التجديد المطلوب للنهوض بالأمة

د. جعفر عبد السلام


التجديد ضرورة من ضرورات الحياة فالشمس عندما تسطع في كل صباح، فإنها تحمل معها يوما جديدا يختلف عن اليوم الذي سبقه، إنها تحمل معها آمالا جديدة وحياة جديدة وإشرافات حيوية توقظ الحياة، وتزيل الخمول وتعيد البهجة والنشاط إلى البشر. والسعيد هو الذي يؤمن بقيمة اليوم، ويدرك أنه إذا ذهب لن يعود مرة ثانية، لذا يفكر في الجديد الذي يقدمه في يومه وفي النشاط الذي يوقظ به حياته وفي العمل الذي يثبت من خلاله وجوده وقيمته في هذه الحياة.

إن الإسلام ينبهنا إلى أهمية تجدد حياتنا وأن نبذل ما في وسعنا من جهد لكي تكون الحياة مشرقة ومبهجة للإنسان، ولكي يساير تغيرات الزمن الذي يحيط به[1]، يقول سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك :15]، كما يقول: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد :11].

أما الأحاديث فإننا نجد حديثا شريفا يتحدث عن ضرورة التجديد وأن الله يبعث للأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها[2].

كما أن القرآن الكريم قد حث المسلمين دائما، أن يغيروا وأن يفكروا في مشكلاتهم، بل إن القرآن الكريم يستحث المسلمين على أن يردوا ما لا يفهمونه مما يعرض أمامهم إلى الله ورسوله وأولى الأمر منهم، يقول تعالى:{وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ...} [النساء : 83].

فهذه الآيات واضحة تماما في أن أمورا ستجد في حياة الناس ربما لا يدركون مدلولها وحكمها الشرعي الصحيح بناء على ذلك ولكن لو عرضوها على أهل الفكر والاجتهاد وطبقوا عليها ما فصل بعد ذلك تحت عنوان علة التشريع أو حكمته.

ونجد الدين الإسلامي يدعو أصحابه إلى التجديد في أكثر من موضع، إنه يدعوهم إلى التدبر والتفكر في مخلوقات الله يقول تعالى: {أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية : 17-20]، كما يستخدم القرآن الكريم دائما آيات تشير إلى أهمية إعمال العقل والاستفادة مما خلقه الله لنا لنفهم خلق الله.

يقول الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.[آل عمران :190،191] .

ويقول تعالى:{وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[الرعد:3].

ويقول تعالى:{وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون}[الجاثية : 3].

وقد روى أبو هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة - على رأس كل مائة- من يجدد لها دينها)([3]).

وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)([4]).

ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله)([5]).

ويمكن أن نجمل ضرورات وأسباب التجديد إلى مجموعة من المسائل هي التي جعلت من التجديد في مفهوم عموم المسلمين واجبا أو فرضا، نذكر من هؤلاء الإمام السيوطي في كتابه المهم "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض"، ونذكر منهم أيضا كافة الأئمة العظام الذين عاصروا الرسول مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعائشة - رضي الله عنهم أجمعين- ومنهم أيضا الفقهاء الأربعة وغيرهم من أصحاب المذاهب [6].

أما هذه الضرورات فيمكن إجمالها في الآتي:

أولا: عالمية الإسلام

من المعلوم أن الإسلام دين عالمي، أي أنه خطاب موجه إلى الناس كافة. يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[سبأ : 28 ]

كما يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء : 107]، ويقول تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة : 33].

ويترتب على عالمية الإسلام، ضرورة أن يساير الإنسان ظروفا زمانية ومكانية للناس جميعا، بمعنى آخر يجب أن يصلح الإسلام لكل البشرية، ومعلوم أن اختلاف الأزمنة والأمكنة تحتاج إلى أحكام تراعي هذه الاختلافات مما يقتضي بذل الجهد في استخراج أحكام تراعي الاختلاف، لقد قال الفقهاء بأن العادة محكمة، وحدد علم أصول الفقه أسس الاجتهاد ومن بينها وسائل تجعل الفقه مسايرا لظروف الزمان والمكان مادام يتقيد بالثوابت، لذا وجدنا الإمام الشافعي يغير كثيرا من الأحكام التي تناولها فقهه عندما انتقل من العراق إلى مصر، كذلك من المنطقي أن نجد خلافات بين فقهاء السنة والشيعة نرجعها إلى اختلاف الزمان والمكان، نقول:

إن الإسلام كدين عالمي ينتشر في مختلف أنحاء العالم ويؤمن به الكثير من البشر الذين يمثلون اليوم خمس سكان العالم حيث يبلغ عددهم أكثر من مليار وثلث من البشر، لا يمكن أن يطبق فيه الأحكام الاجتهادية على كل هؤلاء الناس، بل من المتصور أن الكثير من هذه الأحكام تختلف باختلاف ظروف المكان والزمان.

