نصر الله ووحدة المسلمين!

عبد الستار قاسم


افتتح السيد حسن نصر الله الجزء السياسي من خطابه بمناسبة ذكرى المولد النبوي/1433 هجرية بالحديث عن صناعة فتنة مذهبية واتهام الشيعة، بخاصة إيران وحزب الله، بالعمل المبرمج على تشييع أهل السنة. نفى السيد حسن الاتهام، وقال إن العمل على إحداث فتنة سنية شيعية يجري منذ سنوات، بخاصة بعد حرب عام 2006.

من متابعتي للأحداث، العمل على إحداث فتنة سنية شيعية يجري منذ عام 1979، وكان هذا واضحا لي أثناء عملي في الجامعة الأردنية. بدأت جهات عربية رسمية تفتح ملف السنة والشيعة منذ انتصار الثورة الإيرانية، وشجعت نشر كتب تفتح الذاكرة بمعارك تاريخية لم تخدم الإسلام والمسلمين، وبدأ بعض رجال الدين يتحدثون بسوء عن أهل الشيعة، وفتحت المجال أمام وسائل الإعلام لإبراز نقاط تسيء لأهل الشيعة. وقد كتبت حينها كتابا بعنوان "سقوط ملك الملوك" قلت فيه إن أمريكا ستحرض القادة العرب ضد إيران، وستدفع العرب لشن حرب على إيران. والأسباب أن سقوط الشاه قد سبب خسارة كبيرة لأمريكا، وأن إيران قد فتحت الباب أمام صحوة إسلامية ستمتد إلى الأقطار العربية، ما سيقوض حكم أصدقاء أمريكا، ولأن إسرائيل ستصبح في دائرة الهدف.

فشلت الحرب على إيران، لكن الجهود لم تتوقف من أجل حشر إيران في الزاوية وحصارها وإسقاط نظام حكمها. لم تتوقف الإجراءات العسكرية والاقتصادية والحملات التحريضية ضد إيران عبر السنوات، لكن التركيز بقي على صناعة فتنة سنية شيعية عساها تتمخض عن حرب بين السنة والشيعة تستنزف الطاقات العربية والإيرانية وتؤجج مشاعر عميقة من البغضاء والكراهية بحيث يتباعد العرب والإيرانيون إلى قرون طويلة.

هدأت الحملة ضد إيران والشيعة عموما على مدى سنوات، لكن جهود إشعال الفتنة بقيت مستمرة، في باكستان بخاصة بعد غزو أفغانستان، ولقيت مناخا جيدا لها في العراق بعد الغزو الأمريكي، لكنها اشتدت واكتسبت زخما قويا وجهودا مكثفة بعد انتصار حزب الله في حرب عام 2006.

لقد انتظرت أمريكا والمجموعة الغربية وأغلب الأنظمة العربية هزيمة حزب الله، وقدمت كل الدعم اللازم لإسرائيل، لكن آمالهم خابت، وارتدت إسرائيل تلعق جراحها. ولهذا وجدنا حملات إعلامية واسعة ومركزة حول بعض طقوس أهل الشيعة، وظهرت علينا مقولات قالها بعض غلاة الشيعة عبر التاريخ، وظهر علينا بعض الشيعة يشتمون الصحابة رضوان الله عليهم ويتهمون السيدة عائشة. لقد تم تجنيد وسائل إعلام ومثقفين وأكاديميين ورجال دين بهدف صناعة معارك وحروب بين السنة والشيعة، وظهر أن هناك العديد من رجال الدين من كلا الطرفين لا يعرفون الله، ولديهم الاستعداد لإحراق الأمة وليس فقط مساجدها.

لقد ارتكب حزب الله خطأ كبيرا عندما انتصر عام 2006، وكان المفروض أن ينهزم ويفتح أبواب لبنان لإسرائيل ويعرض سوريا للهلاك. لو فعل ذلك لما وجدنا أعدادا غفيرة من العرب تتجند لشتم إيران وحزب الله والشيعة، ولبقيت الأمة موحدة على أرضية الهزيمة والاستسلام والذل. فما هو الأفضل: الهزيمة التي توحد الأمة، أم النصر الذي يمزقها؟ المفروض أن يعود السيد حسن إلى دراسة أوليات الفكر السياسي.

