خطاب أم طلب انتساب؟

خيري منصور


لم ينافس التصفيق الذي حصده أوباما أمام "الإيباك" في الحفل الموسمي والتنكّري معاً إلا بيريز نفسه الضيف الذي وعده المضيّف بتكريم أمريكي يليق بالعلاقة التوأمية السيامية بين واشنطن وتل أبيب. وذلك حين وقف أمام الكونغرس قبل أعوام ليحذف الفارق الشكلي بين الكنيست والكونغرس. ويقول إن كل ما تقدمه الدولة الصهيونية للعرب هو مجرد تنازلات إرادية، فهي المنتصر الذي يتخلى كرماً عن القليل من غنائمه.

 وكان الرئيس الذي فقد الكثير من حجمه ومساحة بلاده في حضرة "الإيباك" وصف أمن الدولة الصهيونية بأنه من المقدسات، رغم أن ما اقترفته سلطات الاحتلال من جرائم لم ينج منها بشر أو شجر أو حتى حجر، لا يمكن تصنيفه إلا في خانة المدنسات السوداء.

 ولا ندري لماذا زج أوباما نفسه في منافسة مع أكثر من أربعين رئيساً أمريكياً سبقوه ليبرهن على أن ما قدمه لليهود لم يكن مسبوقاً من أسلافه البيض، فهو بعد ما يقارب القرن من صدور وعد بلفور يحاول أن يقدم نفسه كبلفور أمريكي لكن بعد إضافة ملحق يتضمن تكريس الفيتو لمصلحة الاحتلال وضد الدولة الفلسطينية في مجلس الأمن، إضافة إلى تبنّيه الصريح لأطروحة الدولة اليهودية الخالية من الشوائب الديمغرافية.

 وبالجملة فقد كان الخطاب الموسمي هذه المرة أشبه بتقديم أوراق اعتماد للوبي اليهودي في أمريكا بهدف الحصول على شهادة حُسن سير وسلوك، أو ما يسميه العرب "عدم المحكومية" من الرجل الذي كان يجلس أمامه والذي كتب نصف سيرته السياسية على الأقل بدم العرب، بدءاً من كونه عضواً فاعلاً في "الهاغاناه" ومروراً بمجزرة قانا، حتى الأطلس الذي رسم خرائطه الجديدة في كتابه عن الشرق الأوسط الجديد.

 ومن قبيل التكرار الممل التذكير بأن هذا الخطاب هو من صميم الحملة الانتخابية لأوباما الذي وعد في حملته الأولى بالتغيير، وقد حدث هذا التغيير بالفعل لكن من خلال استبدال مفردات أول رئيس أمريكي اعترف بالدولة الصهيونية، وتحويل التحالف إلى ما هو مقدس وغير قابل للمَس. فقرارات الحرب بالنسبة لتل أبيب، كما قال، هي قرارات سيادية، لكن الآخرين لا يملكون هذا الحق حتى في الدفاع عن أطفالهم والعظام التي بعثرتها القنابل في قبور أجدادهم.

 خطاب هو في صياغته أشبه ببيان أو "مانفستو" لما تراه الولايات المتحدة في الألفية الثالثة من فهم جديد للعدل والحق والقداسة.

 قال أوباما الساعي إلى التغيير إنه أنقذ دولة الاستيطان من العزلة الدولية ونفذ أوامرها بإشهار الفيتو في مجلس الأمن ضد الكينونة الفلسطينية، وهذا ما لم يفعله أسلافه في البيت الأبيض، لهذا فالفاتورة الانتخابية باهظة وعلى "الإيباك" تسديدها سياسياً.

 والرئيس المُبشر بدولة فلسطينية قابلة للحياة لم ينكث فقط بالوعد والعهد بل ذهب إلى ما هو أبعد، بحيث أصبح شعبٌ أسيرٌ مجرد عرضٍ جانبي في معالجة أمن الاحتلال والحرص على نقله من مستوى الرعاية والتحالف إلى القداسة.

 وثمة من العرب الذين تفاءلوا بقدوم أوباما من تمنوا لو أن هناك أخطاء في ترجمة خطابه إلى العربية، لأن الخذلان لم يتوقف عند حدود التخلي وتكريم القتلة، بل تجاوز ذلك إلى تقديم بوليصة تأمين أمريكية لمصلحة كل ما يمكن لتل  أبيب أن تقترفه من جرائم وتنتهكه من مصائر البشر.

 نحن نعرف جيداً مدى ارتهان مرشحي الرئاسة الأمريكية لضغط اللوبي الصهيوني، لكن لم نكن نتوقع مثل هذا الإفراط في الاسترضاء، بل الاستجداء للتصفيق في حفل تنكري بامتيازات عدة، بحيث أصبح المتبوع تابعاً والراعي مرعياً وقتل البشر مُقدساً.

المصدر- الخليج الإماراتية

 

تاريخ النشر:2012-03-10 12:28:55 الموافق:1433-04-16 12:28:55ـ | تمت قراءته: 2318 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=7246