وإذا كانت الأجيال كلها ترى هذه المعجزة وتفهمها فهي حجة الله القائمة عليها فإن ضلت فإنها لا تضل من جهالة، وعلى نقص في البينات والدلائل، ولا من شك في الأمر، بل عن عمى في البصيرة، وتحكم في الهوى([7]). إن بقاء معجزة القرآن وخلودها وحفظها من التحريف دليل على أنها معجزة الدهر، وصوت السماء إلى كل إنسان على ظهر هذه الأرض حتى يقوم الناس لرب العالمين.

أما المسألة الثانية التي تثبت عالمية الإسلام فهي تعاليم هذا الدين القويم، فهذه التعاليم تخاطب الفطرة الإنسانية وتمتاز بالوسطية، وتنظر للإنسان نظرة واقعية، وتحترم العقل البشري وتؤكد العدالة والمساواة بين الجميع، وتكفل للناس السعادة في الدارين، بما قررت من مبادئ ونظم صالحة لكل زمان وكل مكان، وهي من ثم تنأى عن الإقليمية أو المحلية؛ لأنها إنسانية تلبي حاجات المجتمعات في جميع العصور والأقطار.

وهذه التعاليم إذا كانت تخاطب الفطرة الإنسانية، وهذه الفطرة لا تختلف باختلاف الزمان والمكان؛ لأنه لا تبديل لخلق الله، فإنه لا يصح أن يقال إنها خاصة بعصر دون عصر، أو بقوم دون قوم وبمكان دون مكان، وإنما هي للإنسان حيث كان {فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا  لاَ  تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ}([8]).

وإن الدين الإسلامي لعالميته وخلوده يتسع للتجديد؛ ليكون صالحاً للتطبيق في كل الظروف والأحوال، ولكل الشعوب والأجناس، فهم جميعاً لديه سواء وقد جاءهم بتشريعات عامة عادلة لا إيثار فيها لشعب على شعب، ولا لجنس على جنس.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الحكم الديني الواحد في مجال العادات، وهي أكثر أحوال الحياة يدور مع الجنس الواحد من فعل الإنسان بحسب ما تتحقق في أفراده العينية من مصلحة فقد يكون الفعل الواحد في جنسه مأموراً به في فرد من أفراده إذا حقق مصلحة بحسب ظرفه، ومنهيّاً عنه في فرد آخر بحسب ظرفه، ومنهّياً عنه في فرد آخر بحسب ظرفه أيضاً([9])، وقد قرر الإمام الشاطبي هذا المعنى في قوله: فإنا وجدنا الشارع قاصداً لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معه حيث دار فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة فإذا كان فيه مصلحة جاز([10]).

ثانيا: صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان

وهي خاصية ترتبط بعالمية الإسلام وكونه آخر رسالات السماء، وما دام الأمر كذلك، وأن التغيير سنة من سنن الكون، فقد جاءت أحكامه من العموم والشمول بحيث تصلح للتطبيق في كل زمان ومكان، يقول سبحانه وتعالى : {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام : 38] لذا تهتم الشريعة بوضع الأطر الثابتة التي يجب أن يقام عليها كل نظام ولا يمكن أن تكون هذه الأطر محلا للاجتهاد، يوضح ذلك قوله تعالى {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} [آل عمران 7].

لذا فإن الأحكام التي تشتمل على قواعد كلية مثل إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وغير ذلك من الفروض والأحكام الآمرة لا مجال للاجتهاد أو التجديد فيها، أما الأحكام الأخرى والتي تتصل غالبا بالمعاملات فإنه يمكن الاجتهاد فيها، وتوجد اجتهادات واضحة من المجامع الفقهية في الكثير منها.

هذا بالإضافة إلى ظهور فتاوى فيها تجديد وتأصيل مثل الفتاوى لشيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت، والفتاوى للأستاذ الشيخ مصطفى الزرقاء، والفتاوى للأستاذ الشيخ على الطنطاوي، والفتاوى للشيخ الدكتور أحمد الشرباصى وغيرهم.

فهل كل تجديد ولو بالهدم و مصادمة النصوص الشرعية يكون مقبولا، وهل يسمى هذا تجديداً، وهل هذا هو مراد المجددين الذين يخرجون عن نطاق الشريعة؟!

ومن جهة أخرى ظهر حصاد الاجتهاد الجماعي، وكانت ثماره وقراراته وتوصياته حكيمة وسديدة ومعتدلة ومحققة للمصلحة، ومنسجمة مع أصول التجديد والاجتهاد، وفيها تلبية لمتطلبات المصلحة ومراعاة حاجات الناس.

ولكن أتحترم هذه القرارات من الدول والمؤسسات والأفراد، أم تظل حبيسة الأدراج، مكتومة الظهور، لا يحرص على الاستفادة منها أحد، لأن غالب الناس يركضون وراء الأهواء والماديات، وبغض النظر عن الحلال والحرام؟! ثم يتهمون الفقهاء بالقصور والجمود، وعدم مواكبة العصر.

المصدر: صوت الإيمان

 

تاريخ النشر:2011-01-23 07:50:54 الموافق:1432-02-17 15:50:54ـ | تمت قراءته: 2485 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=3868