهم الخيار الشخصي، فباسم الحرية يجري تكريس النزعة الأنانية وطمس الروح الجماعية.

ـ وهم الحياد، فمادام الفرد وحدة الموجود، ومادام حرا مختارا فهو محايد، بمعنى تحلل الشخص من كل التزام أو ارتباط بأية قضية.

ـ وهم الاعتقاد بثبات الطبيعة البشرية وثبات الفوارق الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء، البيض والسود، وشل روح المقاومة والرغبة في التغير والجماعة.

ـ وهم الاعتقاد في غياب الصراع الاجتماعي والذي يدعو الى الاستسلام للجهات المستغلة من شركات ووكالات من أدوات العولمة.وبعبارة أخرى فإنه يدعو الى التطبيع مع الهيمنة والاستسلام لعملية التبعية للحضارة التي تقود حتما الى فقدان الشعور بالانتماء الى الوطن والأمة والدولة.وبالتالي إفراغ الهوية الثقافية من كل محتوى لها. لأن العولمة هي عالم من دون دولة، ومن دون أمة، ومن دون وطن، إنه عالم المؤسسات والشبكات العالمية التي أصبحت الفاعل الأساسي في مسيرة العولمة.أما المفعول فيهم وهم المستهلكون للسلع والصور والمعلومات، فوطنهم الفضاء المعلوماتي الذي تضخه شبكات الاتصال، ذلك الفضاء الذي يسطر ويوجه الاقتصاد والسياسة والثقافة.وهكذا تتحول العولمة الى نظام يقفز على الدولة والأمة والوطن، نظام يريد رفع الحواجز والحدود أمام الشبكات والمؤسسات والشركات متعددة لجنسية وبالتالي فأنه يعمل على الانمحاء التدريجي للدولة الوطنية، وتحويلها الى حارس تقليدي لمصالح الشبكات العالمية المهيمنة.

فدخول الدولة النامية الى العولمة يتطلب منها أن ترخي قبضتها شيئا فشيئا على الاقتصاد والمجتمع تحقيقا لمصالح الشركات متعددة الجنسية، فالأسوار الجمركية ينبغي هدمها، ونظام التخطيط المركزي أصبح جامداً وعديم الجدوى، والاشتراكية أصبحت شيئا من الماضي، وإعادة توزيع الدخل وسياسات الدعم أصبحت تتعارض مع اعتبارات الكفاءة الاقتصادية.وبعبارة أخرى فان العولمة تفرض على الدول آن تقوم بتفكيك نفسها، وتسليم مهامها ووظائفها الى الشركات متعددة الجنسية، والقطاع الخاص المحلي باسم الخصخصة.وبعبارة أخرى، آن المطلوب منها هو آن تطرح نفسها للاكتتاب العام، في سوق لم يعد فيه حملة الأسهم من مواطني تلك الدولة فحسب، بل انضم اليهم أعضاء القطيع الإلكتروني من المستثمرين متعددي الجنسية ومجهولي الهوية، فضلا عن مطالبتها بالمزيد من فتح الأبواب و الأسواق والحدود بلا ضوابط أو قيود.

