القاعدة الفرنسية في الخليج .. مهمة خاصة

أ. مهنا الحبيل


كان عُرفا متداولًا عند الموظفين الإنجليز في شركة أرامكوا الأمريكية قبل سَعْوَدَتِها أن يُرَدِّدُوا عبارات الشتم لفريق التنقيب النفطي للشركة الإنجليزية، الذي تَوَقَّفَ عن التنقيب قُبَيْلَ الوصول لمنابع النفط في حاضرة الدمام شمال إقليم الأحساء، حين وقفت جهود البحث الإنجليزية اعتقادًا منها بأن المواقع الْمُنَقَّبَ فيها خالية من الذهب الأسود، وبعد مغادرتهم باشَرَتِ البعثة الأمريكية التنقيبَ في 1933 واكتُشِفَ النفط في بئر الدمام 7 الشهير، وبسط الأمريكيون صناعتَهُم النفطيةَ باستثمارِ بحر الغوار النفطي الأكبر في تاريخ الصناعة النفطية في العالم.

ولذا كان التقسيم الوظيفي والرواتب يجعل الموظفين الإنجليز بعد الأمريكيين في المرتبة الثانية، مع فارِقٍ في مقدار الرَّاتِبِ والبدلات التي استَمَرَّتْ شركة أرامكو تَصْرِفُهَا لهم حتى الآن، وحين يضيق الإنجليز بتمييز الأمريكيين عنهم يلعنون صاحبهم رئيس فريق التنقيب الذي لم يُكْمِل الحفر، فيجعلهم مكان أندادهم الأمريكيين في التمتع بالثروة.

هذه الثقافة والشعور بالهزيمة من عوائد المنطقة، استمرتْ متعاقبةً متطورةً، خاصةً بعد أن انتهى الانتداب البريطاني من المنطقة، ووراثة الولايات المتحدة له رويدًا، رويدا، في صفقاتِ التأمين الأمني الكُبرى للخليج، وما يتَرَتَّبُ عليها من مصادر دَخْلٍ ضخم للصناعة العسكرية، وشركات الاستشارات والصفقات التجارية، المقترنةِ بحالة الهيمنة الأمريكية، والتي بسطتْ نفوذَهَا في مرابع أوروبا القديمةِ، مُمَثَّلَة بالعجوز العنيدة بريطانيا.

وكان حديث الإعلام الغربي يقف عند هذا المفترق بِلُغَةٍ واضِحَةٍ في غَيْرَتِها على استحواذ واشنطن على كعكة الخليج مع أن الأمريكيين كانوا مولودهم الصغير الذي نُعِتَ بأوروبا الجديدة, ومن الصعب أن يقف القديم مُجَرَّدَ تابِعٍ لمولوده، وهي الطُّرْفةُ السياسية المقصودة بين أوروبا القديمة والحديثة، التي صدرتْ في الجدل الدبلوماسي أواخِرَ حُكْمِ الرئيس جورج بوش الصغير، وعلَّق عليها الإعلام الغربي.

غير أن هذا الإبعاد أو الاستحواذ الأمريكي الذي لم يُبقِ إلاّ علاقةً محدودةً لإنجلترا مع الخليج تحت مباركتِه بَدْءَ ببرنامج التعويض لحلفائه الأطلسيين، وخاصةً إنجلترا وفرنسا بعد حرب الخليج الثانية 1991؛ حيث وُزِّعَتْ تركة الحرب ونفقاتها المستنزفة من اقتصاديات دولها على صفقات تَسَلُّحٍ كبرى، واتفاقياتٍ أمنية رأتْ فيها الولايات المتحدة أنها تُكْمِل إستراتيجيتها الأمنية, لكنّ القواعد العسكرية بقيتْ محصورةً في يد الولايات المتحدة، وبقيت المشاركة الإنجليزية الفرنسية ضِمْنَ إدارة القوات الأمريكية في المنطقة.

