انقلاب سياسي في إسرائيل يخدم اليمين ويعيد تشكيل الخريطة السياسية والحزبية

أ. حلمي موسى


أثار الانقلاب السياسي في إسرائيل والذي تحوّل فجأة من مسار الانتخابات المبكرة إلى مسار حكومة الوحدة تقديرات متباينة ليس في إسرائيل وحسب، وإنما في مراكز القرار في المنطقة والعالم أيضاً. ولا ريب في أن ما يجري في إسرائيل يعني الكثير من الدول والقوى في العالم، بسبب ما يمكن أن يتركه من أثر على وجهة الأمور سلماً أو حرباً. فالمنطقة العربية تعجّ بالمشاكل التي أبرزها حالياً الغموض الذي يحيط بالوضع العربي جراء ما بات يعرف بـ«الربيع العربي». وكانت إسرائيل نفسها في حيرة مما يمكن أن تخبئه لها التطورات. وكان العالم من ناحية أخرى يقف متردداً إزاء الوجهة التي يمكن للأوضاع في المنطقة العربية أن تتخذها.

وقد قيل الكثير في أسباب اندفاع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو نحو تقديم موعد الانتخابات العامة. وتحدثت أغلبية المعلقين بثقة عن أن نتنياهو يدرك مقدار التفاف الجمهور الإسرائيلي حوله وأنه لهذا السبب أراد الإفادة من هذا الوضع وتتويج نفسه ملكاً على الحلبة السياسية. وأظهرت استطلاعات الرأي المنشورة في الشهور الأخيرة أن لنتنياهو ما يستند إليه. وأن الانتخابات توفر فرصة كبيرة له لأن يغدو الزعيم الذي تلتف حوله أغلبية الأحزاب الإسرائيلية نظراً لعدم وجود أي منافس له على الصعيد الحزبي ولا على الصعيد الشعبي.

فقد بينت الاستطلاعات أن نتنياهو يستطيع قيادة حزبه نحو تخطي حاجز الثلاثين مقعداً في الكنيست المقبلة ونحو امتلاك أوسع ائتلاف ممكن. والواقع أن اليمين الإسرائيلي بعد أن حسم الأمر ورسخ سيطرته على الحياة السياسية في إسرائيل صار أكثر ثقة بنفسه في أن يلعب دور يمين الوسط لاعتبارات إقليمية ودولية. وكان واضحاً أن القرار بتقديم موعد الانتخابات سيتخذ بسهولة في الكنيست، خصوصاً بعد أن تقدم كل من الليكود وحزب العمل وميرتس بمشاريع قوانين لحل الكنيست.

ولكن فجأة ومن دون مقدمات وخلال ساعات انقلب الوضع رأساً على عقب وتم الإعلان عن حكومة وحدة وطنية بمشاركة كديما ليتحقق ائتلاف من 94 عضو كنيست. وأعادت حكومة الوحدة هذه إلى الذاكرة حكومة الوحدة التي سبقت شن الحرب الإسرائيلية على الدول العربية في حزيران 1967. واندفع كثيرون للحديث عن أوجه الشبه مع تلك الفترة. بل نشرت أنباء عن تقديرات ومخاوف أميركية من أن انضمام شاؤول موفاز للحكومة يقرب موعد الضربة العسكرية الإسرائيلية لإيران. كما انتشرت هذه المخاوف في عدد من العواصم العربية.

وكان واضحا أن التطورات الأخيرة هذه استقبلت في الحلبة السياسية الإسرائيلية بالاستنكار، لأنها اعتبرت نوعا من «المناورة النتنة». ولهذا السبب كان هناك ارتياح كبير من جانب كل من نتنياهو وموفاز للأجواء التي اوحت بأن حكومة الوحدة تمت لتحقيق هدف كبير: الحرب أو السلام. ولكن فيما كان الأميركيون وكثير من العرب يركزون على هذا الهدف الجوهري للتطورات كانوا في إسرائيل يراهنون على المصالح الضيقة لكل من موفاز ونتنياهو. وكان هناك نوع من القطبة المخفية التي تمنع أحداً من الجزم بحقيقة الدوافع.

