أقانيم صهيونية جديدة

خيري منصور


 

 
عندما بدأ المورخون الجدد من اليهود يتحدثون عما بعدالصهيونية، ومنهم ذلك الذي اكتشف مذبحة الطنطورة المنسية والسكوت عنها لم يخطرببالهم أن حقبة ما بعد الصهيونية سوف تشهد ما يمكن تسميته الريادة الثانية، فثمةحالمون يمثلون هذه الريادة، وفي مقدمتهم نتنياهو الذي يسمي حملاته العدوانية على الشعب الفلسطيني استكمالاً لحرب الاستقلال عام 1948.
الآن، تضاف ثلاثة أقانيم جديدة إلى المعجم الصهيوني بعد أكثر من ستة عقود مرّت على إنشاء الدولة الصهيونية. فبعد أقانيم التهويد الثلاثة، وهي تأبيد القدس بعد تهويدها كعاصمة أبدية، وحذف حقوق اللاجئين وتهويد الدولة، تأتي هذه القوانين الثلاثة الجديدة لتحرم الفلسطينيين حتى من حق استذكار النكبة، لأنها الوجه الآخر لما يسمى في الأدبيات الصهيونية الاستقلال، إضافة إلى تجديد صلاحية مفهوم الجيتو أو المُنعزلات اليهودية بحيث يمنع العرب من الإقامة في أحياء يهودية كي تكون عنصرية خالصة، وهذا بحد ذاته تكثيف مُسلح لفلسفة العزل العنصري ومتوالية الجدران الفاصلة.
آخر مبتكرات الاحتلال هي حرمان الضحية حتى من حق الحزن، لأنه يهدف أيضاً إلى تجريف الذاكرة كما فعل بالتراب. فالغزاة كما قال الشاعر محمود درويش لا يخشون شيئاً من ضحاياهم قدر خشيتهم من الذكريات.
ولم يحدث من قبل أن اخترع هؤلاء الغزاة وأمثالهم في التاريخ قانوناً يحرم الإنسان من حق البكاء. واستذكار يوم محفور كالوشم في النخاع، لكن هذا الاحتلال الفريد من نوعه لأنه يتأسس على مشروع استيطاني إبادي يراهن على النسيان ولو استطاع لأباد الأطلال أيضاً سواء كانت لقرى تم تدميرها وهي بالمئات أو لذكريات تهجع في قعر الذاكرة، لكنها سرعان ما تطفو على السطح لأنها تتغذى من سردية وطنية خالدة، ومن دماء لم ينقطع نزيفها لأكثر من قرن.
إن كل طفل أو حجر أو شجرة أو طلل في تلك الجغرافية الرسولية هو شاهد إثبات على الجريمة التي أرادت لها الصهيونية أن تكتمل بحذف الشهود، لكن الزهايمر السياسي والقومي الذي تراهن عليه سلطات الاحتلال لا مكان له في ذاكرات تلقحت ضد النسيان فالوطن ليس مكاناً في الذاكرة فقط إنه زمان أيضاً، وبالتالي فهو كيمياء وجود يصارع العدم، وتحويل المنافي إلى أوطان بديلة هو أيضاً رهان أخرق طالما خسره الحالمون بإدامة الليل إلى ما لا نهاية.
الأقانيم الصهيونية الجديدة تضاف إلى قائمة طويلة من قوانين هي إفراز عضوي لثقافة مضادة للتاريخ. وحبيسة الأساطير السبع فهي ثقافة تخشى المستقبل وترى فيه كميناً أو فخاً تاريخياً تتعذر النجاة منه، لهذا فالقوة وحدها هي ما يبقي الحال على ما هو عليه، لكن ما من ضمانة أبدية أو بوليصة تأمين تاريخية لبقاء هذه القوة، خصوصاً أنها قدر تعلقها بالدولة الصهيونية ليست ذاتية تماماً، بل هي نتاج ما سماه أرنولد توينبي قبل عقود خطأ تاريخياً، تتحمل نتائجه الكارثية الكولونيالية الغربية رغم أنها حاولت وتحاول من خلال فلولها أن تغسل الذاكرة الآثمة بمواقف إجرائية ذات منحى إغاثي ولا ترقى حتى إلى الاعتذار الأخلاقي.
بعد الآن وبعد هذه القوانين الجديدة أصبح محظوراً على الفلسطيني أن يتذكر وأن يبكي أو يحزن، كما أن الحنين أيضاً ممنوع، لأن من صميم فلسفة الاستيطان احتكار الألم،وتطويب دور الضحية حتى الأبد حتى لو تحولت هذه الضحية إلى جلاء سادي يسيل لعابه السام على المزيد من دم الأطفال كلما شمّ رائحته أو سمع نحيب الأمهات.
 
صحيفة "الخليج" الإماراتية
 

تاريخ النشر:2011-03-28 12:01:53 الموافق:1432-04-22 12:01:53ـ | تمت قراءته: 2568 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=4216