ولكن افتتاح الرئيس ساركوزي للقاعدة الفرنسية في الإمارات الشهر الماضي أضاف مشهدًا جديدًا للبُعْدِ الاستراتيجي للخليج، والذي لا يمكن أن يَتِمَّ دون التنسيق مع الولايات المتحدة، خاصةً مع العلاقة التي تحتضن بها واشنطن ساركوزي، والتي علّقتْ عليها صحف اليسار الفرنسي في حملته الانتخابية بصورةِ مخلوقٍ مُطَوَّق في عنقه، يُجسّد ساركوزي ويُمْسِك طَرَفَه الآخر الرئيسُ بوش .

المهم الذي يعنينا هو: ما الذي يحمله هذا التواجُدُ الأجنبيُّ الجديد لوضعيةِ المنطقة وسيناريو الأحداث، وما الذي حمل واشنطن على بَدْءِ تأمينٍ جُزْئِيٍّ لمهامِّهَا الأمنية في الخليج، وهل هناك أحداث تطابقتْ أوروبا القديمة والحديثة على استشرافها خارِجَ أو داخل الخليج، تحتاج إلى إسنادٍ مباشِرٍ من حلفاء الأطلسي، حتى في حديقة واشنطن الخلفية، أم أنّ هناك تغيُّرًا في قدرات واشنطن وسياسة إدارة المنطقة، بعد خسائرها في أفغانستان والعراق؟؟ هذا ما سنحاول أن نرصده ونستشرف أبعادَه، وعلاقَتَه بأمن الخليج المتداعي بُعْدِه القومي والسِّيَادي إلى درجة الغياب الشامل.

مساراتٌ تحكم مُهِمَّة البديل الفرنسي

مما عرضناه تقفز لدينا أسئلةٌ عن مهامِّ البديل الأوروبي المحتملة، وليس فقط القاعدة الفرنسية، وهذا يعود بنا إلى فَتْحِ الملفات الخاصة، ليس بأمن المنطقة فقط، ولكن بعموم التصور الاستراتيجي لخطة الإدارة الأمريكية وشُرَكَائِها الأطلسيين, ومما يُطْرَح في صورة مباشرة ضمن هذا الوضع الاستراتيجي لقوى الهيمنة الدولية، وبالذات في الخليج، أنّ التواجد الفرنسي إنما يأتي ضِمْنَ سياق تعزيزِ قدرات الحِلْفِ لمواجهة المشروع الإيراني، من خلال اختلال برنامج الصفقات الْهَشَّة أو الصُّلْبة كأفغانستان، أو المضطربة كلبنان، بحيث يؤمّن الفرنسيون بديلًا مواجهًا للتَّعَثُّر، وتعزيزًا لقدرات الحماية الأمنية لحديقة الخليج, الإستراتيجية للاستنزاف الغربي التاريخي، وهذا سيتَرَتَّب عليه تعديلٌ في قواعد اللعبة، يستلزم أن تتوسع عودةُ الأوربيين لإدارة المنطقة بِبُعْدِهم السياسي والأمني, غير أنّ هذا السبب جُزءٌ منه دقيق، والجزء الآخر ليس كذلك، بمعنى أنّ القضية حاليًا، وحتى مع الضجيج الإعلامي الكبير في مواجهة واشنطن بإيران, ليست مهمةً للشراكة الأطلسية الجديدة، رُغْمَ تصاعُدِ حرب الإعلام الإيرانية, ولكنّها تأتي لتأمين الحالة الأمنية لمصالح واشنطن، وثباتِ نفوذها الضَّخْمِ حين تنطلق واشنطن في حرب مصيرية كُبرى تُهَيَّأُ المنطقة لها، وقد عُقدت الصفقةُ مع إيران بالفعل، وباشَرَ الرئيس نجاد مع نظيريه زرداري وكرزاي لِمَدِّ الخطوط الإقليمية لمساندتها، وهي الحرب الكبرى على المقاومة الأفغانية، مُمَثَّلَةً بطالبان، وهي حرب آسيا المركزية بالنسبة للولايات المتحدة، وإنقاذِ شمس سلطتها وهيمنتها .