سادسا: ماالذي تجري عولمته

يحاول دعاة العولمة تصويرها، على أنها عملية تحرر من سيطرة الدولة القومية إلى أفق الإنسانية الأوسع.وتحرر نظام التخطيط المركزي الثقيل إلى نظام السوق الحرة، وعلى الصعيد الثقافي فإنها تحرر من الولاءات الثقافية الضيقة والمتعصبة إلى ثقافة عالمية واحدة تتساوى فيها الأمم جميعا، تحرر من كل أنواع التحيير المسبق لأمة أو لدين أو لأيديولوجيا بعينها إلى عقلانية العلم وحياد التكنولوجيا.وبذلك فهم يقدمون صورة وردية ومشرقة عن تلك الظاهرة، ولكن موقفنا سيتغير حتماً عندما ندرك بأن الذي يجري عولمتهُ ليس إلا سلع وخدمات بعينها، ذات طبيعة وخصائص معينة أفرزتها ثقافة بعينها (كأجهزة البث التلفزيوني الفضائي والانترنت والهاتف الخلوي).وهذا يعني أن العولمة هي في الحقيقة عولمة نمط معين من الحياة هو نمط الحياة الغربية وتحديدا نمط الحياة الأمريكية بما يشمله من علاقات أسرية واجتماعية والذي يتعارض و إلى حد كبير مع الخصوصية الثقافية الدينية لمعظم شعوب الأقطار النامية وبخاصة العربية والإسلامية. فأي حرية نوعد بها لو تحررنا من سيطرة الدولة إذا حلت الشركات متعددة الجنسية محل الدولة، وأي مؤشر يدلل على أن الحرية في ظل سطوة هذه الشركات ستكون أكبر منها في ظل سطوة الدولة.وهل سنتحرر حقا عندما ينحسر نظام التخطيط المركزي أم أننا سنستبدل تخطيط الدولة بتخطيط الشركات، وهل تخطيط الشركات العملاقة أقل مساسا بحريتنا من تخطيط الدولة.وهل يقف في وجه هذه الشركات شيء إذا أرادت أن تخطط لنا حياتنا وطريقة تفكيرنا بما يتفق مع أهدافها في الإنتاج و التسويق، وأي انتصار للديمقراطية واحترام لحقوق الإنسان يمكن أن نتوقعه في ظل سطوة هذه الشركات.ومن هنا تكمن الأهمية القصوى لإدراك أن العولمة هي عولمة حضارة أو ثقافة بعينها هي الثقافة الغربية. والاعتقاد بأن العولمة ظاهرة محايدة بين الحضارات والثقافات أو الاعتقاد أن الحضارات الغربية، هي حضارة إنسانية عامة، وليست مجرد إفراز من إفرازات ثقافات بعينها. إن هذين الاعتقادين من شأنهما أن يرسخا الاعتقاد بأن العولمة ظاهرة حتمية لامفر منها، ولكن كما تبين فإن العولمه هي عولمة حضارة بعينها، وهذه الحضارة هي تعبير عن ثقافة أمة معينة، أو ثقافة مجموعة معينة من الأمم. فالاعتراف بأنة الحضارة الغربية قد اكتسحت العالم لايعني اعترافا، بأنها نتاج العالم بأسره أو أنها تستحق أن تكتسح العالم بأسره فقد نقبل أن التقدم العلمي أمر حتمي وأن التطور التكنولوجي أمر حتمي ولكن هذا لايعني قبولنا بالحضارة الغربية كظاهرة حتمية، فالتقدم العلمي والتكنولوجي لا يمنحان لوحدهما الحضارة الغربية صفة العالمية أو الإنسانية، ولا يزيل عنها خصوصيتها، فالحضارة الغربية التي تقوم على منطق السوق والاقتصاد التكنولوجيا وهدف تعظيم الربح في التعامل مع الإنسان والكون والطبيعة والنظام القيمي والأخلاقي، ربما تقف في موقف التناقض أو التصادم مع الحضارات الأخرى وبخاصة الحضارات التي تمنح الأولوية للاعتبارات القيمية والأخلاقية في نظرتها للكون والوجود والإنسان وفي مقدمة تلك الحضارات الحضارة الإسلامية، ولايمكن لأنصار العولمة إقناع العالم بأن الحضارة الغربية هي الطريقة الوحيدة للنظر إلى تلك الأمور، بحجة أنها ثقافة محايدة، تعبر عن نوازع الإنسانية جمعاء، كما أن الاعتراف بالعولمة كظاهرة حتمي، قد لا يكون في الحقيقة أكثر من اعتراف المرء بنفاد طاقة المقاومه أي أنه نفد جهده وأصبح مستعداً للتسليم لعملية التبعية للغرب، وما يتبع ذلك من فقدان الشعور بالانتماء للوطن والأمة والدولة. أو أنه يعكس استعجال المكافأة، وهو موقف ظالم لأنه يحمل عدة أجيال قادمة عبء فشل جيل بعينه، و قدم لنا (كمال أتاتورك) مثلاً على هذا النوع من الخطأ، باستعجاله التسلم وإعلان الهزيمة أمام حضارة الغرب، ولازال أحفاده حتى اليوم يحاولون إصلاح الخطأ الذي ارتكبه. بناء على ما تقدم، فإن السؤال المركزي يكمن في الكيفية التي يمكن بها تحقيق التوافق بين الإحساس بالوطن والانتماء والهوية الثقافية من ناحية والسعي نحو التقدم والرقي والازدهار والتحديث في ظل العولمة من ناحية أخرى؟ وبهذا الصدد يحاول دعاة العولمة إقامة تناقض مصطنع بين الاثنين، ويرون أن الانخراط في مسارات العولمة والسوق هو الطريق الوحيد، بينما الاحتفاظ ببعض الأسوار الحمائية بهدف حماية الهوية، هو طريق التخلف والاندثار، كما أنهم لا يؤمنون بوجود إمكانية لإقامة التوازن بين الاثنين، ففي ظل العولمة هناك قائد جديد للأوركسترا في أسواق المال الدولية غير(صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) هو وكالات (التقييم والتصنيف) التي تصنف الاقتصاديات النامية وتعطيها درجات مثل التلاميذ (A,B,C) بفتحة واحدة وبفتحتين، وبالتالي فهي ترفع من تشاء وتذل من تشاء حسب درجة الانصياع لقواعد واليات العولمة.فعلى سبيل المثال، قامت هذه الوكالة بتخفيض تصنيف الاقتصاد الهندي من مرتبة الاستثمار التي تعني انه اقتصاد آمن للمستثمرين العالميين  إلى مرتبة المضاربة التي تعني أن هناك مخاطر ستواجه من يفكر بالاستثمار في الهند، وهذا يعني أن نظام العولمة الذي يتم التبشير به، له جهاز شرطة، خاص برصد تحركات الذين لا ينصاعون لقوانين العولمة، ويبادر بعمليات التأديب التي تتركز على كيفية وضع العراقيل أمام الجهود الهادفة  إلى تحقيق التنمية المستقلة(14).

