قابلية التغيير .. تجربة رجب طيب أردوغان أنموذجا

محمود عثمان


تأتي مصطلحات الإصلاح والتغيير والتحول من بين أكثر الكلمات استعمالا في القاموس السياسي , فقد اتخذها كثير من السياسيين شعارات ووعودا تستهوي أفئدة الجماهير قديما وحديثا .. وأحدث مثال بين أيدينا النجاح الباهر الذي حققه الرئيس الأمريكي الجديد براك أوباما في إقناع الناخب الأمريكي أنه جاد في التغيير وأهل له وقادر عليه .. ومن قبله ساسة كثيرون كتب لهم النجاح بعد أن أقنعوا شعوبهم ومنتخبيهم ببرامجهم في الإصلاح والتغيير. ويبقى المحك الفعلي لهذه المصطلحات والشعارات هو ما يتحقق منها على أرض الواقع .. وهو الذي يعزز الثقة ويضمن استمرار النجاح ..

والتغيير هو سر النجاح الأسطوري الذي حققه رجب طيب أردوغان رئيس حزب العدالة والتنمية ورئيس وزراء تركيا . الذي قلب جميع الموازين السياسية المعهودة فلم يدخل انتخابا إلا حقق فيه نسبة أعلى من النسبة التي حصل عليها في الاقتراع الذي سبقه. وتجربته بحق أهم تجربة جديرة بالبحث والدراسة لأنها غنية بالمواقف والدروس والعبر, وتشكل نموذجا مخبريا رائعا للحركات الإسلامية والأحزاب السياسية التي تعنى بالتغيير في عالمنا العربي والإسلامي .

ولعل من أهم مميزات التجربة الأردوغانية أنها آمنت بالتغيير الديمقراطي نظرية وتطبيقا, ونبذت فكرة الانقلاب والثورة. بل إن أهم ميزة في التغيير عند أردوغان أنه بدأ بنفسه أولا فأعلن على الملأ :( لقد تغيرت .. değitim ) هذا التغيير خلَاصه من أعباء إرث الماضي الثقيل الذي كان يرتكز إلى فكر أستاذه ومربيه نجم الدين أربكان الذي تبنى الإصلاح بأسلوب يبدو من الناحية النظرية ( الشعاراتية ) أقرب إلى الأساليب الثورية الانقلابية لكن في ممارساته السياسية على أرض الواقع اتبع أسلوبا مغايرا توخى فيه الدقة والحذر وعدم الاصطدام مع الآخرين.

ومع ذلك لم ينجح في البقاء في الحكم عاما واحدا برغم ثقة الشعب به وحبهم له, وبالتالي لم يستطع الوصول إلى أهدافه الإصلاحية لأن الشعوب – حتى الشريحة الإسلامية منها - تنبذ الشدة والعنف والقسوة, وترفض مجابهة السلطة مهما كانت ظالمة . حتى أسلوب المعارضة العدواني الصاخب لم يلق رواجا في الحياة السياسية, ولم تنفعها في كسب أصوات الناخبين. وهذا سر التراجع المستمر لأصوات حزب الشعب الجمهوري الذي يتبنى هذا النهج والأسلوب. إن الوقوف عند الماضي بحجة الحفاظ على المبادئ والثوابت يؤدي حتما إلى التقوقع على النفس والانغلاق على الذات.

ويصيب الحركات الإصلاحية سياسية كانت أم دعوية بالشلل والضمور والقصور, ويبعدها عن معايشة الواقع , ويسلبها قابليتها على الإصلاح والتغيير .فتصبح تردد شعارات رنانة لاتسمن ولا تغني من جوع. ولذلك فإن أصحاب الشعارات الحماسية هم العقبة الرئيسية في طريق الإصلاح والتغيير ومثل هؤلاء لا يملكون أي رؤية نحو المستقبل لأنهم أسيري الماضي. والإنسان بطبعه البشري لا يستطيع النظر إلى اتجاهين متعاكسين في نفس الوقت .. كان بإمكان النبي – ص – قتل كفار مكة بعد فتحها ولو فعل ذلك ما ظلم. لكنه كان صاحب مشروع إصلاحي ينظر للمستقبل .. كان هدفه هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور لا قتلهم والانتقام منهم .. لم يقف عند الماضي ولم يلتف إلى الذين نادوا بالثأر.. في كل زمان ومكان سيظل فريق من الناس ملتصقين بالماضي ينادون بالثأر.. هؤلاء لا يتورعون عن زرع الألغام في طريق القافلة, واتهام العاملين وتخوينهم والتشكيك في نواياهم .

 أردوغان قال كلمته: تغيرت.. تعالت الأصوات المنددة من كل حدب وصوب.. بعض الإسلاميين اتهمه بالردة والنكوص والتنكر للمبادئ التي تربى عليها.. العلمانيون اتهموه بالتقية والكذب .. أما هو فقد مضى في طريقه لأنه صاحب رؤية مستقبلية وليس أسيرا للماضي .. مضى في طريقه فتغير وغير .. كثيرون شككوا في مقدرته على النجاح حتى أقرب الناس إليه نائبه في رئاسة بلدية استانبول خاف على مستقبله السياسي فلم ينضم إلى حركة أردوغان في بدايتها, لكنه بعد أن رأى النجاح بدأ يتزلف ويتقرب لكن بعد فوات الأوان, فقطار الزمان ماض في طريقه لا ينتظر أحدا.. إن الذين لا يفهمون التغير وقراءة الواقع لن يقدروا على التغيير واستشراف المستقبل وبناء الوطن .. هؤلاء سيبقون يلوكون الشعارات ويتباكون على الماضي ويندبون حظهم العاثر .. سيبقون عالة على غيرهم يسألون الناس إلحافا.. هؤلاء ليسوا رجال المرحلة ولن يقودوا فريقهم إلا إلى مزيد من الخراب والدمار ..

المصدر: تايم تورك

تاريخ النشر:2011-03-06 10:05:00 الموافق:1432-03-30 10:05:00ـ | تمت قراءته: 4823 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=700