لماذا الفتنة؟

أمريكا تعلم تماما أن إيران وحزب الله لا يتبنيان برنامجا لتشييع السنة، وتعرف أن الدول السنية لا تملك برنامجا لتسنين الشيعة، لكنها تعلم أن الفتنة أفضل آلية لإنهاك المسلمين مما يمكنها وإسرائيل من استمرار هيمنتهما، ويمكن الأنظمة العربية من استمرار بقائها في الحكم. كل طرف من أطراف صناعة الفتنة له مصالحه وأهدافه، ويستطيع كل منهم تجنيد عدد كبير من الأغبياء والمرتزقة والمتشنجين والمتعصبين لجر الناس نحو الاقتتال.

الفتنة ضرورية لأن سعي إيران للتطوير العلمي وامتلاك التقنية والتصنيع والاعتماد على الذات سيكسبها قوة نحو الاستقلال ورفض الهيمنة الأجنبية والاستعمار والاحتلال. القوة التي قد تكسبها إيران تؤثر مباشرة على وضع الحكام العرب لأنها تعريهم بالمزيد أمام شعوبهم، وتعرض هيمنة أمريكا وإسرائيل على المنطقة العربية- الإسلامية للخطر.

المطلوب من دول المنطقة أن تبقى ضعيفة وتحت حكم بدائي شبيه بحكم عصور الظلام، وأن تبقى معتمدة على الحماية الأجنبية، ومطواعة في تبذير أموال الشعوب بطرق متعددة منها شراء الأسلحة بكميات ضخمة، وملاحقة الشهوات بصورة مفرطة ومشينة.

والفتنة ضرورية من أجل أن يبقى الإسلام نائما لا دور له في ترتيب أوضاع الناس نحو الحرية والعدالة، وأن يبقى المسلمون في لجج من الجهالة والغباء يقتلون بعضهم باسم الدين دفاعا عن علي وعن عائشة، ويكررون مآسي الجمل وصفين وكربلاء!!

إذا تولدت دول إسلامية قوية، وظهرت أحزاب إسلامية متنورة فإن الثمن الذي ستدفعه أمريكا وإسرائيل والأنظمة البدائية القبلية سيكون باهظا. ستلتف الشعوب حول مراكز القوة، وستؤيد الأحزاب المتنورة إسلاميا، فتضعف الأنظمة العربية وتنهار، ومعها ينهار الحكم الأمريكي للمنطقة. وهذا واضح في التفاف الناس بقوة حول حزب الله بعد طرد إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 وهزيمتها عام 2006. أضعف هذا الالتفاف الوجود الأمريكي في المنطقة، وشكل حافزا كبيرا لأهل السنة للبحث عن أسباب القوة ومواجهة التحديات. وهذا كان واضحا أيضا بالتأييد الكبير الذي حصلت عليه حماس والمقاومة الفلسطينية بعد الحرب على غزة عام 2008/ 2009. لقد استاء حكام العرب من صمود غزة وهي سنية، كما استاؤوا من نصر حزب الله الشيعي.

الذي يخيف الحكام العرب ومن وراءهم ليس تشيع أهل السنة، وإنما قوة أهل الشيعة المتمثلة بإيران وحزب الله، والتي تنعكس إيجابا على أهل السنة فيكتسبون القوة التي تحررهم من الملوك والأمراء ورؤساء الاستبداد. ولهذا هم لا يتورعون عن القيام بأي عمل مهما كان منحطا لزرع بذور الانشقاق والصراع والاقتتال. وهم مرعوبون الآن من فوز الأحزاب الإسلامية في تونس ومصر لأن المسلمين سيتقاربون، بغض النظر عن مذاهبهم وطقوسهم. وإذا تقارب المسلمون انتهى دور المتأسلمين. أي أن مصر ستقترب من إيران حتما، وتونس من مصر، وتونس ومصر وإيران من غزة وحزب الله وكل فصائل وأحزاب المقاومة في ديار المسلمين.

 

العرب أونلاين

 

 

تاريخ النشر:2012-02-13 10:54:31 الموافق:1433-03-20 10:54:31ـ | تمت قراءته: 1809 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=6963