سابعا: ما العمل ؟

إن حاجتنا إلى تجديد ثقافتنا وإغناء هويتنا والدفاع عن خصوصيتنا ومقاومة الغزو الثقافي للعولمة لا يقل أهمية عن حاجتنا لاكتساب الأسس والأدوات التي لابد منها لممارسة التحديث، ودخول عصر العلم والتكنولوجيا، كذوات فاعلة مستقلة.وبقدر تعلق الأمر بالثقافة العربية، فإن الحلول المطروحة على الأمة العربية، تتراوح بين الرفض والانكفاء أو الاستسلام الكامل للحضارة الغربية على الرغم من وجود بعض الفئات التي تحاول التوفيق بين هذين الموقفين. ويبدو أن الإشكالية التي تواجه هذه المواقف الثلاث، تتمثل في عدم قدرتها على التمييز بين الحداثة والتغريب فالحداثة الحقيقة ترفض التغريب، لأن التغريب يشكل في واقع الأمر حائلا دون التحديث الحقيقي، فالتحديث مضمون يتجاوز المضمون الغربي، ويرى أن الحداثة ليست حكرا على الغرب وأن الثقافة الغربية ليست أفضل الثقافات، ولا تمثل بالضرورة النموذج الأمثل الذي ينبغي على الثقافات الأخرى أن تقتفي أثره، وقد أثبتت المسيرة الحضارية للإنسانية ظهور حضارات كبرى  حققت ذاتها، دون أن يفرض عليها هذا الموقف تبعيةً كاملةً للغرب، وقدمت اليابان منذ عصر الميجي نموذجاً مشرفاً في هذا الاتجاه، كما أن ما أنجزته الصين ودول جنوب شرقي آسيا والهند، من ناحية التفاني والحرص على التمسك بثقافتها البوذية والكونفوشيوسية والهندوسية لا يقل شأنا أيضا.وتدعو الحاجة هنا إلى التحذير من الظن بأن الثقافة العربية الإسلامية تتناقض مع الحداثة، وهذه الرؤية تدعو إلى تبني ثقافة عربية إسلامية جامعة من خلال العمل على تحقيق التفاعل الموضوعي أو الاتحاد الكيميائي بين التجدر في التراث وتجديده من خلال التشخيص الدقيق لحاجات الوجود العربي والاستفادة من التجربة العلمية الحديثة، ومنجزات التقدم العلمي والتكنولوجي، التي هي حظ مشترك بين ثقافات عديدة من بينها الثقافة العربية الإسلامية، كما أن العمل بهذا التصور سيساعد في انبثاق ثقافة عربية حديثة وذاتيه، يمكن أن تشكل محوراً لعملية التنمية، على أن تحتل هذه الثقافة الجديدة موقع القلب المحرك الذي تدور حوله عمليات التنمية الاقتصادية والسياسية والتربوية والعلمية والتكنولوجية والإبداعية، وحتى تكتمل تلك المنظومة ينبغي الحرص على إضافة نظام المعتقدات والقيم والمحافظة على التراث كجزء أساسي يعمل جنب  إلى جنب مع باقي عناصر المنظومة، فعملية التنمية في النهاية هي عملية داخلية، ينبغي أن تستند على إلى الثقافة الداخلية الخاصة بالبلد وتقاليده وموارده الطبيعية وقيمه السياسية والمرحلة التاريخية لتنميته بمعنى أن المنابع الفكرية لهذه التنمية، ينبغي أن تكون هي الحضارة العربية الإسلامية، لإبراز الهوية الحضارية العربية الإسلامية وتنميتها والمحافظة عليها، وبوصف الثقافة مستودع الأصالة تستلهم التراث، الذي يجب أن يكون واقعاً متفاعلاً، لاماضيا متحجراً، وقوة دفع لاقوة جذب ومصدر ثقة لانموذج تقليد. كما أن الوقوف على أرض التراث العربي الإسلامي لايعني الانغلاق بوجه بقية الحضارات، بل يعني أساساً التصدي لمشاكل التنمية العربية من خلال منطقها الداخلي الخاص وليس من خلال تبني حلول جاهزة وضعت لمجتمعات غير مجتمعنا (15).