حماية التداعيات والخطوط الخلفية

ما يعني أن واشنطن تُرِيد أن تتفرغ في هذه الحرب العالمية التي تخوضها مع قرار التمَرُّد الإسلامي الأكبر، وتُعَزِّزُ الإسنادَ لِعُمْقِ مصالحها الإستراتيجية، وخلفِيَّتِها الداعمة والتابعة، وتُودِعها عند قبضة شركائها الأطلسيين, خاصةً مع دوائر القلق التي تجتاح واشنطن وطهران معًا، بأن خسارة هذه الحرب التي بدأ الجيش الباكستاني التهيئةَ لها لِقَطْعِ خطوط الإمداد عن طالبان الأفغانية في سوات ووزيرستان، ستعني نهايةَ التاريخ الأمريكي المهيمنِ، وبروزَ المارد الأكبر، وعليه فإن الأنظار ستتَرَكَّزُ على الخليج في اتحادٍ لكل تاريخ الهيمنة والنفوذ الغربي، وما يَعْنِيه لهم اختلال الموازين، وفِقْدان بقرتهم الحَلُوب الكبرى.

الحالة الخليجية المهلهلة

في المقابل وصلت حالة اتحاد مجلس التعاون الخليجي لِأَسْوَءِ مراحلها، وأصبحتْ قضية العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة وحلفائها تَمُرُّ وتتركّز من خلال علاقات ثنائية، ولم تَعُدْ واشنطن في حاجة إلى أنْ تَضْمَنَ ذلك بشيءٍ من المظلة الجماعية, بل وهي فَضَّلَتْ أن تتعامل معهم، كما هو منهجية أوروبا القديمةِ، شيوخ حواضر يُرَاسلهم التاج البريطاني، وليس دولًا ذات سيادةٍ وأمنٍ استراتيجِيٍّ، يقوم على العمق الوطني وانتمائه الأممي.

ومن المسائل التي لا تجد فيها الولايات المتحدة صعوبةً، هي حَجْمُ التجاوب لتسويق مشاريعها الأمنية في دول المنطقة؛ إذ إن الاعتقاد السائد في النظام الرسمي للخليج أنّ الأمن إنما يرتَكِزُ على حجم الولاء لمشاريع الشراكة مع واشنطن وحلفائها الأطلسيين، ولربما وجدتْ واشنطن بَعْضَ التمَرُّد أو التَّرَدُّد من هنا وهناك, ولكن لا يصل إلى حالة الرَّفْضِ الْمُطْلَق، رُغْمَ أن وضع المنطقة، واختلالَ موازين القوى الدولية والإقليمية أصبح يُعْطِي دلالاتٍ واسِعَةً لضرورة تحريك القدرات الذاتية، وبنائِها، والتعامُلِ مع المصلحة القومية كأساسٍ، غير أنّ دول المجلس لم تتخذ هذا المنعطفَ، ولا تزال الثقةُ بواشنطن هي المدارَ الاستراتيجيَّ لديها, وهم، سواءٌ مَنْ تَمَرَّدَ عليها إعلاميًّا، أو أَعْطَى صَكَّ الطاعة، فالقضية في التعامل الميداني واحدة.

البَدْءُ للمشهد المجهول

في كل الأحوال، فإن الْمُؤَكَّدَ أن القاعدة العسكرية الفرنسية هي مُجَرَّدُ المدخل الأول لسيناريو الحالة الاستراتيجية وأبعادِها التي ستتطور في الخليج، وانعكاسات الصراع والتوتر الكُبرى عليه, وأنّ انفجار الأوضاع أو انفلات الزمام لأيٍّ من المعارك الملتهبة، أو دخولَ قوى التمَرُّدِ الدولية سيكون عاصفا، ولن تضْمَنَ له قواعِدُ الأجانب ونفوذُهم الأمنَ، وحين تسقط كُرَةُ اللهب في مَكْمَنِ التفجير فلن يُنْقِذَ المخزنَ الأقفالُ التي ستَرْحَلُ من شدة الضغط، ويبقى اللهب المشتعل ليُعْطِيَ جوابَهُ الأكبر في تاريخ الخليج المعاصر!

المصدر: موقع الإسلام اليوم

تاريخ النشر:2010-02-24 15:06:57 الموافق:1431-03-10 15:06:57ـ | تمت قراءته: 2850 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=807