ولكن مع مرور الوقت صارت الصورة تزداد وضوحاً. العلاقات مع أميركا والموقف من السلام مع الفلسطينيين والتعامل مع مستجدات الربيع العربي كلها أمور كانت قائمة قبل شهور من قرار تقديم موعد الانتخابات وقرار تشكيل حكومة الوحدة. وليس هناك أي عنصر جديد طرأ في الواقع يدفع أياً من الطرفين لتغيير موقفه. بل إن الإشكال القائم في إسرائيل حول قانون طال لتجنيد المتدينين سبق بكثير التطورات في وجهيها المتعاكسين: الاندفاع نحو تقديم الانتخابات والاندفاع نحو حكومة الوحدة. ولذلك فإن دوافع تشكيل الحكومة لا يمكن أن تكون هذه التطورات. بل إن أغلب المعلقين في إسرائيل يجزمون بأن الهدف المعلن لحكومة الوحدة وهو سن قانون بديل لقانون طال وتغيير النظام السياسي في إسرائيل غير قابل للتحقيق على الأقل في عهد هذه الحكومة. بل ويذهب البعض نحو اعتبار الأمر مستحيلاً في ظل غلبة المعسكر اليميني واستمرار التحالف بين اليمين الديني واليمين القومي.

ولهذا السبب يجري الحديث عن أسباب أخرى، أغلبها انفعالي، على الأقل وفق ما يبدو حتى الآن. والواقع أن كل ما يتعلق بموفاز وكديما لا يشوبه غموض. فكديما، خصوصاً بعد فوز موفاز بزعامة الحزب، يتجه في الانتخابات المقبلة، وفق استطلاعات الرأي نحو الانهيار شبه التام. فمن واقع امتلاك 28 مقعداً في الكنيست الحالية إلى احتمال الحصول على أقل من عشرة مقاعد في الانتخابات المقبلة تبدو محاولة منع إجراء الانتخابات بكل ثمن أمراً مرغوباً. ويعتقد البعض أن موفاز يأمل من خلال تأجيل الانتخابات إلى موعدها الأصلي أن يمتلك هامشاً زمنياً يغير فيه الصورة.

ولكن لم يكن معروفاً أن نتنياهو يعيش مشكلة حقيقية. وقد تجلت هذه المشكلة في مؤتمر الليكود مطلع الأسبوع الفائت عندما رأى كيف أن الجماعات الاستيطانية من اليمين الديني ومن أنصار موشي فايغلين تسيطر بقدرتها التنظيمية على المشهد الليكودي. واندفع البعض للقول إن نتنياهو شعر نفسه غريباً في هذه الأجواء. فهو زعيم شعبي ولكنه يفقد الأرضية التي يستند إليها داخل حزبه. ويقولون إنه لهذا السبب قرر التراجع عن تقديم موعد الانتخابات.

وبالعموم، إذا صحت هذه المعلومات والتقديرات فإن نتنياهو اشترى عملياً كديما بثمن بخس، ولكن قادة كديما قد يكونون ضمنوا لأنفسهم مكاناً في الليكود. وهذا يقود إلى الخطوة المقبلة المتوقعة وهي الإعلان عن تغيير واسع في الحلبة السياسية الإسرائيلية قوامه تشكيل حزب يمين وسط جديد يضم أغلب الليكود وأغلب كديما وكل حزب «استقلال» إيهود باراك. وفي الأجواء القائمة هناك ما يشهد على أن الجمهور الإسرائيلي سيلحق بحزب كهذا. والأهم أن كل الأحزاب التي تدعي أنها أحزاب وسط تصب في نهاية المطاف في خانة اليمين.

المصدر- السفير

 

 

 

 

 

تاريخ النشر:2012-05-16 12:47:00 الموافق:1433-06-24 12:47:00ـ | تمت قراءته: 1683 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=7896