الهوامش والمراجع

G.Anthony and G.Paul                                                - 1

Oxford ,blakwell Puplishers ,1992 , pp.1-30 Globalizaion and Nation-State "

2- السيد يسين " في مفهوم العولمة " مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 228، 2/1998، ص 7

3—هشام البعاج " سيناريو إبستمولوجي حول العولمة " مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 247، 9/1998، ص 43

4- London, Harper Collins" M. Horsman and A.Marshall" After the Nation- State

 1994

5- عبد الخالق عبد الله " العولمة، جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها "، مجلة عالم الفكر، العدد 2، 1999، الكويت، ص ص 50-55

6-نبيل علي" الثقافة العربية وعصر المعلومات " سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، الكويت ,2001, ص ص 40-41

7- السيد يسين " الكونية والاصولية ومابعد الحداثة " القاهرة المكتبة الاكاديمية 1995

8- عبد السلام المسدي " العولمة والعولمة المضادة " مركز الدراسات السياسية والستراتيجية، القاهرة 1997، ص ص 2-10

9- عمر صقر " العولمة وقضايا أقتصادية معاصرة " الدار الجامعية، القاهرة، 2000، ص ص 4- 12   

10- هانس بيتر مارتن، هارولد شومان " فخ العولمة " سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، الكويت ,1998, ص ص 10-20

11- عبد العزيز الدوري "الهوية الثقافية العربية والتحديات " مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 248، 10/1999، ص ص  6-15      

- عبد الله عبد الدائم "التربية وعصر التقانة والمال " مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 230، 4/1998، ص ص  65-86 

12 صادق جلال العظم و حسن حنفي " ما العولمة " دار الفكر دمشق، 1999، ص ص 2-16 

13- محمد عابد الجابري " العولمة والهوية الثقافية " مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 228، 2/1998، ص ص  14-20

11- جلال أمين " العولمة والدولة " مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 228، 2/1998، ص ص  31-35

15- عبد الالة بلقريز " العولمة والهوية الثقافية " مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 229، 3/1998، ص ص  91-99

 

المصدر: مجلة علوم إنسانية



[1])ويقصد به المستثمرون متعددي الجنسية ومجهولي الهوية المتصلين ببعضهم بالشاشات والشبكات العالمية

(2)شجرة الزيتون وترمز إلى الجذور والأصالة والانتماء والتمسك بالأرض والعادات والتقاليد فهي تمثل دفء العائلة وبهجة التفرد

 ولاعتزاز بالنفس وألامان.

[2])ويقصد به المستثمرون متعددي الجنسية ومجهولي الهوية المتصلين ببعضهم بالشاشات والشبكات العالمية

(2)شجرة الزيتون وترمز إلى الجذور والأصالة والانتماء والتمسك بالأرض والعادات والتقاليد فهي تمثل دفء العائلة وبهجة التفرد

 ولاعتزاز بالنفس وألامان.

 

تاريخ النشر:2010-02-19 14:00:08 الموافق:1431-03-05 14:00:08ـ | تمت قراءته: 5213 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=263