من تهويد القدس إلى تسييحها

خيري منصور


 في غمرة الاشتباكات والسجالات العربية - العربية، تواصل سلطات الاحتلال مشروعها وبالدقة الاستراتيجية المرسومة في تهويد القدس، وثمة استئناف لتمدد الجدار العنصري الذي سيقضم المزيد من الأراضي ومنها ما هو حول القدس، ولأن سياسة التهويد لم تجابه عربياً وإسلامياً وحتى دولياً بالردع، فإن ما يجري الآن هو ما نسميه تسْييح القدس، وهذا مشروع قديم تجددّ الآن لأن الظروف على ما يبدو أصبحت ملائمة، وتكلفة هذا المشروع السياحي الذي هو سياسي في مضمونه، ثلاثون مليار دولار، بحيث تُحول مدينة القدس وما حولها إضافة إلى مناطق أخرى يتم الاستيلاء عليها واستيطانها في الضفة الغربية إلى عاصمة العالم السياحية، وصاحب هذا المشروع هو "كيفين بيرمانستير" الذي لا يتجاوز في حقيقته اسماً حركياً أو مُستعاراً للصهيونية.

 يقول كيفين في حوار مع مجلة لوس أنجلوس تايمز: إن هذا المشروع سيكون الأكبر والأوسع وربما الأغلى في مجال السياحة على مستوى العالم.

 وهذا التسْييح هو الوجه الآخر للعملة ذاتها، إنه تهويد لكن تحت عنوان آخر أقل استفزازاً وفي حال الشروع به عملياً تكون القدس قد أُدْخلت إلى طور جديد، يحذف منها كل ما هو أصيل وله صلة بالمسلمين والمسيحيين على السواء، وإذا كانت سلطات الاحتلال قد بدأت تُمهد للاستيلاء التام على القدس منذ عقود فإن العرب بالمقابل كان لديهم ولا يزال الكثير من الشجون التي تشغلهم عن مُقدّساتهم وهويتهم التي تتعرض للتشويه وربما الحذف، فالقدس ليست مجرد مدينة فلسطينية محتلة، إنها عاصمة الروح وقبلة الوجدان ولها من المخزون التاريخي الرمزي ما يجعلها كثافة أمة وقد تقطرت في مدينة واحدة.

 وحكاية تسييح القدس هي حيلة صهيونية جديدة تهدف إلى صرف الانتباه عن البُعْدَيْن الديني والسياسي لقضية ربما كانت الأعقد والأعسر في تاريخنا كله.

 كيف يمكن لنا كعرب ومسلمين أن نواجه مثل هذا الالتفاف على القدس، وهل نكتفي مرة أخرى وربما للمرة الألف بعقد ندوات وإصدار توصيات ممنوعة من الصرف؟

 لقد قُرِعَتْ حتى الآن أجراس تُسْمع الأصم حول ما تتعرض له القدس سواء من حيث محو المعالم أو تزوير التواريخ أو خلخلة المباني الأثرية إضافة إلى ما يهدد الأقصى من تدمير تم بالتقسيط، بحيث أصبح الآن لا يقوى على الصمود أمام زلزال بدرجة متواضعة من مقياس ريختر.

 القدس ليست فائضاً جغرافياً أو مجرد فولكلور بحيث تنتظر ما يفرزه فائض الوقت والرفاهية لدى العرب، وكل دقيقة تمر قد يتعذر تعويضها بكل المقاييس لأن الجرافات التي تُدمر تحرسها من كل الجهات دبابات وطائرات، إضافة إلى وثائق تم تزويرها مؤخراً.

 نعرف أن الإفراط في التحذير لم يعد كافياً وربما تحول إلى مجرد عادات لفظية وفقاعات بلاغية ملونة، لكن الصمت لم يعد ممكناً وهو تواطؤ بشكل أو بآخر مع التوأمين الاستيطانيين وهما الجرافة والدبابة.

 إن هذا المشروع الذي يحمل عنواناً سياحياً قد يذهب بما تبقى، ويحول المشهد إلى أمر واقع، لهذا فإن التباطؤ في وضع حد له هو أيضاً تواطؤ، ويصعب علينا وعلى غيرنا أن نصدق بأن أمة تتواطأ على ما يجري لمقدساتها ومعالم حضارتها وأعز مقتنيات الروح لديها.

 المصدر- صحيفة الخليج الإماراتية

 

تاريخ النشر:2012-09-28 18:49:29 الموافق:1433-11-12 18:49:29ـ | تمت قراءته: 1968 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=8709